في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
مثَّلت العاصفة التي ضربت المنطقة الشرقية تذكيرًا بخطر التغيُّر المناخي على البلاد، التي لم تتعاف بشكل كامل من كارثة «العاصفة دانيال»، إذ تزداد الصعوبات في ظل هشاشة البنية التحتية وانقسامات سياسية طويلة الأمد، ما يجعل المواطن في مواجهة دون غطاء مع مخاطر الفيضانات والعواصف الرملية والكوارث الطبيعية الأخرى.
وفي مداخلات مع برنامج «وسط الخبر» المذاع على قناة الوسط «WTV»، أكد خبراء بيئيون وسياسيون أن البلاد بحاجة إلى خطط وطنية واستراتيجيات شاملة للتكيف والتخفيف من آثار هذه الكوارث، لكن إرث الحكم الشمولي والنخبة المتشبثة بالسلطة «يمثل عائقًا حقيقيًا أمام تطوير مؤسسات قوية وقادرة على حماية الإنسان وتعزيز الاستدامة».
التغير المناخي تهديد لليبيا ويستدعي خططًا شاملة لمجابهته
قال الخبير البيئي فادي أبي علام إن ليبيا تواجه آثارًا متزايدة للتغير المناخي، مؤكدًا أن «الفيضانات التي شهدتها البلاد العام 2023، والعواصف الرملية الحالية هي من نتائج التغير المناخي وتبرز الحاجة الملحة لوضع خطط وطنية شاملة للتعامل مع هذه المخاطر».
وأوضح أن «التحدي في ليبيا لا يقتصر على الظواهر الطبيعية فقط؛ بل يشمل غياب الأمن السياسي واستقرار الدولة، ما يضع المواطن في موقع هش أمام الكوارث»، مشددًا على أن «الموارد البشرية والطبيعية والمالية معرضة للاستغلال أو الهدر، والبلاد بحاجة إلى تحويل هذه الأزمات إلى فرصة لإعادة هيكلة النظام السياسي وتعزيز القدرة على حماية المواطنين».
وأكد أن «الاستجابة للكوارث في ليبيا يجب أن تقوم على خطة شاملة تشمل تحديد المخاطر والجهات المعرَّضة، ووضع مهام واضحة للمؤسسات الحكومية والمنظمات الدولية، وتأمين الموارد المالية والمعلوماتية واللوجستية». وأضاف: «كل الوزارات والمؤسسات المدنية معنية بتأمين الأمن الإنساني، ويجب أن يصبح هذا الأمن هو الهدف الأساس للعمل الحكومي، بحيث تصبح الدولة في خدمة الإنسان وليس العكس».
وأشار فادي إلى أهمية زيادة المساحات الخضراء وتطوير البنية التحتية، قائلاً: «ليبيا أصلاً خمسة وتسعين بالمئة صحراء، والخمسة بالمئة المزروعة في تناقص. المطلوب تحويل الصحراء إلى مصدر عطاء، وزراعة الأشجار والنباتات المقاومة للجفاف لمواجهة آثار التغير المناخي».
التجربة اليابانية يحتذى بها
وأوضح الخبير البيئي أن «التوعية المجتمعية تلعب دورًا حيويًا في الأمن الإنساني»، مشيرًا إلى أن «التعليم ووسائل الإعلام والمنابر الثقافية والدينية والاجتماعية يجب أن تعمل على تثقيف المواطنين حول كيفية التعامل مع الكوارث والتكيف مع التغيرات المناخية».
وتابع: «التجربة اليابانية في إدارة الأمن الإنساني تقدم نموذجًا يُحتذى به، فمشروعية أي نظام تُقاس بقدرته على حماية ورفاهية الإنسان، وهذا هو المعيار الذي يجب أن يُعتمد في ليبيا لضمان الأمن البيئي والاجتماعي والسياسي لجميع المواطنين»، موضحًا أن «ليبيا، كدولة نامية، تقع ضمن مسؤوليات المجتمع الدولي وفق اتفاقية باريس للتغير المناخي، لكن التحدي الأكبر هو تنفيذ الخطط على الأرض وتحويل الأطر الدولية إلى قوانين وسياسات محلية قابلة للتطبيق».
واختتم أبي علام بالقول: «الأمن الإنساني يجب أن يكون الهدف الأساس لجميع السياسات والبرامج، من حماية المواطنين أثناء الكوارث إلى التخطيط للتعافي المستدام، وضمان أن تتحول ليبيا من دولة هشّة أمام الكوارث إلى دولة قادرة على حماية شعبها واستثمار مواردها في خدمة الإنسان».
غياب سياسات فعالة لمواجهة الكوارث الطبيعية
قال الخبير بالتغير المناخي والكوارث الطبيعية الدكتور سامي الأوجلي إن ليبيا لم تتعلم الدروس الكافية من الكوارث السابقة، مثل كارثة درنة، مؤكدًا أن «التغير المناخي أصبح واقعًا عالميًا يجب التعامل معه بواقعية، وليبيا، للأسف، لم تضع بعد سياسات فعّالة للتكيف مع هذه الظاهرة».
وأوضح الأوجلي أن ليبيا «دولة كبيرة تطل على ساحل طويل وتتميز بطبيعة شبه صحراوية، وهي هشة أمام تأثيرات التغير المناخي نتيجة الاضطرابات السياسية والبنية التحتية الضعيفة والمتهالكة، التي لا تستطيع تحمل المتغيرات المناخية بين الحين والآخر، مثل غزارة الأمطار، الأعاصير الرملية، أو ارتفاع مستوى البحر». وأضاف: «ما شهدته البلاد بالأمس واليوم كان متوقعًا، وكان يمكن التهيؤ له عبر برامج واستراتيجيات استباقية».
وأشار إلى أن الأزمة في ليبيا ليست فقط مسألة كوارث طبيعية؛ بل مرتبطة أيضًا بغياب التخطيط الاستراتيجي والبنية المؤسسية القادرة على التعامل مع الأحداث. وقال: «في ليبيا، نحن دائمًا نتحدث بعد وقوع الكارثة، وهذا خطأ كبير. المطلوب هو وضع خطط استراتيجية وبروتوكولات للتكيف والتهيؤ قبل حدوث الكارثة».
وأكد أن هناك جهودًا نظرية في السنوات الأخيرة، مثل المؤتمرات وورش العمل، لكنها «لم تتحول إلى تطبيق على أرض الواقع». وأضاف: «نحتاج إلى أجهزة فنية، مراكز أبحاث، خبراء قادرين على رسم سياسات واقعية لإدارة التغير المناخي، مثل أي دولة في العالم، بهدف تطبيق سياسة التكيف والتهيؤ وتحقيق الاستدامة في جميع القطاعات».
الزراعة شبه منتهية.. ونسبة الغطاء النباتي ضعيفة للغاية
وتطرق الأوجلي إلى الواقع الزراعي في ليبيا، مشيرًا إلى أن «الزراعة شبه منتهية، ونسبة الغطاء النباتي ضعيفة جدًا، مما يزيد هشاشة البلاد أمام الكوارث الطبيعية». وأضاف: «حتى المباني والبنى التحتية ضعيفة، وغير مصممة لتحمل آثار التغير المناخي أو استخدام الطاقات المتجددة، وهو ما يفاقم المخاطر عند العواصف الرملية أو سرعة الرياح».
وحذر الأوجلي من غياب التخطيط المؤسسي، وقال: «صانع القرار في ليبيا لا يعطي الأولوية للتغير المناخي والكوارث الطبيعية، رغم تأثيرها الشامل على المجتمع والدولة. نحن بحاجة إلى حوكمة رشيدة وإدارة متخصصة للأزمات، وإعادة تأهيل المراكز البحثية، والتعاون مع المجتمع الدولي».
- بالفيديو: تحطم سيارة في بنغازي جراء العاصفة
- عميد بلدية البيضاء: أضرار مادية واسعة جرّاء العاصفة ولا خسائر بشرية (صور)
- مستشفى الكويفية في بنغازي يتعامل مع 766 حالة تنفسية خلال يومين
- عطلة استثنائية للمدارس المتضررة جراء العاصفة
وأكد أن الحل لا يتطلب دائمًا ميزانيات ضخمة؛ بل التخطيط الجيد والإدارة الفعالة، مشيرًا إلى أهمية تقسيم ليبيا إلى مربعات استراتيجية للتعامل مع الكوارث: «يجب أن نضع خططًا للتنبؤ قبل حدوث الكارثة، وخططًا للعمل أثناءها، وخططًا للتعافي بعدها، مع وجود جهة مختصة ومسؤولة لتنسيق كل هذه الإجراءات».
وختم الأوجلي بالقول: «ليبيا أمام تحديات حقيقية، والتغير المناخي مارد يسير بخطى أسرع من خطانا. الحل يبدأ برسم سياسات واضحة، وتفعيل مؤسسات قادرة على التنفيذ، لضمان أن تتحول البلاد من دولة هشة أمام الكوارث إلى دولة مستعدة، قادرة على حماية شعبها وتحقيق الاستدامة».
الانقسام السياسي والفساد يعقدان مواجهة الكوارث الطبيعية في ليبيا
يرى المحلل السياسي صلاح الدين العبار أن جذور الأزمة الحالية في ليبيا لا تقتصر على الخلافات السياسية الطويلة فحسب؛ بل تمتد إلى «الفساد والانقسامات السياسية التي أعاقت بناء مؤسسات قادرة على مواجهة الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية».
وأوضح أن «الميزانيات الكبيرة التي صُرفت بعد 2011، والمليارات التي ذهبت في شراء الذمم، لم تُستثمر في بناء المؤسسات البحثية أو تطوير قطاع الطوارئ، ما جعل الدولة غير قادرة على الاستجابة بشكل فعّال للكوارث»، متابعًا: «الانقسام السياسي الحالي يعقد الأمور أكثر، ويؤثر مباشرة على حياة المواطنين في قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم، حيث يعاني الليبيون من كوارث صحية، ونقص الخدمات، والعلاج خارج البلاد».
وأشار العبار إلى أن «الأزمة لا تقتصر على الكوارث الطبيعية؛ بل تتسع لتشمل الفساد المالي والإداري الذي يعوق أي جهود للتخطيط أو تطوير البنية التحتية، مثل الطرق ومجاري تصريف مياه الأمطار، والمناطق العشوائية، والبناء على الأودية»، مضيفا أن «كل هذه العوامل تجعل المواطن في وضع هش أمام أي كارثة طبيعية، حتى مع وجود استجابة وقتية من قوات الأمن أو الهلال الأحمر، لأن البنية الأساسية غير مؤهلة لمواجهة الأزمات الكبيرة».
تحييد المؤسسات الإنسانية عن الصراع السياسي ضرورة
وأكد العبار أن «تحييد المؤسسات الإنسانية والطبية، مثل الهلال الأحمر والقطاع الصحي، عن الصراعات السياسية ضرورة قصوى لضمان استمرارية عملها وحماية المواطنين، كما يجب أن تتعاون هذه المؤسسات مع خبراء دوليين لدعم جهودها، دون أن يمس ذلك بأي موقع سياسي لأي طرف».
وشدد العبار على أن «وجود حكومتين متنافستين في ليبيا يزيد التعقيد، فكل حكومة تعتبر أن أي تعاون خارجي أو دعم دولي تدخل في اختصاصها، ما يؤدي إلى مناكفات سياسية ويضع عبئًا إضافيًا على المواطنين». وأضاف: «الاستجابة للكوارث يجب أن تكون قائمة على خطط استراتيجية واضحة، ولجان جاهزة مسبقًا للتعامل مع الكوارث، بعيدًا عن المزاج السياسي».
وختم العبار بالتأكيد على أن «الفساد المالي والإداري في ليبيا تجاوز مجرد سوء الإدارة، وأصبح نهبًا حقيقيًا يضعف جميع القطاعات الحيوية، بما في ذلك الصحة والتعليم والبنية التحتية، ويترك المواطنين عرضة للخطر عند حدوث أي كارثة طبيعية».
أزمة ليبيا جذورها في الحكم الشمولي والتشبث بالسلطة
ويرى الناشط السياسي السيد بلقاسم بوسير أن جذور الأزمة الليبية لا يمكن فهمها بمعزل عن التجربة الطويلة للحكم الشمولي الاستبدادي التي مرت بها البلاد، قائلا: «كان الهدف الأساس من هذا الحكم تركيز السلطة والتحكم في مقدرات الدولة، وبناء شبكات ولاء نفعية على حساب بناء الإنسان وتنمية الوعي المجتمعي»، وأضاف أن هذا الإرث «ترك فراغًا عميقًا في الثقافة السياسية وفهم معنى الدولة والديمقراطية».
وأوضح بوسير أن الدول التي تنجح في وضع خطط مستقبلية، سواء كانت خمسية أو بعيدة المدى، هي عادة مجتمعات ناضجة وواعية، «قادرة على محاسبة المسؤولين وفهم دورهم»، بينما تعاني ليبيا من خلل بنيوي في هذا الجانب، مكملا: «الكثير من المسؤولين الذين تولوا مناصب خلال العقود الماضية، سواء قبل أو بعد 2011، كانوا يدورون في فلك مراكز السلطة نفسها، ويتنقلون بين المواقع دون معايير كفاءة أو محاسبة».
ووصف ما تعانيه ليبيا اليوم بأنه نتيجة «التصحر المعرفي» الذي خلّفه عهد القذافي، أي تغييب الوعي النقدي والسياسي لدى المجتمع، مؤكدًا أن «هذا يحتاج إلى فترة طويلة لإعادة البناء على مستوى الثقافة العامة والوعي الجمعي»، وأضاف أن هذا الخلل «ما زال حاضرًا حتى في المسار الانتخابي، حيث نجد شخصيات تمسك بالسلطة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، رغم أن أحد أهم شروط الديمقراطية هو التداول السلمي للسلطة».
النخبة سبب معاناة المواطن من نقص السيولة والغلاء وتدهور الخدمات
وانتقد بوسير بشدة تشبث النخب السياسية بمواقعها، وقال: «كثير منهم وصل إلى السلطة عبر الانتخابات، لكنه لا يؤمن فعليًا بالديمقراطية، بل يسعى في كل مرة إلى تبرير التمديد والبقاء». وأوضح أن هؤلاء الساسة «يدركون تمامًا معاناة المواطن اليومية من نقص السيولة وغلاء الأسعار وتدهور الخدمات الصحية، لكنهم لا يعيرونها اهتمامًا، لأن ثقافتهم السياسية قائمة على حب الذات والسلطة لا على خدمة الناس».
وأكد أن «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة»، وأن غياب البصيرة الوطنية لدى المسؤولين جعلهم منفصلين عن هموم المواطن الحقيقية، ومجرد امتداد لثقافة ما قبل ثورة 17 فبراير. وأضاف أن «عددًا كبيرًا من الوجوه الحالية كان جزءًا من اللجان الشعبية ومكاتب الاتصال في النظام السابق، وبعضهم كان وزيرًا آنذاك وما زال يتولى مناصب اليوم».
واختتم بوسير بالقول: «ليبيا ليست خالية من الكفاءات الحقيقية، لكن حب السلطة والتشبث بالمناصب واستمرار العقلية القديمة حالت دون تمكينها. الأزمة الحالية هي نتيجة مباشرة لفشل النخب في القطيعة مع الماضي، وبناء دولة تقوم على الوعي، والمواطنة، وخدمة الإنسان قبل كل شيء».
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة