سعر صرف ثابت للدينار أمام العملات الدولية أم سعر مرن متغير حسب العرض والطلب؟ سؤال طرحه د. محمد الشحاتي وأجاب عنه في مقال على صفحته بموقع فيسبوك اليوم الأربعاء، بعد يومين من قرار المركزي خفض سعر الدينار أمام حقوق السحب الخاصة.
يقول د. الشحاتي: من حيث المبدأ، يُعد نظام سعر الصرف الثابت سياسة نقدية شائعة في أغلب الدول النامية، خصوصا الدول الريعية النفطية، لمزايا اقتصادية عدة رغم أنه لا ينسجم نظريا مع آليات السوق الحرة.
وأوضح أن سعر الصرف الثابت يساهم في الحد من التضخم، ولا سيما التضخم المستورد، ويوفر درجة من اليقين للمستثمر المحلي والأجنبي بشأن العائد الاستثماري طويل الأجل المقوَّم بالعملة المحلية، بما يدعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل. كما أن تثبيت سعر الصرف يعزز الثقة في الجهاز المصرفي الوطني.
السوق الموازية قد تقلب الإيجابيات إلى معضلة
لكنه قال أيضا إن هذه الإيجابيات قد تنقلب إلى معضلة اقتصادية جسيمة إذا أدى تثبيت سعر الصرف إلى نشوء سوق موازية تتداول العملة بسعر مختلف عن السعر الرسمي.
ولا تقتصر آثار هذه الظاهرة على فقدان السيطرة على التضخم فحسب، بل تمتد لتغذية أنماط متعددة من الفساد المالي، والتهريب الجمركي، والمضاربة غير المنتجة التي تستنزف الموارد وتُضعف كفاءة الاقتصاد.
وأشار إلى أن نشوء السوق الموازية في أنظمة سعر الصرف الثابت لا يكون دائمًا نتيجة اختلالات اقتصادية داخلية بحتة، بل قد يكون ناجمًا عن اضطرابات سياسية تؤدي إلى عدم انتظام تدفقات النقد الأجنبي، أو إلى تقييدها أو مصادرتها عبر النظام المالي الدولي.
وضرب مثلا على دول شهدت هذه الظاهرة، من بينها ليبيا عقب تعرضها للحصار الأمريكي والدولي منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي.
وفي المقابل، فإن العديد من الدول التي لم تمر باضطرابات سياسية عنيفة وممتدة، حتى وإن كانت غير نفطية مثل الأردن وتونس، ما زالت تطبق أنظمة سعر صرف ثابت أو موجه من الدولة دون أن تشهد ظهور سوق موازية ذات وزن مؤثر.
وفي حالات أخرى، لم تتح للسوق الموازية فرصة التشكل بفعل تماسك النظام السياسي وقوة الردع الأمني، رغم وجود ضغوط أو أزمات خارجية، كما هو الحال نسبيًا في دول نفطية مثل روسيا والجزائر والعراق، حيث حال استقرار السلطة المركزية دون تطور نظام صرف موازٍ واسع النطاق.
سعر الصرف حسب العرض والطلب
أما نظام سعر الصرف المرن، القائم على تفاعل العرض والطلب على العملة، فقد جرى تبنيه عالميًا عقب التخلي عن الغطاء الذهبي للعملات.
ويُفترض نظريًا أن يسهم هذا النظام في إعادة توزيع الموارد المالية بكفاءة أعلى، لكن هذه الكفاءة تتطلب توفر بنية مالية ومؤسسية متقدمة، تشمل أدوات تحوط فعالة مثل العقود الآجلة للعملات، وسوقًا مكتملة لتداول السندات الحكومية، بما يمنع نشوء حالات الاختناق المتعمد التي يستغلها المضاربون لتحقيق أرباح ريعية من خلال التحكم في تدفقات النقد الأجنبي دخولًا وخروجًا، وفق الشحاتي
كما أن هذه المنظومة تحتاج إلى قدرات رقابية عالية، تشمل أعدادًا كبيرة من المحاسبين والمدققين واللجان التنظيمية القادرة على مراقبة السوق بصورة دقيقة ومنع تشكل أوضاع احتكارية أو مضاربات موجهة ضد العملة الوطنية.
- عن موجة المضاربة في سوق العملات.. الشحاتي: السيولة الباحثة عن الدولار لم تصل بعد لمرحلة التشبع
- «وسط الخبر» يناقش: ما بعد التسعير.. من يربح معركة الدولار ومن يدفع الكلفة؟
- بعد خفض الدينار.. خبير اقتصادي يتوقع ضرائب جديدة على السلع تصل إلى 35%
- «المركزي» يخفض سعر صرف الدينار 14.7%
- «الاقتصاد» تمنح 118 شركة مستوردة مهلة أسبوع لخفض أسعارها وتحيل المخالفين إلى «الضرائب» و«المركزي»
وخلص الشحاتي إلى أن تبني سياسة سعر الصرف المرن ليس خيارًا نقديًا متاحًا في جميع السياقات، ففي بيئات اقتصادية هشة ومؤسسات ضعيفة، قد يشكل هذا الخيار تهديدًا بالغ الخطورة، إذ يؤدي إلى تآكل سريع في القيمة المحلية للعملة الوطنية، ويفتح الباب أمام ظواهر الدولرة، وصولًا إلى انهيار شبه كامل للثقة في العملة المحلية.
الشحاتي: «تبريرات المركزي» غير مقنعة
وناقش الشحاتي ما وصفه بـ«تبريرات» مصرف ليبيا المركزي عندما خفض قيمة الدينار، إذ رأى حجة «انفلات الإنفاق الحكومي» و«عجز الميزان الجاري»، حديثا غير مقنع إلى حد كبير.
وقال: إن المنهج المحاسبي الذي يعتمده المصرف المركزي يقيس العجز على أساس التدفقات الدولارية عبر قناته المصرفية فقط... البالغة تسعة مليارات دولار، غير أن هذا الرقم، وإن كان يعكس اختلالًا في ميزان التدفقات الدولارية عبر الجهاز المصرفي، إلا أنه لا يمثل بالضرورة عجزًا في الميزان الجاري بالمعنى الاقتصادي الشامل، الذي يُقاس وفقًا لميزان المدفوعات على أساس صافي تجارة السلع والخدمات والدخول والتحويلات، وليس على أساس التدفقات التي تمر عبر المصرف المركزي فقط.
وأكد الشحاتي تأييده وقف جميع أوجه الصرف العام، باستثناء المرتبات والدعم، إلى حين اعتماد الميزانية من السلطة التشريعية. مشيرا إلى مطالبته بتجريم الاستمرار في الصرف وفق قاعدة 1/12.
ومع ذلك رأى إن سعر الصرف الثابت الذي يعتمده مصرف ليبيا المركزي قد لا يعكس القيمة العادلة للدينار الليبي. إذ يظل احتمال المبالغة في تخفيض السعر قائمًا، استنادًا إلى حركة سوق ضيقة وهامشية لا تمثل أكثر من 5 % من إجمالي تعاملات المصرف المركزي.
تحذير من التجربة الإيرانية
وفي هذا السياق، يقول الخبير الليبي إن المسار النقدي المتبع يقترب إلى حد كبير من التجربة الإيرانية، التي انتهت إلى انهيار العملة الوطنية، ليس نتيجة مبررات اقتصادية خالصة، بل بفعل اعتبارات أيديولوجية وسياسات حكومية أثقلت كاهل الاقتصاد وأفقدت العملة مصداقيتها.
غير أنه أكد أن نظام سعر الصرف الثابت يظل الخيار الأنسب لليبيا في المرحلة الراهنة، بالنظر إلى طبيعة الاقتصاد، لافتا إلى أن نشوء السوق الموازية لسعر الصرف يرتبط، في الحالة الليبية، بعوامل سياسية ومؤسسية أكثر من ارتباطه بعوامل اقتصادية بحتة، إذ إن حجم الموارد النفطية المتاحة يسمح بالحفاظ على استقرار سعر الصرف متى توفرت بيئة سياسية مستقرة وإدارة نقدية متسقة.
وخلص إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار النظري بين نظامي الصرف، بقدر ما يكمن في استعادة المصداقية المؤسسية والانضباط السياسي والمالي الذي يجعل من أي نظام مختار أداة استقرار، لا مصدرًا إضافيًا لعدم اليقين.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة