آخر الأخبار

«لاتريبين» الفرنسية: خطة ليبية لتحقيق الاكتفاء الذاتي في تكرير النفط بحلول 2037

شارك
مصدر الصورة
وحدة إنتاج الديزل بحقل زلة.. (أرشيفية: المؤسسة الوطنية للنفط)

سلط تقرير فرنسي الضوء على الجهود التي تبذلها سلطات ليبية، وعلى رأسها المؤسسة الوطنية للنفط، من أجل زيادة قدرات تكرير الخام، مقدرا حاجة البلاد إلى نحو أربعة مليارات دولار لتحديث البنية التحتية للمنشآت النفطية، وتحقيق هذا الهدف بحلول العام 2037.

مصدر الصورة مصدر الصورة

وقالت جريدة «لاتريبين» الفرنسية، المتخصصة في الشؤون الاقتصادية، إن ليبيا تملك حاليًا خمسة مصافي تكرير بطاقة إنتاجية نظرية إجمالية تبلغ 380 ألف برميل يوميًا. أما في الواقع، فيقتصر الإنتاج الفعلي على نحو 180 ألف برميل يوميًا، وهو مستوى يعكس تأثير كل من الإغلاق المطول لمصفاة راس لانوف منذ العام 2013، وتدهور حالة المنشآت القديمة المصممة وفقًا لمعايير لا تتناسب مع المتطلبات الحالية.

ويفسر تقرير الجريدة هذا النقص بالفجوة الكبيرة والمستمرة بين الاستهلاك المحلي للمنتجات البترولية المكررة والإمدادات المحلية، مضيفا أنه على الرغم من الوضع السياسي الهش الذي تمر به البلاد، فإنه «لا يمكن التشكيك في الأولوية المقدمة لإنعاش قطاع التنقيب والإنتاج النفطي».

إنهاء برنامج مقايضة النفط الخام بالوقود
تسعى المؤسسة الوطنية للنفط إلى إعادة إنتاج الخام إلى مستويات ما قبل الحرب، أي نحو 1.6 مليون برميل يوميًا بحلول نهاية العام 2026، مقارنةً بنحو 1.4 مليون برميل يوميًا حاليًا. ويمثل هذا الهدف مرحلة انتقالية تمهّد للوصول إلى سقف إنتاجي أعلى يبلغ مليوني برميل يوميًا، وهو الهدف الذي تشير إليه السلطات الليبية باستمرار في خططها الاستراتيجية.

وتتولى المؤسسة الوطنية للنفط قيادة عملية إصلاح قطاع التكرير المحلي، بوصفه أحد الركائز الأساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. ووفقًا لرئيسها مسعود سليمان، فإن مواطن الضعف الهيكلية في قطاعي التكرير والتوزيع دفعت ليبيا إلى الاعتماد المكلف على واردات الوقود، ما جعل المالية العامة عرضة لتقلبات الأسواق الدولية، وأدى إلى زيادة الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي.

وتقوم خطة المؤسسة على تحديث المصافي القائمة، إلى جانب إنشاء وحدة تكرير جديدة، وتطوير مشروع مصفاة الجنوب، الذي يهدف إلى تحسين إمدادات الوقود للمناطق الجنوبية، وتقليص الفجوة الجغرافية في التوزيع.

- خبير اقتصادي يحذر من ثمانية أخطار تهدد الأمن القومي والاقتصادي في ليبيا
- مؤسسة النفط: توافر الوقود بمخزون يغطي الطلب المحلي ولا مشاكل في الإمداد
- هل تقترب ليبيا من سيناريو فنزويلا في الحسابات الأميركية؟.. خبراء يجيبون

ويشير التقرير الفرنسي إلى أن هذا البرنامج يستهدف، في جوهره، تأمين السوق المحلية، ورفع الربحية الإجمالية لقطاع النفط من خلال تعزيز القيمة المضافة محليًا. ويترافق تطوير قطاع التكرير مع التزام معلن بإصلاح حوكمة القطاع، إذ أعلن مسعود سليمان عزمه إنهاء برنامج مقايضة النفط الخام بالوقود، الذي أُطلق العام 2021 كحل موقت لضمان الإمدادات المحلية في ظل محدودية قدرات التكرير ونقص السيولة. وقد سمحت هذه الآلية باستيراد الوقود مقابل شحنات من النفط الخام، من دون دفع فوري بالعملة الأجنبية.

وعلى الرغم من الطابع الاحتياطي لهذا البرنامج، فقد بات محل انتقادات واسعة بسبب افتقاره إلى الشفافية. وأظهر تدقيق مالي، أُجري العام 2023، أن قيمة عمليات المقايضة تجاوزت ثمانية مليارات دولار، بينما لم يُسجل جزء كبير منها بشكل صحيح في حسابات وزارة المالية، ما أسهم في تشويه صورة الأرصدة الحقيقية للموازنة العامة.

غير أن تعليق البرنامج في مطلع العام 2025 خلّف تداعيات فورية، إذ تراكمت على المؤسسة الوطنية للنفط متأخرات تقارب مليار دولار مرتبطة بواردات الوقود، في ظل غياب إطار بديل للتمويل. كما لم تتلقّ المؤسسة موازنة تشغيلية لعام 2025، في وقت واصلت فيه ديونها لشركات الخدمات والموردين الارتفاع، ما قيد قدرتها على مواصلة العمل بكفاءة.

تحديث البنية التحتية للنفط
في هذا السياق، ترى «لاتريبين» أن تطوير التكرير المحلي يمثل وسيلة رئيسية للحد من الهشاشة الهيكلية للاقتصاد الليبي. فمن خلال خفض الاعتماد على واردات الوقود، تسعى ليبيا إلى تقليص استنزاف العملات الأجنبية، وتأمين احتياجات السوق المحلية، واستعادة قدر أكبر من الشفافية المالية داخل القطاع. وتزداد أهمية هذا التوجه بالنظر إلى أن المحروقات تمثل نحو 90% من إيرادات الموازنة و95% من الصادرات، وفق بيانات المصرف المركزي.

وبحسب توقعات المؤسسة الوطنية للنفط، ستتيح الزيادة التدريجية في طاقات التكرير تحقيق الاكتفاء الذاتي من غاز الطهي بحلول العام 2033، ومن الديزل بحلول العام 2034، ومن البنزين بحلول العام 2037. وتعكس هذه الآجال جدولًا زمنيًا طويل الأمد، يتناسب مع حجم الاستثمارات المطلوبة، وتقادم البنية التحتية بعد أكثر من عقد من نقص الإنفاق الرأسمالي.

ويتزامن إنعاش قطاع التكرير مع إعادة فتح تدريجية أمام الاستثمارات الأجنبية. وتشير تقديرات السلطات الليبية إلى أن تحديث البنية التحتية واستعادة الطاقات الإنتاجية يتطلبان استثمارات تتراوح بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار. وفي هذا الإطار، تجرى مناقشات مع عدد من كبرى شركات النفط العالمية، من بينها «إكسون موبيل» و«شيفرون» و«بي بي» و«شل»، بالتوازي مع استعداد البلاد لطرح أول جولة عطاءات نفطية منذ 17 عامًا.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا يزال المسار محفوفًا بتحديات كبيرة، أبرزها الانقسام السياسي المستمر بين حكومتين متنافستين، ما يعقّد تنسيق الموازنات، ويحد من قدرة الدولة على تأمين استثمارات طويلة الأجل. كما تبقى البنية التحتية عرضة للاضطرابات الناجمة عن التوترات المحلية، بينما يواصل غياب إطار تنظيمي مستقر إعاقة استقطاب الشركاء الدوليين.

وتخلص الصحيفة الفرنسية إلى أن هذه التحديات تترافق مع اختلالات داخلية مزمنة، في مقدمتها عبء دعم الوقود، واستمرار نشاط الأسواق الموازية التي يغذيها عجز التكرير. وتسعى ليبيا من خلال تحركها المتوازي لإحياء إنتاج النفط الخام، وتوسيع قدرات تكرير مشتقاته، إلى استعادة السيطرة على سلسلة القيمة النفطية بأكملها. غير أن نجاح هذا المسعى سيظل مرهونًا بقدرة المؤسسات على تأمين التمويل اللازم، ودمج هذه الطموحات الصناعية ضمن بيئة سياسية أكثر استقرارًا.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا