سلطت جريدة «أراب ويكلي» اللندنية الضوء على الاستراتيجية «الشاملة» التي اتبعتها الولايات المتحدة في ليبيا، والهادفة إلى إرساء الاستقرار داخليا، وحماية المصالح الأميركية والغربية في ظل مشهد سياسي شديد الانقسام يتسم بنفوذ واسع للأطراف الأجنبية لا سيما روسيا.
وقالت الجريدة، في تقرير نشرته أمس الإثنين، إن «الولايات المتحدة اتبعت نموذجا جديدا للتدخل في الدول الهشة يدمج ثلاث ركائز رئيسية هي الدبلوماسية والانخراط العسكري والاستثمارات الاقتصادية».
وأضافت أن «نجاح هذا النهج يعتمد على التنسيق الدقيق بين الوكالات الأميركية، والتعاون مع الشركاء في المنطقة مثل مصر وتركيا، والإدارة الدقيقة للعلاقات مع روسيا وغيرها من الجهات الفاعلة الخارجية لمنع التصعيد».
مشهد شديد التعقيد
وقالت الجريدة إن انقسام السلطة في ليبيا بين الشرق والغرب خلق مشهدا معقدا حيث تتداخل مصالح الطاقة والأمن والهجرة، مما يجعل من ليبيا نقطة تركيز استراتيجية، ليس فقط بالنسبة إلى موقعها الجغرافي الرابط بين البحر المتوسط ومنطقة الساحل في أفريقيا، لكن أيضا بالنسبة إلى إنتاجها النفطي.
- المجلس الأطلسي: عودة الولايات المتحدة للانخراط في ليبيا «قرار صائب في توقيت حرج»
- في برقية للمنفي.. ترامب يحث قادة ليبيا على إنهاء الانقسامات ودعم المسار السياسي
- مستشار ترامب يوضح «أساس العلاقة» بين ليبيا والولايات المتحدة
جذبت العوامل اهتماما خاصا من الولايات المتحدة وأوروبا على حد السواء، حيث تمثل ليبيا بالنسبة إلى كليهما مركزا للطاقة، ومنطقة قلق أمني. فخلال السنوات الماضية، ظلت الأزمة في ليبيا مجمدة، مع توسع نفوذ القوات الأجنبية، وبالأخص روسيا، في القواعد العسكرية والطرق اللوجستية الحيوية وحول حقول النفط الرئيسية.
وفي ظل تلك الظروف، خلقت الأنشطة الاقتصادية وحدها مخاطر كبيرة، وكانت عرضة إلى الاضطرابات الأمنية أو التدخل الأجنبي.
نهج أميركي شامل
لهذا ردت الولايات المتحدة بنهج وصفه التقرير بـ«الشامل» في ليبيا، يجمع بين الدبلوماسية والانخراط العسكري والاستثمارات الاقتصادية لحماية مصالحها والمصالح الغربية، وأيضا تعزيز الاستقرار الداخلي في ليبيا.
دبلوماسيا، حرصت واشنطن على التنسيق عن كثب مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك مصر وتركيا وإيطاليا والأمم المتحدة، لموائمة السياسات، وتجنب أي صدام مع الأطراف المحلية أو الأجنبية.
وأجرت وفود عسكرية أميركية، بمن فيهم مسؤولون من القيادة المركزية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، زيارات عدة إلى طرابلس وسرت. ومن المقرر أن تشارك ليبيا في تدريبات «فلينتلوك» العسكرية في نسختها لهذا العام، والتي تركز على غرب أفريقيا، مما يعكس عزم الولايات المتحدة دمج ليبيا في إطار أوسع من التعاون بدلا من ترك المساحة مفتوحة أمام روسيا وغيرها من المنافسين.
ترتيبات عسكرية واقتصادية
عسكريا، منحت الجهود الأميركية الأولوية لتدريب وإعادة تأهيل قوات خاصة في ليبيا تضم جانبي الصراع في الشرق والغرب مع التركيز على العمليات المشتركة، وحماية البنية التحتية الحيوية، لا سيما المنشآت النفطية.
شملت آليات التنسيق خلايا تقنية لمراقبة البنية التحتية، ومواجهة التهديدات المرتبطة بتنظيمات مثل «داعش» و«القاعدة»، وتأمين الملاحة البحرية في البحر المتوسط ومنطقة الساحل. الهدف من تلك الاستراتيجية ليس إثارة الصراع، بل إرساء توازن يحمي المصالح الأميركية والغربية والحد من نفوذ المنافسين.
أما اقتصاديا، فتسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز بيئة الاستثمار في قطاعات النفط والغاز، بضمان وصول الشركات الغربية إلى الموارد بموجب أُطر عمل شفافة تكافح الفساد. وقد أعادت بعض الشركات مثل «إيني» و«شل» و«توتال إنرجيز» قنوات الاتصال مع المؤسسة الوطنية للنفط، في حين وقعت «إكسون موبيل» مذكرة تفاهم لاستكشاف حقول برية جديدة، مما يعكس الثقة المتجددة في قطاع الطاقة بليبيا.
إعادة فتح السفارة الأميركية
تمثل إعادة فتح السفارة الأميركية في طرابلس أحد المكونات الرئيسية للاستراتيجية الأميركية، إذ يوفر وجودا دبلوماسيا دائما لتنسيق المبادرات، ودعم التدريب العسكري، وحماية الاستثمارات، وتيسير التعاون بين الأطراف الليبية الفاعلة، فضلا عن دعم المشاركة الاقتصادية من خلال مؤسسات مثل مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية وبنك التصدير والاستيراد.
يهدف هذا النموذج متعدد الأبعاد أيضا إلى استعادة إنتاج الطاقة، وإدارة المخاطر الأمنية في البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل، وتقديم نموذج قابل للتطبيق في التعامل مع الدول الهشة الأخرى.
لكن تنفيذ تلك الاستراتيجية يتطلب الصبر والتنسيق واستغلال الفرص الاستراتيجية، التي قد تشكل نقطة تحول في السياسة الأميركية تجاه شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ويرسي الأساس لعصر جديد من التعاون المستدام والمتعدد الأوجه في ليبيا.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة