قالت مجلة «جون أفريك» الفرنسية إن قضية تفجير لوكربي التي أثيرت مجددا خلال محاكمة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي لا تزال «غامضة»، وتجرى حاليًا إجراءات قانونية بشأنها في الولايات المتحدة. بينما تكمن المشكلة في الكشف قبل أسابيع قليلة عن اختفاء تسجيل اعتراف المشتبه به الوحيد الناجي، وهو ضابط ليبي سابق، في ظروف مبهمة.
واستحضرت المجلة الفرنسية في تقرير، اليوم الأحد، تفاصيل الحادثة قبل ثمانية وثلاثين عامًا، إذ وقع في الحادي والعشرين من ديسمبر العام 1988، انفجار طائرة «بان آم» الرحلة 103 فوق قرية لوكربي في إسكتلندا، مخلفًا 270 قتيلًا، بينهم 189 أميركيًا، في هجوم كان الأكثر دموية على الإطلاق الذي تتعرض له المملكة المتحدة، التي سبق أن استُهدفت في سبعينيات القرن الماضي من قبل الانفصاليين الأيرلنديين.
كما كشف التحقيق أن طائرة «بوينغ 747»، التي كانت قد أقلعت لتوها من لندن متجهة إلى نيويورك، «لم تكن ضحية حادث، بل هجومًا دبره العقيد معمر القذافي». وقد دعمت هذه الفرضية وجود عدد من عملاء وكالة المخابرات المركزية رفيعي المستوى بين الركاب، وفق المجلة الفرنسية.
تفاصيل واحدة من أحلك فصول تاريخ الطيران المدني
وتؤكد «جون أفريك» أن القضية قديمة لدرجة أن البعض اعتقد أنها أُغلقت، لكن الأمر ليس كذلك. فعلى مدى أربعين عامًا تقريبًا، سعت المملكة المتحدة والولايات المتحدة جاهدتين لتقديم جميع المسؤولين إلى العدالة، لا سيما أن الهجوم أودى بحياة أحد عشر شخصًا من سكان لوكربي، البلدة التي تحطمت فيها الطائرة. وهكذا بدأت واحدة من أحلك فصول تاريخ الطيران المدني، وواحدة من أطول المحاكمات في التاريخ.
في حين أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية فكرت في البداية بوجود صلة إيرانية، وتحديداً الحرس الثوري، إلا أن النظام القضائي الأميركي سرعان ما ركز على مسؤولية ليبيا. ففي العام 2022، حصل على أمر بتسليم أبوعجيلة مسعود، وهو ضابط ليبي يُشتبه في مشاركته في التخطيط للهجوم، بما في ذلك تصنيع العبوة الناسفة. ومع ذلك، خلال مثوله أمام المحكمة في ديسمبر 2025، أقر محاموه باختفاء تسجيل فيديو يحتوي على اعترافه، وهو اعتراف حصل عليه مكتب التحقيقات الفيدرالي العام 2012 من سجن ليبي.
- محامو المريمي: فيديو اعترافاته في قضية لوكربي «مفقود أو مدمر»
- «بي بي سي»: أبوعجيلة المريمي يؤكد «إكراهه» على الاعتراف في قضية لوكربي
- مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق في حوار مع «الوسط»: «لوكربي» حجة أميركية تتجدد لابتزاز الليبيين
- «سجن مدى الحياة».. عائلة أبوعجيلة ترفض تأجيل محاكمته في قضية «لوكربي»
خلال هذه الجلسة، التي ادعى فيها مسعود أن اعترافه انتُزع منه تحت التعذيب، زعمت التقارير أن الضابط اعترف بدوره في تنظيم الهجوم. كما أخبر عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي أن القنبلة، التي وُضعت في حقيبة، مرت عبر فرانكفورت ومالطا قبل أن تُوضع في عنبر أمتعة طائرة «بان أم» في مطار هيثرو بلندن. وأعرب جيريمي كامينز، محامي الدفاع الفيدرالي، عن أسفه لاختفاء التسجيل، الذي سلمه مسؤول ليبي للأميركيين العام 2024، لأنه كان سيكشف الظروف التي جرى فيها الاستجواب.
محامو أبوعجيلة يطالبون بإغلاق القضية
وحسب التقرير الفرنسي، فإنه «نظراً لعدم كفاية الأدلة لمحاكمة أبو عجيلة مسعود، المتهم الوحيد الذي سيُحال إلى المحكمة، يطالب محاموه بإغلاق القضية ريثما تُستكمل إجراءاتها في الولايات المتحدة»، ويشيرون ضمناً إلى أن التأخيرات طويلة جداً لإجراء محاكمة عادلة، فقد استغرق الأمر سنوات وعقوبات دولية عديدة حتى وافق معمر القذافي، على تسليم المتهمين للعدالة، وحتى اعترفت طرابلس بتورطها.
وبمرور الوقت، يؤدي اختفاء معظم الشهود والمذنبين إلى تعقيد إجراء المحاكمة، خاصة عندما يتعلق الأمر برجال ذوي مناصب رفيعة مثل لامين خليفة، الذي كان يدير الخطوط الجوية العربية الليبية في مطار مالطا، أو عبدالباسط المقرحي، وهو ضابط مخابرات ليبي ورئيس الأمن في الشركة، والذي أدين في 270 تهمة وحُكم عليه بالسجن المؤبد في العام 2001، وقد أُطلق «لأسباب صحية» في العام 2009 وتوفي في ليبيا العام 2012.
وانطلاقًا من قناعتهم منذ البداية بأنهم يتعاملون مع هجوم إرهابي، شنّ المحققون حملة بحث مكثفة لجمع المعلومات وفق «جون أفريك»، ويعملون على فرضية استخدام عبوة ناسفة قوية حطمت الطائرة إلى أربعة ملايين قطعة من الحطام، تناثرت على مساحة تقارب 2200 كيلومتر مربع، وهذا أمر غير مسبوق في مجال الطيران.
ولم يعد استخدام مادة «سيمتكس» المتفجرة، المصنعة في تشيكوسلوفاكيا، موضع شك، إذ اعترفت السلطات التشيكية بتزويد ليبيا بألف طن منها. وتشير أدلة أخرى إلى طرابلس، ولا سيما قطعة من لوحة دوائر كهربائية لجهاز توقيت مشابه لجهاز عُثر عليه بحوزة ثلاثة عملاء مخابرات ليبيين أُلقي القبض عليهم في داكار في مارس 1988، والذي سلمت شركة «ميبو» السويسرية عشرين وحدة منه إلى ليبيا العام 1985، وفق التقرير الفرنسي.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة