أثار حادث تحطم طائرة المشير محمد الحداد اهتمامًا واسعًا على المستويين المحلي والدولي، نظرًا لتداعياته الإنسانية والأمنية، وفي قلب التحقيقات يبرز الصندوق الأسود كأداة أساسية لفهم أسباب الحادث وتحديد الملابسات الفنية.
وفي هذا السياق، أجاب مجدي الشبعاني، أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، في تصريح خاص لشبكة “عين ليبيا”، على أبرز الأسئلة القانونية والفنية المتعلقة بالصندوق الأسود والتحقيقات الدولية لحوادث الطيران.
وحول القيمة القانونية للصندوق الأسود في التحقيقات الدولية لحوادث الطيران، قال الشبعاني، إن الصندوق الأسود (Flight Data Recorder وCockpit Voice Recorder) يُعد الأداة الفنية الأكثر أهمية في التحقيقات، لكنه ليس دليلًا جنائيًا قاطعًا بحد ذاته، بل عنصرًا محوريًا ضمن منظومة متكاملة تشمل حطام الطائرة، سجلات الرادار، الاتصالات الجوية، ملفات الصيانة، وشهادات الخبراء.
وأشار إلى أن القانون الدولي للطيران، كما نصت عليه اتفاقية شيكاغو لعام 1944، يجعل التحقيق وقائيًا وغير عقابي بهدف منع تكرار الحوادث وتعزيز السلامة الجوية، وليس لإسناد المسؤوليات الجنائية.
وفيما يتعلق بـ التعامل مع حالات تلف الصندوق الأسود أو تعذر قراءة بياناته، أوضح الشبعاني أن القانون لا يُفترض وجود خطأ أو جريمة تلقائيًا عند تعرض الصندوق للتلف أو تعذر قراءة بياناته.
وأكد أن ملحق (13) لاتفاقية شيكاغو يعترف بإمكانية التلف الجزئي أو الكلي ويقترح استخدام الأدلة التعويضية لإعادة بناء الوقائع باستخدام مصادر فنية أخرى.
وأضاف أن تلف أجهزة التسجيل يُعد قرينة محايدة ولا يتحول لشبهة جنائية إلا إذا اقترن بقرائن إضافية مثل العبث المتعمد أو كسر سلسلة الحيازة.
وحول مسألة تضرر أجهزة التسجيل وكونها قرينة على خلل فني أم شبهة جنائية، قال الشبعاني، إن تلف أجهزة التسجيل يُعد قرينة مادية محايدة في الأصل، لكنه يتحول إلى شبهة جنائية فقط إذا ترافقت مع دلائل مثل العبث أو تناقض البيانات مع المعطيات الفنية الثابتة.
وفيما يخص الجهة القانونية المخولة بتقرير عدم قدرة دولة ما على استخراج بيانات الصندوق الأسود، أوضح الشبعاني، أن هذا الاختصاص ينعقد حصريًا للسلطة الفنية الرسمية لدولة وقوع الحادث أو المختبر المفوض منها، وأن أي تقييم خارجي لا يُعتد به قانونيًا، لأن مسألة قابلية القراءة مسألة فنية بحتة تخضع للمعايير الدولية.
وحول السند القانوني لنقل الصندوق الأسود خارج الدولة التي وقع فيها الحادث، قال الشبعاني إن ملحق (13) لاتفاقية شيكاغو يجيز نقل الصندوق إلى دولة تمتلك خبرات تقنية أعلى إذا اقتضت الضرورة الفنية، ويتم ذلك ضمن إطارين: إطار عام وفق اتفاقية شيكاغو، وإطار ثنائي أو متعدد يحدد مكان التحليل ونطاقه وحقوق الاطلاع على البيانات.
وفيما يتعلق بـ ضرورة إشراك ليبيا رسمياً في قرار نقل الصندوق الأسود إلى بريطانيا، أكد الشبعاني أن إشراك الدولة التي وقع الحادث على أراضيها، ومنها ليبيا، يُعد إجراءً جوهريًا لضمان السلامة القانونية، وأن عدم إشراكها لا يبطل التحقيق تلقائيًا لكنه يفتح باب الطعن في سلامته الإجرائية ويضعف مشروعيته الدولية.
وحول الالتزامات القانونية للدولة المستقبلة للصندوق الأسود، قال الشبعاني إن الدولة المستقبلة تتحمل التزامات دقيقة تشمل الحفاظ على سلامة الصندوق، ضمان سلسلة الحيازة دون انقطاع، استخدام البيانات لغرض التحقيق الفني فقط، تمكين الدول المعنية من الاطلاع، والامتناع عن إعلان النتائج خارج الإطار المتفق عليه.
وفيما يتعلق بـ المقصود قانونيًا بالتحقيق الدولي في حوادث الطيران ومن يحدد أطرافه وطبيعته، أوضح الشبعاني أن التحقيق الدولي هو تحقيق فني تقوده دولة واحدة، غالبًا دولة وقوع الحادث، بمشاركة دول أخرى ذات صلة وفق معايير منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، ولا يُقصد به تحقيق جنائي دولي إلا إذا انتقل الملف لاحقًا إلى مسار قانوني آخر.
وحول تأثير وجود ضحايا من قيادات عسكرية رفيعة على توصيف التحقيق قانونيًا، قال الشبعاني إن وجود ضحايا من قيادات عسكرية لا يغير التوصيف القانوني طالما الطائرة مدنية ولم يُعلن الحادث كعمل عدائي، لكنه قد يؤدي عمليًا إلى فتح تحقيقات موازية أمنية أو جنائية دون التأثير على التحقيق الفني.
وفيما يتعلق بـ إمكانية الجمع بين التحقيق الفني والتحقيق الجنائي في الوقت نفسه، أوضح الشبعاني أن الجمع بين المسارين ممكن قانونًا، شريطة الفصل المؤسسي بين التحقيقين وعدم استخدام التسجيلات الصوتية كدليل جنائي مباشر، وعدم تعطيل التحقيق الفني أو التأثير على موضوعيته.
وحول الضمانات القانونية للحفاظ على سلامة الصندوق أثناء نقله وتحليله، قال الشبعاني إن الضمانات تشمل الختم الرسمي، التوثيق الزمني، محاضر الاستلام والتسليم، والتقارير المختبرية المعتمدة، وأن أي كسر في سلسلة الحيازة يفتح باب الطعن قانونيًا.
وفيما يتعلق بـ حق الدول المعنية في الاعتراض على نتائج التحليل ومن يملك الكلمة الفصل، أوضح الشبعاني أن الدول المعنية يمكنها الاعتراض على نتائج التحليل، لكن الكلمة الفصل في إعلان النتائج النهائية تبقى لدولة وقوع الحادث، وأن الدولة الليبية، متى كانت معنية، لها الحق في الحصول على نسخة كاملة من بيانات FDR ومحاضر التحليل مع مراعاة قيود الخصوصية الخاصة بتسجيلات CVR.
وحول حقوق ذوي الضحايا في الاطلاع على نتائج التحقيق، قال الشبعاني إن ذوي الضحايا لهم حق الاطلاع على النتائج النهائية للتحقيق، دون أن يمتد هذا الحق إلى التسجيلات الخام.
وفيما يتعلق بـ المسار القانوني المتوقع في حال ثبوت إهمال أو خطأ جسيم، أوضح الشبعاني أن المسارات القانونية قد تتعدد بين المسؤولية المدنية، الجنائية، أو الدولية إذا تعلق الفعل بدولة أو عمل خارجي، وأن بيانات الصندوق الأسود تُستخدم كدليل فني مساعد أمام المحاكم، لا كدليل جنائي منفرد.
وحول التداعيات القانونية إذا أثبت التحقيق أن الحادث ناتج عن عطل فني أو تدخل خارجي، قال الشبعاني إن الحادث الناتج عن عطل فني يترتب عليه آثار قانونية مدنية وتعويضات وتوصيات للسلامة، أما إذا ثبت وجود تدخل خارجي أو عمل تخريبي، ينتقل الملف للقانون الجنائي أو الدولي مع ما يستتبعه من اختصاصات أمنية وقضائية.
وفيما يتعلق بـ إمكانية تعطيل المساءلة القانونية بسبب تلف جزئي في الصندوق الأسود، أوضح الشبعاني أن التلف الجزئي لا يعطل المساءلة إذا أمكن استكمال صورة الحادث من خلال الأدلة الأخرى، لأن القانون الدولي يبني الحقيقة على تكامل الأدلة وليس على دليل واحد فقط.
وختم الشبعاني تصريحاته بالتأكيد على أن الصندوق الأسود وسيلة لكشف الحقيقة لا لاحتكارها، وأن التحقيق في حوادث الطيران يحكمه القانون الدولي بدقة، وأن الشفافية وتكامل الأدلة هما الركيزتان لضمان مشروعية النتائج، وأن أي مساس بسلسلة الحيازة أو بالإجراءات لا يضر بالحقيقة وحدها، بل بمشروعية ما يُبنى عليها لاحقًا.
المصدر:
عين ليبيا