جريدة «الوسط»: رحيل الحداد يوحد المشهد.. ويتجاوز الانقسام
مصدر الصورة
وزير الدفاع التركي يشار غولر يستقبل رئيس الأركان العامة الفريق محمد علي الحداد، 23 ديسمبر 2025. (وزارة الدفاع التركية)
فُجع الليبيون بسقوط طائرة تقل أبرز الوجوه العسكرية من غرب البلاد، في واقعة مفاجئة فتحت باب الأسئلة على كثير من نقاط الظل في مشهد سياسي وأمني معقد، وانقسام مؤسساتي يكشف عن اختلالات في بنية الدولة.
فبعد دقائق من إقلاعها من مطار «أسن بوغا» في أنقرة باتجاه العودة إلى طرابلس، سقطت طائرة فالكون كانت تقل رئيس الأركان العامة الفريق أول محمد الحداد وأربعة من مرافقيه، وهم: قائد القوات البرية التابعة لـ«حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» الفريق ركن الفيتوري غريبيل، ومدير التصنيع العسكري العميد محمود جمعة القطيوي، ومستشار رئيس أركان الجيش محمد العصاوي، والمصور محمد عمر أحمد محجوب، إلى جانب طاقم الطائرة الثلاثة.
اللحظات الأخيرة في طائرة الحداد
وتداول بعدها مسؤولون أتراك كواليس ما حدث لطائرة الحداد عقب طلبها الهبوط اضطرارياً بسبب عطل كهربائي قبل تحطمها مساء الثلاثاء، وفق مصادر تركية رسمية.
ومع مواصلة اللجنة المشكلة من وزير الداخلية في الحكومة عماد الطرابلسي مهامها في التنسيق مع السلطات التركية بشأن التحقيق الذي تجريه حول الواقعة، عقب العثور على الصندوق الأسود للطائرة بعد ساعات من الحادث، اتجه كثيرون سريعاً نحو تقديم تأويلات للحادث، مع استغراب يتعلق بتدابير تأمين الرحلة، والتي كانت تقل كوادر عسكرية رفيعة في طائرة واحدة مستأجرة جرى الاعتماد عليها في رحلات حساسة، حيث تقتضي احتياطات حماية كبار مسؤولي الدولة اتخاذ إجراءات مشددة.
وتجنباً لفرضيات «المؤامرة»، أعلنت السلطات التركية تحليل الصندوق الأسود في دولة ثالثة محايدة بهدف اعتماد معايير الشفافية، وكشف حقيقة أسباب الحادث، وسط تعهدات من أنقرة بإعلان نتائج التحقيق للرأي العام بشكل مهني. وقد تدفع الواقعة إلى مراجعة شاملة لبروتوكولات تأمين الوفود الرسمية المسافرة جواً مستقبلاً.
رئيس حزب معارض تركي يدعو إلى تحقيق دقيق
ولفت رئيس حزب المستقبل المعارض في تركيا أحمد داود أوغلو، في تدوينة على منصة «إكس»، إلى أن توقيت الحادث وطبيعة الوفد الذي كان على متن الطائرة يستوجب الأخذ بعين الاعتبار المخاوف التي أثارت قلق الرأي العام، مشدداً على ضرورة أن يجري التحقيق في الحادث بشكل دقيق ومن مختلف الأبعاد، وأن تُعلَن نتائج التحقيق للرأي العام بكل شفافية.
فيما طالبت الجمعية القضائية الليبية في بيان بتمكين الدولة من ممارسة حقها القانوني الأصيل في التحقيق بحادث سقوط الطائرة الليبية على الأراضي التركية. وأكدت الجمعية أن المشاركة الليبية في التحقيق ليست إجراءً شكلياً، بل حق ثابت تكفله القوانين والاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي.
- للاطلاع على العدد «527» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
- ليبيا وتركيا يتفقان على تحليل الصندوق الأسود لطائرة الحداد في ألمانيا
- تقارير فنية وعينات من الحطام.. تركيا تكثف تحقيقاتها بشأن طائرة الحداد المنكوبة
- 5 مطالب للمتظاهرين في مصراتة منها دعوة البعثة الأممية لتسريع الحوار والوصول إلى انتخابات
وتزامنت زيارة الحداد ومرافقيه مع إعلان البرلمان التركي، الإثنين، الموافقة على مذكرة رئاسية تتيح للقوات التركية مواصلة مهامها في ليبيا لمدة عامين إضافيين، اعتباراً من 2 يناير 2026، ما أثار التكهنات بشأن زيارة الوفد العسكري الليبي رفيع المستوى أنقرة.
وبينما تقدم تركيا دعماً سياسياً وعسكرياً للحكومات المتعاقبة في غرب البلاد منذ العام 2019، بموجب مذكرة التفاهم التي وقعتها مع «حكومة الوفاق الوطني السابقة» بشأن التعاون الأمني، وتحديد مناطق الصلاحيات البحرية بين البلدين، فإنها وسّعت مؤخراً انفتاحها على شرق ليبيا، وجرت عديد الزيارات رفيعة المستوى بين الجانبين.
أبعاد سياسية لحادث الطائرة المنكوبة
وكان من الطبيعي أن تحمل الحادثة بعداً سياسياً بحكم الانقسام الحكومي في ظل الأزمة السياسية القائمة في ليبيا وتفرعاتها، إذ أعلنت كل من حكومة الدبيبة وحكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب بشكل منفصل الحداد الرسمي لمدة ثلاثة أيام في عموم البلاد. أما رئيس مجلس النواب عقيلة صالح فقد عبر عن تعازيه في وفاة الحداد ومرافقيه، مؤكداً أن الحادث يمثل «خسارة كبيرة للمؤسسة العسكرية».
وقدم المشير خليفة حفتر العزاء باسم «القيادة العامة»، في وفاة الفريق الحداد، واصفاً إياه بأنه «أحد رجالات المؤسسة العسكرية الذين أدوا واجبهم العسكري بكل تفانٍ ومسؤولية، وتحملوا الأمانة في مراحل دقيقة من تاريخ الوطن، وأعلوا المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى». كما أعلنت الحكومتان في غرب البلاد وشرقها إلغاء احتفالات الذكرى الرابعة والسبعين لاستقلال ليبيا، في خطوة رمزية، فيما نُكست الأعلام في المنطقتين.
ومنذ تعيين رئيس الحكومة السابق في طرابلس فايز السراج الفريق أول الحداد في أغسطس 2020، عُرف الراحل بخطابه المعتدل الداعي إلى وقف القتال وبذل جهود لتوحيد المؤسسة العسكرية ضمن لجنة «5+5». والتقى في الأشهر الأولى من تعيينه في مدينة سرت رئيس أركان قوات الجيش الليبي، الفريق عبدالرزاق الناظوري، ضمن مساعي كسر الجمود بين الشرق والغرب، وبعدها في مارس 2023، استقبل الناظوري في طرابلس، قبل أن يزور بنغازي في الشهر التالي.
البعثة الأممية تشيد بالحداد
وأشادت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بـ«رجل وضع المصالحة الوطنية فوق كل الاعتبارات، وكان خلال توليه المنصب مدافعاً قوياً عن توحيد المؤسسات العسكرية والمدنية الليبية، وعن السلام والاستقرار من أجل ليبيا قوية» وفق بيان للبعثة. في الأثناء، أصدر رئيس «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» عبدالحميد الدبيبة قراراً سريعاً بتولي نائب الحداد الفريق صلاح الدين النمروش منصب رئيس الأركان مؤقتاً، حسبما أعلن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي.
وتواردت معلومات عن مباشرة كل من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي وعبدالحميد الدبيبة، مشاورات لتعيين رئيس جديد لهيئة أركان قوات الجيش في غرب البلاد، لكن كثيرين من الليبيين والمهتمين بالشأن الليبي يتوقعون أن الأمر لن يكون سلساً وسريعاً، بالنظر إلى طبيعة الوضع في هذه المنطقة والحساسية الجهوية، التي ستتركز في مناطق ثلاث هي: الزاوية ومصراتة والزنتان، التي ينحدر منها أبرز العسكريين المرشحين لخلافة الحداد.
أجواء مشحونة في مناطق بغرب البلاد
ويأتي كل هذا في أجواء مشحونة، فقد شهد الشارع الليبي في بعض مناطق غرب البلاد حالة غضب، عبرت عن جانب منها مظاهرات شعبية في مدينتي مصراتة والزاوية؛ رفضاً للواقع السياسي والاقتصادي الراهن في ليبيا، وتنديداً بالفساد، وذهبت الأصوات المحتجة إلى المطالبة برحيل حكومة الدبيبة، بل بإنهاء الأجسام الحاكمة كافة، مثلما كان الأمر في مظاهرات مصراتة.
في هذا الوقت أيضاً تواصل المبعوثة الأممية محاولة تفعيل خريطة الطريق المعلنة قبل أشهر عبر التلويح بخطة بديلة بالتوازي مع مسار الحوار المهيكل، ففي انتظار جلسة الإحاطة المقبلة بمجلس الأمن فبراير المقبل، تضغط تيتيه على مجلسي النواب والأعلى للدولة لإنجاز مهمتهما الوطنية بالتوافق حول الإطار الانتخابي، مهددة باستعدادها للبحث عن آلية بديلة، وطلب دعم مجلس الأمن.
وتتضمن الخريطة الأممية ثلاثة أركان؛ أولها قيام مجلسي النواب والدولة بتعيين مجلس المفوضية العليا للانتخابات، إلى جانب إدخال تعديلات على القوانين الانتخابية، وثانيها توحيد المؤسّسات عبر تشكيل حكومة موحدة للبلاد، وثالثها «الحوار المهيكل».