جريدة «الوسط»: تشكيك دولي في جدوى عملية «إيريني»
مصدر الصورة
مجلس الأمن الدولي في جلسته بشأن ليبيا، نيويورك 25 نوفمبر 2025. (ا ف ب)
حدثان على المستوى الأممي جرى تسجيلهما في سياق تداعيات الأزمة الليبية، الأول تعلق بمسار قرارات المحكمة الجنائية الدولية ذات العلاقة بالشأن الليبي، أما الثاني فيرتبط بتدفق السلاح إلى البلاد على الرغم من وجود قرار أممي بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، ما جدد السؤال حول مدى رغبة المجتمع الدولي في مساعدة بلد أنهكه التنافس الخارجي وتعدد المبادرات السياسية غير المنسقة، إلى جانب الفوضى الأمنية التي يزيد من تأجيجها وجود السلاح المنفلت الخارج عن سيطرة الدولة.
ولعل من مفارقات ما يمكن وصفه بالنفاق الدولي أنه حين كان يتلى الإعلان عن تجديد قرار مجلس الأمن، الأربعاء، في نيويورك بتمديد مهمة العملية البحرية الأوروبية «إيريني» المكلفة بالتعامل مع السفن المشتبه في شحنها سلاحاً إلى ليبيا، كشف موقع «إيتاميل رادار» الإيطالي عن رحلة طائرة شحن من طراز «إليوشن» تابعة لسلاح الجو الروسي باتجاه ليبيا عبر الأجواء التركية.
ومثل هذه الرحلات بها تسمح سوى تركيا، بوصفها الدولة الوحيدة داخل حلف الناتو، التى تحلق الطائرات العسكرية الروسية فوق أراضيها، خلافاً لبقية دول الحلف التي أغلقت مجالها الجوي أمام الطيران الروسي منذ بدء الحرب الأوكرانية.
الموقف التركي من الأزمة الليبية
ويطرح التوازن الاستراتيجي الذي تتبناه أنقرة في علاقتها مع موسكو في إدارة الملف الليبي تساؤلات في ظل التحوّل اللافت في مواقفها خلال العام 2025، مع انفتاح متزايد على السلطات في الشرق الليبي، مقابل استمرار علاقاتها الراسخة مع حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» في الغرب.
أمام هذا الأمر لم يكن غريباً أن تعلن روسيا والصين تحفظهما على قرار تمديد مهمة «إيريني»، الذي شدد على ضرورة توافر أسباب معقولة للاشتباه قبل الشروع في تفتيش السفن، علماً بأن التفويض الحالي ينتهي في 28 نوفمبر الحالي، بعدما مُدِّد لستة أشهر فقط في مايو الماضي، وهو ما يعكس الانقسام داخل المجلس؛ حيث رأت الولايات المتحدة وبريطانيا أن «إيريني» تسهم في تحسين تنفيذ الحظر.
تضمن التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بشأن أنشطة القوة البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي في البحر الأبيض المتوسط أنها شملت أكثر من 2000 حالة صعود على السفن وتفتيشها.
«3+ أ» تأسف لعدم فعالية «إيريني»
كانت مجموعة «3+ أ» التي تضم الجزائر، والصومال، وسيراليون، وغيانا قد تأسفت لعدم فاعلية العملية الأوروبية «في ظل التدفقات غير القانونية للأسلحة لا سيما جواً وبحراً».
ويقتصر السماح لدخول الأسلحة إلى ليبيا بشكل قانوني على استثناءات محدودة شملت السماح بدخول طائرات وسفن عسكرية مخصصة للمساعدات الإنسانية، إلى جانب المساعدة التقنية والتدريب الموجهين لقوات الأمن الليبية، بهدف دعم توحيد المؤسسات العسكرية.
لكن الأطراف الليبية المؤثرة على الأرض تتحصل على ما تريده من الترسانة العسكرية المتطورة من شبكات غير رسمية، فقد أظهرت استعراضات وجولات قتال مؤخراً بين عدد من التشكيلات المسلحة نوعية جديدة من السلاح بحوزة تلك التشكيلات، وهو ما كان في مرات عديدة سبباً في إجهاض مساعي الحد من العنف، وتحقيق الاستقرار في البلاد، وفي السياق كشفت إعلانات صادرة عن مكتب النائب العام بالقبض على متّهمين في سبع حالات اغتيال خلال نوفمبر الجاري.
قرب محاكمة الهيشري أمام «الجنائية الدولية»
على صعيد آخر أعلنت المحكمة الجنائية الدولية عن تبلغها إشعار مجلس الأمن بتحقيق تقدم غير مسبوق مع اقتراب أول محاكمة وتوقيف خالد محمد علي الهيشري بتهم جرائم حرب.
وتطرقت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهة شميم خان، خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي، إلى توقيف المواطن الليبي خالد محمد علي الهيشري من قبل السلطات الألمانية في 16 يوليو الماضي، استناداً إلى مذكرة توقيف صادرة عن الدائرة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية، واصفة الخطوة بأنها تعد «مثالاً واضحاً للزخم الذي نبنيه»، ومشيرة إلى أن مكتب الادعاء يتهم الهيشري بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سجن معيتيقة بين فبراير 2015 ومطلع 2020.
- مجموعة «أ3+»: «إيريني» لم توقف تصدير الأسلحة إلى ليبيا وندعو لمحاسبة من ينتهك الحظر
- بين التدخل الدولي وغياب الملاحقة محليا.. إحاطة «الجنائية الدولية» تفتح ملف الإفلات من العقاب في ليبيا
- حكومة حماد تستنكر إحاطة المدعي العام للجنائية الدولية: انتهاك لسيادة ليبيا وتدخل غير مقبول
- بيان من الولايات المتحدة و9 دول أخرى يرحب بخطة هانا تيتيه ويدعو جميع الأطراف للالتزام بها
- للاطلاع على العدد «523» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
أضافت خان أن النقل الوشيك للهيشري إلى المحكمة، وما سيليه من جلسات ما قبل المحاكمة ثم المحاكمة نفسها يبعث برسالة واضحة مفادها أن «من تسببوا بالمعاناة في ليبيا مخطئون إذا اعتقدوا أنهم ما زالوا خارج متناول العدالة».
وشدّد المندوب الدائم لليبيا لدى الأمم المتحدة طاهر السني، من جهته، على ضرورة عدم السماح لأي جهة بمحاولة تسييس عمل المحكمة، مؤكداً أن الجرائم والانتهاكات التي تشهدها ليبيا تكمن في «غياب حل سياسي شامل، في ظل استمرار التدخلات الخارجية السلبية منذ 15 عاماً».
«حكومة حماد» تنتقد إحاطة «الجنائية الدولية»
لكن بالنسبة للحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد فإن إحاطة نائب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية «تخالف أحكام نظام روما الأساسي، وتنتهك سيادة ليبيا واستقلال قضائها بشكل مباشر»، واتخذت هذه الحكومة سلسلة من الإجراءات القضائية، منها صدور أمر ولائي عاجل من محكمة جنوب بنغازي الابتدائية يقضي بوقف تنفيذ إعلان حكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» الخاص بقبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في ليبيا، وذلك في 28 يوليو الماضي، بناء على دعوى من رئيس الحكومة أسامة حماد.
وليس بعيداً عن ذلك، ضمنت المبعوثة الأممية هانا تيتيه دعم 10 دول في بيان مشترك رحبت بقرار مجلس الأمن تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، وبخريطة الطريق التي وضعتها المبعوثة، داعية جميعَ الأطراف الليبية إلى «تبني هذه الخطة مع التيسير الذي تقدمه البعثة للدفع نحو الوصول إلى حكومة موحدة وإجراء انتخابات». وصدر البيان عن حكومات كل من الولايات المتحدة، ومصر، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وقطر، والسعودية، وتركيا، والإمارات، والمملكة المتحدة، حسب بيان نشرته السفارة الأميركية لدى ليبيا عبر موقعها الرسمي.