في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

قبل 8 سنوات وتحديدا في ديسمبر/كانون الأول 2018، شهدت المياه الساحلية الشرقية لليبيا، أول رصد لسمكة الأسد، التي تعرف أيضا في بعض الدول باسم "دجاجة البحر"، وذلك استنادا إلى عينتين أعلن اثنان من الصيادين عن صيدهما عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لم يأخذ هذا الرصد حينها اهتماما كبيرا، رغم حرص الباحثين على توثيقه علميا، إذ كان التوصيف حينها أنه ظهور عابر للسمكة، لكن الوضع تغير في عام 2026، إذ تكشف دراسة من مدينة درنة الليبية، أن وجود السمكة في المياه الليبية لم يعد مجرد ظهور عابر، كما في الماضي، بل تم رصد مؤشرات على انتشارها وتكاثرها.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 رئاسة جديدة للنواب الليبي.. خلاف على شرعية التغيير
* list 2 of 2 معاوية عبد المجيد يروي كيف فضح أديب إيطالي-سوري فظائع الاستعمار في ليبيا end of list

وتكتسب تلك السمكة اسم "دجاجة البحر"، كما يسميها الصيادون في بعض المناطق ومنها خليج العقبة، بسبب الزعانف الريشية الممتدة حول الجسم، التي تجعلها تشبه الدجاجة، بينما تكتسب الاسم الآخر، وهو "سمكة الأسد"، من أنها في لحظات الدفاع عن النفس تقوم بفرد زعانفها لتبدو حينها كبيرة ومهيبة مقارنة بجسمها.

ظهور عابر

والموطن الأصلي للسمكة يقع في منطقة المحيطين الهندي والهادي، ويمتد من البحر الأحمر وجنوب أفريقيا شرقا إلى إندونيسيا، ولم يكن البحر المتوسط موطنا لها.

وكان أول وجود لها في البحر المتوسط عام 1991، حيث سُجل حينها ظهور عابر قرب حيفا، ولم يتم رصدها مجددا بعد هذا الظهور إلا بعد عقدين من الزمن وتحديدا في عام 2012، حيث سجلت عينتان منها في الساحل اللبناني، ورجح الباحثون حينها أن هذه السمكة جاءت من البحر الأحمر عبر قناة السويس، ضمن ما يعرف بـ "الهجرة اللسبسية".

مصدر الصورة الزعانف الريشية الممتدة حول جسم السمكة يجعلها تشبه الدجاجة (بيكسابي)

وبعد الظهور اللبناني بدأت السمكة في التحرك على طول سواحل المتوسط، وظهرت في مناطق أخرى من شرق المتوسط، وكانت قبرص إحدى أهم المحطات، حيث بدأت القصة تأخذ هناك منحى أكثر إثارة للقلق.

إعلان

وبعد أول ظهور لها في قبرص، ارتفعت كثافتها بسرعة، وبحلول عام 2018، رُصدت تجمعات يصل عدد أفرادها إلى 70 سمكة في بعض المواقع، ولم يكن الأمر مجرد زيادة في العدد، إذ كانت تنمو أسرع وتصل إلى أحجام أكبر من أفراد النوع في موطنه الأصلي، كما كانت تنضج جنسيا خلال عام واحد، ويمكن للبالغات أن تتكاثر على مدار العام، أي أنها في تلك المحطة القبرصية لم تكتف بالوصول إلى المتوسط، لكنها وجدت فيه مناخا يسمح لها بالنجاح.

وفي الوقت نفسه، واصلت السمكة توسيع نطاقها، فظهرت في تركيا، ثم سجلت في رودس باليونان، ووصلت إلى تونس، كما وصلت إلى إيطاليا وصقلية، ومؤخرا عادت بوجه مختلف إلى ليبيا بعد ظهورها العابر في عام 2018.

تقييم أولي لوجود السمكة

وخلال الدراسة الجديدة، حاول باحثون ليبيون في علم الأحياء البحرية، الإجابة عن سؤال: هل أصبحت هذه السمكة بالفعل جزءا مستقرا من البيئة البحرية المحلية؟

ويعترف الباحثون في دراستهم أنها لم تكن مسحا شاملا لكل الساحل الليبي، لكنها كانت تقييما أوليا جمع بين معرفة الصيادين والملاحظات الميدانية وتحليل عينات من السمكة.

وشمل الاستبيان 50 صيادا، وكانت النتيجة اللافتة أن 100% منهم قالوا إنهم شاهدوا السمكة أثناء الصيد، ولم تكن المشاهدات في موقع واحد، إذ ظهرت في الأثرون، ودرنة، ورأس الهلال، ورأس التين، وكرسة، أي أنها كانت حاضرة عبر عدة مواقع على الساحل الشرقي.

والأكثر أهمية أن نحو 70% من المشاهدات حدثت على أعماق بين 5 و20 مترا، وهذه ليست أعماقا بعيدة عن الإنسان، إذ تتداخل مع مناطق الصيد الساحلي.

كما أفاد 66% من الصيادين بأنهم يشاهدون سمكة الأسد بصورة أكبر خلال الصيف، لكن الباحثين لا يثبتون أن ارتفاع الحرارة هو السبب المباشر وراء ذلك، بل يطرحون احتمال ارتباط المشاهدات بدرجة حرارة المياه والنشاط والتغذية والتكاثر.

من الغذاء إلى التكاثر

وانتقل الباحثون بعد ذلك إلى الإجابة عن سؤال: ماذا تأكل هذه السمكة في المياه الليبية؟

وللإجابة، أخذ الباحثون 5 سمكات فقط إلى المختبر، وكانت معظم العينات إناثا تحمل أكياس بيض متطورة، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشرا على نشاط تناسلي خلال فترة الدراسة.

ثم جاءت المعدة لتكشف جانبا آخر من القصة، حيث احتوت عينتان على أسماك صغيرة، أي أنها تمارس دورها كمفترس.

والمشكلة ليست في أن هذه السمكة تأكل، فكل الأسماك المفترسة تفعل ذلك، لكن القلق الذي تثيره يأتي من أنها مفترس دخيل لم تتكيف معها الكائنات المحلية عبر تاريخها، كما توضح سارة المبروك، الباحثة في علوم الأحياء البحرية والرئيسة المؤسسة لجمعية علم الأحياء البحرية في ليبيا، والمشاركة في الدراسة.

وتقول سارة للجزيرة نت: "الأسماك الصغيرة تعرف كيف تتعامل مع المفترسات المحلية التي عاشت معها آلاف السنين، لكنها لا تتعرف على السمكة الجديدة بوصفها خطرا، وهو ما أثبتته دراسة ميدانية في الكاريبي، أكدت أن 8 أنواع على الأقل من الأسماك المحلية أبدت استجابة دفاعية أضعف بكثير أمام سمكة الأسد، مقارنة بسلوكها أمام مفترساتها المعتادة".

وتضيف أن لهذه السمكة أيضا أسلوب صيد خاص، فهي تقترب من فريستها ببطء وتطلق نحوها دفقات موجهة من الماء، فتستدير الفريسة غالبا لتواجهها، ويسهل ذلك من مهمة ابتلاعها من جهة الرأس، يضاف إلى ذلك أن المفترسات المحلية تعيش في توازن طويل مع فرائسها ومنافسيها ومفترساتها، أما السمكة الجديدة فتدخل النظام البيئي دون هذه الضوابط.

إعلان

ويشير الدكتور محمد وحشة، أستاذ مشارك في البيئة البحرية بالجامعة الأردنية، ومدير محطة العلوم البحرية في الأردن (لم يشارك في الدراسة) في تصريحات للجزيرة نت، إلى بعد آخر وهو أن سمكة الأسد أو دجاجة البحر، كما يطلقون عليها في الأردن، من النوعية التي يطلق عليها "مفترس عام يأكل ما يتوفر حوله"، إذ تستطيع أكل مجموعة واسعة من الأسماك والقشريات، وبالتالي يمكن أن يكون لبعض فرائسها أهمية اقتصادية، بينما تؤدي أنواع أخرى أدوارا مهمة داخل الشبكة الغذائية.

ولأن السمكة وافد جديد على المكان ولا يوجد لها مفترسون طبيعيون، فإن ذلك يزيد من قدرتها على النمو السريع والتكاثر، وتصبح أمامها فرص أكبر للاستقرار في بيئة جديدة، كما يضيف محمد.

وخطورة هذه التغيرات، كما يوضح الخبير الأردني، أنها قد تؤدي إلى خلل في تركيب المجتمعات السمكية والتوازن في الشبكات الغذائية البحرية، وما يرتبط بذلك من تأثيرات على النظام البيئي.

وأثبتت دراسات أجريت في قبرص ما أشار إليه محمد، حيث وجد أنها تتغذى على أسماك عظمية وقشريات، بعضها ذو قيمة اقتصادية عالية مثل سمكة الببغاء في البحر المتوسط (سباريسوما كريتينس)، وبعضها له دور مهم في الشبكة الغذائية المحلية، وخطورتها التي وثقتها تلك الدراسات أنها تستهدف صغار الأسماك قبل أن تبلغ سن التكاثر، فينعكس أثرها لاحقا على المخزون السمكي.

مصدر الصورة هناك مشكلة أخرى أكثر مباشرة، أشارت إليها الدراسة الليبية، وهي أن أشواك تلك السمكة سامة (بيكسابي)

لماذا تكيفت مع المياه الليبية؟

وعن أسباب تكيفها مع المياه الليبية، أوضحت سارة أن حالة ليبيا تشبه أي حالة في البحر المتوسط، ففي قبرص تبلغ سمكة الأسد النضج الجنسي خلال عام واحد، وتستطيع البالغات التكاثر على مدار السنة، وتبلغ ذروة التكاثر في الصيف وتنجرف بيوضها ويرقاتها مع التيارات البحرية، وقد أظهرت نماذج تتبع الجسيمات أن هذا الانجراف السلبي مع التيارات يفسر إلى حد كبير توسعها في المتوسط حتى عام 2020.

كما بينت هذه النماذج أن انخفاض حرارة المياه هو ما حد من توسعها شمالا، ولذلك قد يفتح ارتفاع حرارة المتوسط أمامها مناطق جديدة، أما المفترسات الطبيعية، فقد خلصت مراجعة حديثة إلى أن البيانات المتوفرة عن افتراس سمكة الأسد نادرة، وأن الافتراس الطبيعي وحده لن يكفي على الأرجح للسيطرة على أعدادها في المتوسط، مما يجعل التدخل البشري ضروريا.

وتضيف سارة أن "ما وثقناه في ليبيا يؤكد سرعة انتشارها، فبعد أن سُجل الجنس لأول مرة في المياه الليبية في ديسمبر/كانون الأول 2018 قبالة الساحل الشرقي، تمتد اليوم السجلات المؤكدة التي جمعت خلال الدراسة على 5 مواقع، من جنزور غرب طرابلس إلى البردي قرب الحدود المصرية، بمسافة تقارب 1140 كيلومترا في خط مستقيم، وتشمل هذه المواقع أيضا مرسى البريقة في خليج سرت وساحل بنغازي ومصراتة، أي أن السمكة غطت معظم الساحل الليبي في أقل من 8 سنوات، ورصدها غواص في مصراتة خلال سبتمبر/أيلول الماضي على عمق 35 مترا، حيث كانت حرارة القاع 19 درجة مئوية".

غزو يلسع الصيادين

وهناك مشكلة أخرى أكثر مباشرة، أشارت إليها الدراسة الليبية، وهي أن أشواك تلك السمكة سامة.

ومن بين الصيادين المشاركين في الدراسة، قال 46% إنهم تعرضوا لإصابة من أشواكها، كما قال 88% إنهم يعرفون أشخاصا آخرين تعرضوا للإصابة.

ولم تستدع معظم الحالات دخول المستشفى، بينما احتاجت نسبة محدودة إلى إسعافات أولية ثم رعاية بالمستشفى.

والمفارقة أن السمكة، رغم أشواكها السامة، صالحة للأكل، إذ لا يتركز السم في اللحم، ولهذا تقترح الدراسة استهدافها بالصيد لتقليل أعدادها، مع تدريب الصيادين على التعامل الآمن معها، وربما تطوير سوق لاستهلاكها.

الحاجة للمزيد من البحث

ورغم أن هذه الدراسة تقدم عدة إشارات متزامنة تثير القلق، فإنها لا تخبر بعد بحجم التجمع الليبي، أو معدل نموه، أو مقدار الضرر الذي أحدثه في الأسماك المحلية.

إعلان

وتقول سارة إن "إثبات تغيير فعلي في تركيبة المجتمعات السمكية يتطلب مقارنة بيانات مرصودة عبر سنوات متتالية، ومياهنا تفتقر إلى قاعدة بيانات مرجعية تعود إلى ما قبل وصول هذا النوع، كما أن ساحل درنة تعرض لاضطراب كبير بعد فيضانات عاصفة دانيال في سبتمبر/أيلول 2023، وفصل أثر سمكة الأسد عن آثار الفيضان يحتاج إلى رصد طويل الأمد، وما نملكه حاليا مؤشرات على الحضور والانتشار والتنافس المحتمل، وليس دليلا قاطعا على تغير المجتمعات السمكية".

وتضيف: "على هذا الأساس فإن الدراسات التالية في ليبيا ستراقب 4 علامات، أولها وجود أحجام مختلفة معا، بما فيها الصغار والأفراد الكبيرة البالغة، لأن ذلك يعني أن التكاثر يحدث محليا، وقد أعطتنا عينات منطقة البردي في الدراسة الحالية مؤشرات، حيث وجدنا أفرادا يصل طولها إلى نحو 34 سنتيمترا، بما يشير إلى وجود مجموعة مستقرة، كما أفاد الصيادون في استبياننا بأن ساحلي درنة والأثرون أكثر المواقع التي لاحظوا فيها مؤشرات على تكاثر السمكة، وهذه ملاحظة تستحق التحقق الميداني.

والعلامة الثانية تزايد ظهورها في الشباك وفي مشاهدات الغواصين من موسم إلى آخر، وانتشارها في أعماق وبيئات متعددة، والثالثة ظهور تجمعات كثيفة بدل المشاهدات الفردية، والرابعة، وهي الأهم، رصد تراجع فعلي في الأسماك المحلية الصغيرة أو في صيد الأنواع التجارية حيث تكثر سمكة الأسد.

وتضيف: "في ليبيا تحققت العلامتان الأولى والثانية إلى حد كبير، أما الرابعة فلم نتمكن من قياسها بعد لغياب برامج الرصد المنتظم، ونأمل أن تقدم دراسة ماجستير يتم إعدادها حاليا عن سمكة الأسد في جامعة عمر المختار، صورة أدق عن الفرائس التي تستهدفها السمكة، وعن مدى تداخل غذائها مع غذاء الأسماك المحلية والأنواع التجارية".

وتحرص سارة، من خلال رئاستها لجمعية علم الأحياء البحرية في ليبيا على إشراك الصيادين والغواصين في الرصد، وعلى توعيتهم بالتعامل الآمن مع السمكة، وتشجيعهم على صيدها واستهلاكها بعد إزالة الأشواك السامة، لأن الصيد البشري يبقى -في تقديرها- من أهم وسائل الحد من أعدادها.

ويدعو الباحثون أنفسهم إلى جمع عينات أكبر ورصد طويل الأمد وتغطية جغرافية أوسع، وهو ما يدعو له أيضا الخبير الأردني، والذي قال إن "تقدير حجم التأثير الفعلي يتطلب رصدا منهجيا ومستمرا لانتشار السمكة وكثافتها ومعدلات تكاثرها، إلى جانب تقييم تأثيرها على التنوع الحيوي والمخزون السمكي والمصايد".