بعد ساعات من فوز إحدى قاضياتها السابقات بنوبل للسلام.. واشنطن تفرض عقوبات على "الجنائية الدولية"
نددت المحكمة الجنائية الدولية بالعقوبات الأميركية، معتبرة أنها تستهدف تقويض سيادة القانون وترهيب موظفيها، وأكدت مواصلة تحقيقاتها وملاحقاتها القضائية.
دخلت المواجهة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية مرحلة جديدة، بعدما فرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عقوبات على المحكمة نفسها، وهددت بمواصلة العمل على تفكيكها ما لم تُعالج الاعتراضات الأميركية .
وجاء القرار بعد ساعات من إعلان فوز القاضية السابقة في المحكمة، الحقوقية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، بجائزة نوبل للسلام، في خطوة أثارت هجوماً من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وفيما قالت واشنطن إن العقوبات تستهدف قطع موارد المحكمة وتقويض قدرتها على العمل، أكدت المحكمة أنها لن تتراجع عن تحقيقاتها وملاحقاتها القضائية، معتبرة الإجراءات الأميركية اعتداءً على سيادة القانون ومحاولة لترهيب موظفيها والمتعاونين معها.
ويضع هذا التصعيد الولايات المتحدة على مسار خلاف دبلوماسي مع حلفائها الأوروبيين، إذ أعربت المفوضية الأوروبية عن أسفها الشديد لفرض العقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، مؤكدة التزامها بنظام روما الأساسي والعمل مع المحكمة لضمان استمرار عملها، واستعدادها لاتخاذ تدابير تمكّنها من أداء مهامها بشأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
عقوبات تطال المحكمة وتتجاوز استهداف مسؤوليها
تتبنى إدارة ترامب منذ فترة طويلة موقفاً عدائياً تجاه المحكمة الجنائية الدولية، التي أُنشئت عام 2002 لمحاكمة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وسبق أن فرضت عقوبات على مدعيها العامين وقضاتها.
لكن الإجراءات الجديدة تذهب أبعد من استهداف أفراد، إذ تطال المؤسسة نفسها، وقد تؤدي إلى معاقبة الشركات التي تقدم لها خدمات، بما يهدد معاملاتها المصرفية وتغطيتها التأمينية وخدماتها التقنية.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ، إن ترامب "لن يسمح أبداً للمحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة أميركيين"، معلناً فرض عقوبات تحظر التعامل مع ما وصفه بـ"المحكمة المارقة"، وتقطع مواردها وتشل قدرتها على العمل ضد الولايات المتحدة.
وتحظر العقوبات الأميركية عادةً على الشركات الموجودة في الولايات المتحدة التعامل مع الجهات الخاضعة لها، ما يدفع المصارف إلى إغلاق الحسابات، وشركات التأمين إلى إنهاء التغطية، وشركات البرمجيات إلى وقف التعاون.
روبيو للحلفاء: اكبحوا المحكمة وإلا سنواصل تفكيكها
وربط روبيو التصعيد بما وصفه بإخفاق المحكمة والدول الأطراف في نظام روما الأساسي المؤسس لها في معالجة المخاوف الأميركية، قائلاً إن واشنطن أخّرت العقوبات لإتاحة فرصة للتوصل إلى حل.
وأضاف: "إما أن تنهي المحكمة الجنائية الدولية تهديداتها، أو سننهي نحن المحكمة الجنائية الدولية"، مطالباً الحلفاء الأعضاء فيها، الذين يعتمدون على العسكريين الأميركيين للدفاع عنهم، بكبح جماحها.
وأوضح أن الإجراءات صيغت لإتاحة فرصة للدول الأطراف للتفاوض وتقديم حل يعالج الاعتراضات الأميركية، محذراً من أن واشنطن ستواصل تعديل إجراءاتها إذا لم تثمر هذه الجهود، ومؤكداً استمرار العمل على تفكيك المحكمة إذا لم يُكبح نشاطها الذي تعارضه الولايات المتحدة.
وتعود اعتراضات واشنطن، في جانب منها، إلى مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة بحق مسؤولين إسرائيليين، بينهم نتنياهو، وإلى تحقيق سابق في أفعال جنود أميركيين في أفغانستان، أغلقته المحكمة لاحقاً.
الجنائية الدولية: العقوبات لن توقف العدالة
في المقابل، أدانت نائبة المدعي العام للمحكمة، نزهت شميم خان، العقوبات، وقالت لـ"رويترز" إنها تستهدف تقويض سيادة القانون دولياً وعمل مؤسسة قضائية مستقلة.
وأكدت استمرار عمل المحكمة في جميع الحالات التي تنظر فيها، وتحقيقاتها وملاحقاتها القضائية، رغم الضغوط الأميركية.
وشددت المحكمة، في موقف منفصل، على أن العقوبات تستهدف تعطيل عملها وترهيب موظفيها أو المتعاونين معها، لكنها لن تردعها عن أداء مهمتها.
وأضافت أنه ينبغي ألا يُعاقَب أحد بسبب خدمته قضية العدالة، وأن التاريخ سيحكم على هذه اللحظة، معتبرة أن المواجهة لا تتعلق بالدفاع عن مؤسسة واحدة فحسب، بل بحماية النظام الدولي.
نوبل لبيلاي… رسالة دفاع عن القانون الدولي
قبل ساعات من إعلان العقوبات، فازت نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام عن "جهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي".
وعملت الحقوقية الجنوب أفريقية قاضية في عدة محاكم دولية، بينها المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، كما شغلت منصب قاضية في دائرة الاستئناف بالمحكمة الجنائية الدولية بين عامَي 2003 و2008.
وقالت لجنة نوبل النرويجية إن جائزة هذا العام تسلط الضوء على أهمية الحفاظ على نظام دولي قائم على القواعد، وإن اختيار بيلاي يهدف إلى "توجيه تذكير" في وقت يتعرض فيه القضاة ومؤسسات القانون الدولي لهجمات سياسية.
وأكدت أن وجود نظام قانوني دولي يُحاسَب فيه مجرمو الحرب، وتتحقق فيه العدالة لضحايا الانتهاكات، يشكل شرطاً مسبقاً لعالم يسوده السلام.
وكانت بيلاي قد ترأست العام الماضي لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي لجنة لا تتحدث باسم المنظمة الدولية. وأشرفت على تقرير خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة.
بيلاي تحذّر من عالم تحكمه القوة
وفي بيان أصدرته من نورمبرغ في ألمانيا عقب تلقيها نبأ الفوز، حذرت بيلاي من أن تصاعد الهجمات السياسية على القانون الدولي ينذر بإعادة العالم إلى نظام تحدد فيه القوة، لا القانون، معاناة مَن تستحق الاهتمام.
وقالت إن الجائزة تعزز قناعتها بضرورة الوقوف معاً دفاعاً عن سيادة القانون واستقلالية المحاكم، وعن نظام قانوني دولي قائم على المبادئ.
نتنياهو يهاجم بيلاي وترامب ينتقد الجائزة
وأثار منح الجائزة لبيلاي ردوداً حادة من نتنياهو وترامب.
فقد هاجم رئيس الوزراء الإسرائيلي الحقوقية الجنوب أفريقية، واصفاً إياها بأنها "متعصبة" تعمل على "شيطنة اليهود".
واعتبر أن لجنة نوبل "فقدت بوصلتها الأخلاقية"، بعدما منحت أرفع جوائزها لشخصية اتهمها بالمساهمة في شيطنة اليهود.
من جهته، قال ترامب إن جائزة نوبل للسلام "أُهينت" بمنحها لنافي بيلاي.