التجمع الوطني ومعاداة السامية.. من إرث الجبهة الوطنية إلى قضية جوردان بارديلا
أعادت قضية الكتابات المعادية للسامية المنسوبة إلى رئيس حزب " التجمع الوطني" الفرنسي جوردان بارديلا، فتح ملف أقدم بكثير من الجدل الحالي حول شخصه، يتعلق بعلاقة الحزب منذ تأسيسه باسم "الجبهة الوطنية" عام 1972، بالإرث الأيديولوجي لليمين المتطرف الفرنسي.
وبينما ركزت لوموند على الأدلة التي ساقها تحقيق موقع "ميديا بارت"، وعلى الحجج التي يستخدمها بارديلا لنفي أو دحض الأدلة، اختارت "لوبس" النظر إلى القضية من منظور تاريخي، باعتبارها حلقة جديدة في مسار طويل من محاولات الحزب التخلص من صورته المرتبطة بمعاداة السامية.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 قَتلت بدافع الغيرة ونجت مرتين من الإعدام.. ما مصير كريستا بايك؟
* list 2 of 2 جريمة قتل امرأة في أوكيناوا تختبر تحالف تاكايتشي وترمب end of list
وفي مقالها "التجمع الوطني ومعاداة السامية: خمسون عاما من الروابط الراسخة"، ترى ناتالي فونيس في لوبس أن فهم الجدل الحالي يتطلب العودة إلى تأسيس الجبهة الوطنية في خريف 1972.
مصدر الصورة
من الجبهة الوطنية إلى التجمع الوطني
وتشير ناتالي فونيس إلى أن عددا من مؤسسي الحزب كانوا ينتمون إلى بيئة سياسية وفكرية شديدة الارتباط بالتعاون مع النازيين أو بإنكار المحرقة، قبل أن يُختار جان ماري لوبان لقيادة الحزب، بوصفه الشخصية الأقل إثارة للجدل نسبيا في تلك المجموعة.
وتستند الكاتبة إلى تحليل الباحث والمخرج الوثائقي جوناثان حايون الذي يرى أن معاداة السامية كانت منذ نشأة الحركة عنصرا بنيويا، مع سعي متواصل إلى إخفائها أو الحد من ظهورها العلني.
وتربط لوبس هذه المسألة بتاريخ الحزب اللاحق، حيث لم يكن التحدي يتمثل فقط في تغيير الخطاب، وإنما في التعامل مع إرث بشري وسياسي ظل حاضرا داخل الحركة.
في هذا السياق التاريخي، تأتي قضية جوردان بارديلا، فقد نشر موقع ميديا بارت تحقيقا في نهاية سبتمبر/أيلول حول رسائل خاصة منسوبة إليه تعود إلى عام 2013، عندما كان في الـ17 من عمره، وتتضمن -وفق التحقيق- عبارات معادية للسامية ونظريات مؤامرة. ثم نشر الموقع لاحقا عناصر قال إنها تثبت نسبة هذه المحادثات إليه.
وتشير لوموند إلى أن ميديا بارت لم يكتفِ بلقطات شاشة، بل قال إنه حصل على محادثات من مصدرين من محيط بارديلا، واستخرج بيانات من "ميتا" مالكة منصتي فيسبوك وماسنجر، كما تم التحقق من العملية بواسطة محضر قضائي.
وبحسب الموقع، فإن استخراج البيانات أتاح تحديد تاريخ المحادثات والتحقق من عدم تعديلها لاحقا، فضلا عن وجود تفاصيل شخصية في المراسلات تساعد على تحديد هوية صاحب الحساب.
مصدر الصورة
كما أوردت لوموند أن ميديا بارت استند إلى رسائل إلكترونية أخرى قال إنها تظهر اهتمام بارديلا، خلال الفترة الممتدة بين 2012 و2014، بأفكار ألان سورال، المعروف بخطابه المعادي للسامية ونظريات المؤامرة.
دفاع بارديلا ومواجهة الأدلة
رفض بارديلا هذه الاتهامات بصورة قاطعة، ووصف المواد المنشورة بأنها "تركيبات ركيكة" و"لقطات شاشة قابلة للتلاعب"، وأعلن اللجوء إلى القضاء، كما تبنى "التجمع الوطني" بأكمله تقريبا رواية الدفاع عنه، مهاجما ميديا بارت ومشككا في مصداقيته.
لكن مقال لوموند بعنوان "كتابات معادية للسامية: المغالطات التي ساقها جوردان بارديلا للدفاع عن نفسه في مواجهة تحقيق ميديا بارت"، فحص هذه الحجج واحدة تلو الأخرى، وتوصل الصحفيان أسماء معاد وماكسيم فودانو إلى أن بعض دفاعات بارديلا لا تتطابق مع الوقائع التي يمكن التحقق منها.
ومن بين هذه الحجج قوله إنه لم يكن ناشطا سياسيا في سن الـ17، وتذكر لوموند أنه انضم إلى الجبهة الوطنية في فبراير/شباط 2012، عندما كان في الـ16، وأنه تحدث هو نفسه في مناسبات سابقة عن بداية مساره السياسي في هذا العمر.
وترى لوموند أن طريقة تعامل "التجمع الوطني" مع القضية تكشف البعد السياسي للأزمة، إذ اصطف الحزب بعد نشر التحقيق إلى جانب رئيسه، بينما ركزت الردود الرسمية على مهاجمة ميديا بارت والتشكيك في مصادره بدلا من مناقشة مضمون الاتهامات فقط.
وتشير الصحيفة إلى أن قيادة الحزب، ومارين لوبان خصوصا، اختارت تبني دفاع قوي عن بارديلا، وفي الوقت نفسه، أظهرت القضية أن ملف معاداة السامية لا يزال شديد الحساسية بالنسبة لحزب يسعى منذ سنوات إلى التخلص من إرثه التاريخي.
مصدر الصورة
ويظهر أن المشكلة بالنسبة للتجمع الوطني لا تتعلق فقط بما إذا كانت التصريحات المنسوبة إلى بارديلا صحيحة أم لا، بل أيضا بكيفية تأثير القضية على الرواية التي بنى عليها الحزب عملية "نزع الشيطنة".
بين الماضي والحاضر
ومن هذه الزاوية، يبدو أن مقالي لوبس ولوموند يكمل أحدهما الآخر، فلوبس يقدم الإطار التاريخي لحزب نشأ في بيئة كانت فيها معاداة السامية وإنكار المحرقة جزءًا من بعض مكوناته، ثم حاول على مدى عقود إعادة صياغة صورته، وصولا إلى محاولة التقرب من جزء من الجالية اليهودية.
أما لوموند فتركز على الحالة الراهنة، أي الأدلة التي قدمها ميديا بارت، والردود التي قدمها بارديلا، والتناقضات التي ترى الصحيفة أنها تظهر عند مقارنة هذه الردود بالوقائع المتاحة، كما تشير إلى أن التحقيق لا يتعلق فقط برسائل خاصة، وإنما بسياق أوسع يتعلق بالبيئة السياسية التي انخرط فيها بارديلا خلال سنواته الأولى.
وفي خلفية ذلك كله، تبرز مسألة "نزع الشيطنة"، وهل أدى تغيير خطاب التجمع الوطني وقيادته إلى قطيعة حقيقية مع ماضي الجبهة الوطنية، أم أن الحزب أعاد أساسا صياغة صورته العامة مع بقاء بعض عناصر الإرث القديم حاضرة في محيطه؟