أعادت خسارة إيطاليا أمام بلجيكا بهدفين دون رد في مستهل مشوارها بدوري الأمم الأوروبية إلى الواجهة سؤالا قديما بشأن تراجع قدرة "الأزوري" على إنتاج النجوم الذين اعتاد تقديمهم للكرة العالمية.

وظهر المنتخب الإيطالي بصورة باهتة أمام بلجيكا، خصوصا في الشوط الأول، واضطر الحارس جيانلويجي دوناروما إلى التدخل في أكثر من مناسبة لمنع النتيجة من الاتساع. لكن الصورة تبدلت بعد 3 أيام فقط، عندما قدمت إيطاليا أداء أكثر فاعلية وانتصرت على تركيا (4-1)، في نتيجة أعادت طرح التساؤل نفسه حول الفارق بين جودة المنظومة وغياب الأسماء الفردية اللامعة.

مصدر الصورة جيانلويجي دوناروما حارس إيطاليا يحيي الجماهير بعد الخسارة أمام بلجيكا في دوري الأمم الأوروبية (الفرنسية)

جيل بلا توتي وديل بييرو

لا يخلو المنتخب الحالي من أسماء بارزة مثل دوناروما وأليساندرو باستوني ونيكولو باريلا وساندرو تونالي، لكن المدرب روبرتو مانشيني نفسه أقر بأن الأزوري يمر بمرحلة تختلف عن فترات سابقة امتلك فيها جيلا من كبار النجوم.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 قبل حسم مصير مانشستر سيتي.. 7 أندية جُرّدت من ألقابها عبر التاريخ
* list 2 of 2 رونالدو والمدربون.. تاريخ من الخلافات والصدامات end of list

وقال مانشيني قبل مواجهة تركيا إن بلاده امتلكت في الماضي أجيالا ضمت أبطالا كبارا مثل فرانشيسكو توتي وأليساندرو ديل بييرو وروبرتو باجيو، مؤكدا أن المطلوب الآن هو تنشئة جيل جديد وبناء فريق قادر على المنافسة.

مصدر الصورة فرانشيسكو بيو إسبوزيتو يحتفل بهدفه في مرمى تركيا مع ساندرو تونالي (رويترز)

وتعكس التشكيلة التي بدأ بها مانشيني مواجهة بلجيكا حجم عملية التجديد التي يشهدها المنتخب الإيطالي، إذ اعتمد في الهجوم على الثلاثي مويس كين وفرانشيسكو بيو إسبوزيتو ونيكولو كامبياغي، بينما دفع بأليساندرو رومانو أساسيا للمرة الأولى دوليا في خط الوسط إلى جانب نيكولو باريلا وساندرو تونالي.
وفي أول قائمة له خلال التوقف الدولي، استدعى مانشيني 34 لاعبا، بينهم 9 وجوه جديدة، في إشارة واضحة إلى رغبته في توسيع قاعدة الاختيارات وإعادة تشكيل قوام المنتخب.

5 إيطاليين في التشكيلة المثالية ليورو 2020

يظهر حجم التحول عند مقارنة المنتخب الحالي بالجيل الذي توج ببطولة "يورو 2020″، التي أقيمت صيف 2021 بعد تأجيلها عاما بسبب جائحة كورونا.

مصدر الصورة لاعبو إيطاليا يحتفلون بكأس أمم أوروبا بعد الفوز على إنجلترا في نهائي يورو 2020 (غيتي)

وضم ذلك المنتخب أسماء مثل جورجيو كيليني وليوناردو بونوتشي وماركو فيراتي وجورجينيو وفيديريكو كييزا ولورينزو إنسيني، وتوج باللقب على حساب إنجلترا في النهائي.

إعلان

واختار الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا" 5 إيطاليين في التشكيلة المثالية للبطولة، هم دوناروما وبونوتشي وليوناردو سبيناتزولا وجورجينيو وكييزا، كما اختير دوناروما أفضل لاعب في البطولة.

لكن التتويج الأوروبي لم يثمر استقرارا طويل الأمد، إذ جاء بين إخفاقات متتالية في التأهل إلى كأس العالم.

67.9% من دقائق الدوري لغير المؤهلين لتمثيل إيطاليا

مصدر الصورة فرانشيسكو بيو إسبوزيتو لاعب إنتر ميلان خلال مواجهة أودينيزي في الدوري الإيطالي (رويترز)

ولا تقتصر أزمة الخيارات أمام مدرب إيطاليا على القائمة التي يختارها، إذ تكشف بيانات الاتحاد الإيطالي لكرة القدم عن مشكلة أعمق تتعلق بحجم مشاركة اللاعبين المحليين في الدوري.
ووفق تقرير عن حالة كرة القدم الإيطالية، استحوذ اللاعبون غير المؤهلين لتمثيل المنتخب على 67.9% من إجمالي دقائق اللعب في الدوري الإيطالي، وهي سادس أعلى نسبة في أوروبا، مقارنة بـ39.6% في إسبانيا و48.3% في فرنسا.
وتتضح محدودية القاعدة المتاحة أكثر عند النظر إلى عدد اللاعبين المشاركين بانتظام، إذ بلغ عدد الإيطاليين 89 لاعبا فقط من أصل 284 لاعبا خاضوا ما لا يقل عن 30 دقيقة في المباراة الواحدة حتى الجولة الـ31، بينهم 10 حراس مرمى.

1.9% فقط للشباب الإيطالي

وتبدو الأزمة أكثر وضوحا في فئة اللاعبين الشباب، إذ حلّ الدوري الإيطالي في المركز الـ49 من أصل 50 بطولة شملها رصد مرصد كرة القدم التابع للمركز الدولي للدراسات الرياضية "CIES"، من حيث نسبة دقائق اللعب التي يحصل عليها اللاعبون تحت 21 عاما والمؤهلون لتمثيل المنتخب الوطني.

مصدر الصورة أليساندرو رومانو لاعب كالياري يحتفل بتسجيل هدف في الدوري الإيطالي (غيتي)

ولم تتجاوز حصة هؤلاء اللاعبين 1.9% من إجمالي دقائق اللعب المتاحة.

كما أظهرت البيانات التي استند إليها تقرير الاتحاد الإيطالي تراجع إيطاليا مقارنة بعدد من الدول الأوروبية الكبرى في العائدات التي حققتها خلال العقد الأخير من الانتقالات الدولية للاعبين الذين جرى تكوينهم محليا، إذ جاءت خلف فرنسا وإسبانيا والبرتغال وهولندا وإنجلترا وألمانيا.
ولم تضم قائمة أفضل 50 أكاديمية في العالم من حيث عائدات بيع اللاعبين الذين تدرجوا داخل النادي سوى أكاديميتي أتالانتا ويوفنتوس من إيطاليا.
وتعكس هذه المؤشرات محدودية المساحة المتاحة أمام المواهب المحلية، وتعيد النقاش إلى أصل المشكلة، وهو حجم الفرص التي يحصل عليها اللاعب الإيطالي الشاب داخل أندية بلاده قبل أن يصبح خيارا متاحا للمنتخب الأول.

3 كؤوس عالم من دون إيطاليا

تظهر نتائج الأزوري في تصفيات كأس العالم أن الأزمة امتدت لسنوات رغم التتويج الأوروبي في 2021.

فبعد الغياب عن مونديال روسيا 2018 وقطر 2022، تعادلت إيطاليا مع البوسنة والهرسك (1-1) في نهائي مسارها بالملحق الأوروبي المؤهل لمونديال 2026، قبل أن تخسر (1-4) بركلات الترجيح وتفشل في التأهل للمرة الثالثة تواليا.

لاعبو إيطاليا بعد الإخفاق في التأهل إلى كأس العالم 2026 عقب مواجهة البوسنة والهرسك (رويترز)

وبحسب الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، أصبحت إيطاليا أول منتخب سبق له التتويج بكأس العالم يغيب عن 3 نسخ متتالية من البطولة، بعدما كان آخر ظهور لها في المونديال بنسخة البرازيل 2014.

المنظومة بدلا من النجم

رغم الصورة التي قدمتها الخسارة أمام بلجيكا، أظهر الفوز على تركيا أن الجيل الحالي يملك عناصر يمكن البناء عليها.

إعلان

وفازت إيطاليا (4-1) في المباراة التي أقيمت في مدينة بورصة، وسجل أهدافها أليساندرو باستوني ودافيدي فراتيسي ومايكل كايودي وفرانشيسكو بيو إسبوزيتو، في حين كان كايودي يخوض مباراته الدولية الأولى.

دافيدي فراتيسي يحتفل مع زملائه بتسجيل هدف إيطاليا الثاني أمام تركيا في دوري الأمم الأوروبية (غيتي)

وعزز هذا الانتصار رؤية مانشيني القائمة على بناء فريق قادر على تعويض غياب النجوم بالعمل الجماعي، إذ قال بعد اللقاء إن جميع لاعبيه قدموا مباراة كبيرة. وكان المدرب الإيطالي قد استشهد قبل المباراة بتتويج بلاده ببطولة أمم أوروبا عام 2021 من دون وجود توتي أو ديل بييرو أو باجيو، للتأكيد على إمكانية النجاح من خلال المنظومة.

لكن غياب النجوم لا يرتبط بالمنتخب وحده، فالأرقام تكشف أن جذور الأزمة تمتد إلى الدوري الإيطالي، حيث تتراجع فرص اللاعبين المحليين، وتصبح أكثر محدودية أمام المواهب الشابة التي يفترض أن تشكل الجيل المقبل للأزوري.

وبين محاولة مانشيني بناء منتخب يعوض غياب النجم بالمنظومة والحاجة إلى توسيع قاعدة الخيارات التي يوفرها الدوري، سيكون الجيل الجديد أمام امتحان أصعب عندما يواجه فرنسا في دوري الأمم الأوروبية. وقال مانشيني قبل المواجهة: "نواجه منتخبا كبيرا، ستكون مباراة صعبة واختبارا جيدا".