حبس فريق صحفي كامل يعيد ملف حرية الصحافة في مصر إلى الواجهة محلياً ودولياً
مصدر الصورة
ألقت وزارة الداخلية المصرية القبض على ستة صحفيين، يعتقد أنهم كامل فريق عمل منصة للتحقق من المعلومات والأخبار عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، على خلفية اتهامهم بنشر أخبار مفبركة ومغلوطة وانتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين، المصنفة إرهابية في مصر، فيما طالبت منظمات حقوقية دولية ومحلية ونقابة الصحفيين المصريين بإطلاق سراحهم فورا والكف عن مطاردة الصحفيين وترهيبهم.
وبحسب بيان لوزارة الداخلية صدر بعد نحو يومين من القبض على الصحفيين الستة، بدأت جهات التحقيق في اتخاذ الإجراءات القانونية قبل الصحفيين الذين يعملون في صفحة "متصدقش"، المعنية بالتحقق من الأخبار.
وأوضحت الوزارة في أن الصفحة "غير مرخصة وتُدار من الخارج"، وأنها تابعة، وفق تحرياتها، للجان الإعلامية لجماعة الإخوان المسلمين.
مصدر الصورة
ونفت "متصدقش" هذه الاتهامات في بيان نشرته الخميس، وقالت إن أرشيفها يتضمن مئات التصحيحات لمعلومات نشرتها جهات وشخصيات محسوبة على جماعة الإخوان.
كما نفت المنصة، في بيان الخميس، أن تكون تُدار من خارج مصر، وقالت إن جميع أعضاء فريقها مصريون ويقيمون داخل البلاد، وإن بيانات حساباتها على منصات التواصل تشير إلى إدارتها من مصر.
ونفت "متصدقش" كذلك أن يكون مؤسسها عضواً في جماعة الإخوان أو مطلوباً على ذمة قضايا، كما ورد في بيان الداخلية. وقالت إن ثلاثة من صحفييها خضعوا قبل نحو ثلاث سنوات لفحص أمني، لم يثبت، بحسب المنصة، وجود صلات لهم بجماعات سياسية أو حصولهم على تمويل من الخارج.
ورفضت المنصة أيضاً اتهام صحفييها الستة بتلقي تمويل من الخارج، وقالت إنهم يتقاضون رواتب مقابل عملهم بموجب عقود قانونية، وتُصرف عبر النظام المصرفي المصري.
ولم تعلن الوزارة أسماء المقبوض عليهم أو أماكن احتجازهم في بيانها، لكن يقول محامون إنه في حالات مثيلة تباشر نيابة أمن الدولة العليا طوارئ التحقيق حال الاتهام بالانتماء لجماعة محظورة.
مصدر الصورة
مساء الاثنين، أعلنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي مؤسسة حقوقية مصرية، ومنصة "متصدقش" القبض على اثنين من صحفيي المنصة، قبل أن تتوالى الأنباء عن القبض على أربعة آخرين، ليصل عدد الصحفيين المقبوض عليهم إلى ستة، هم كل قوام غرفة أخبار المنصة، بحسب بيان المبادرة.
وبدأت، بحسب المبادرة، عملية القبض على الصحفيين بعد مداهمة قوات أمن بزي مدني منازل أربعة منهم في عدة محافظات مصرية، بينما أُلقي القبض على اثنين آخرين في أحد شوارع القاهرة.
وقالت المبادرة إن قوات الأمن تحفظت على هواتف الصحفيين وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم، وإنها رفضت إطلاعهم على أذون النيابة الخاصة بالضبط والتفتيش، ولم تفصح عن أسباب القبض على الصحفيين.
وقالت "متصدقش" إن تفتيش منزل محمد أشرف أبو عميرة شهد تكسير عدد من محتويات المنزل وإتلاف بعض الممتلكات.
وطالبت المنصة ومحامو الصحفيين السلطات في حينه بالكشف عن أسباب القبض على الصحفيين وأماكن احتجازهم، وتمكينهم من التواصل مع محاميهم وأسرهم.
ردود فعل واسعة
من جانبها، تقدمت نقابة الصحفيين في مصر الأربعاء ببلاغ إلى النائب العام وشكوى إلى وزير الداخلية، للمطالبة بالإفراج عن صحفيي "متصدقش"، والكشف عن ملابسات احتجازهم.
وأوضح مصدر رفيع المستوى بنقابة الصحفيين لبي بي سي أن حملة القبض على الصحفيين الستة، وهم كل قوام هذه المنصة داخل مصر، "غير مسبوقة" لا سيما أنها تأتي دون الكشف عن سبب محدد.
وأضاف المصدر أن محاولاته للإفراج عن الصحفيين الستة لم تجد صدى حتى الآن.
وطالبت النقابة بالإفراج الفوري عن الصحفيين الستة وعن جميع الصحفيين المحتجزين.
وأثارت عملية القبض على الصحفيين الستة إدانات من منظمات حقوقية وصحفية دولية، من بينها اللجنة الدولية لحماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود ومؤسسة سمير قصير والمركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة والشبكة الأورومتوسطية لحقوق الإنسان ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.
وانضمت هذه المنظمات إلى دعوات للإفراج عن الصحفيين الستة، ووقف ما وصفته باستهداف منصة "متصدقش"، والإفراج عن الصحفيين المحتجزين أو المسجونين في مصر بسبب عملهم.
مصدر الصورة
ما هي "متصدقش"؟
"متصدقش" هي منصة رقمية متخصصة في التحقيقات الصحفية والتحقق من الأخبار والمعلومات، تأسست عام 2018 بهدف مكافحة الأخبار المغلوطة.
وعلى مدار السنوات الماضية، نشرت المنصة تحقيقات ومواد للتحقق من معلومات متداولة حول عدد من القضايا المثيرة للجدل في مصر، معتمدة في عملها على المصادر المفتوحة.
وكان من أبرز الملفات التي غطتها المنصة التحقيقات المتعلقة بالطائرة الخاصة التي انطلقت من مصر وأوقفت في زامبيا عام 2023، وعلى متنها ملايين الدولارات وسبائك من الذهب.
وفي أغسطس/آب 2023، ألقت قوات الأمن القبض على الصحفي كريم أسعد، أحد أعضاء فريق "متصدقش"، بعد مداهمة منزله في القاهرة، قبل أن يتم إخلاء سبيله لاحقا.
وقالت المبادرة في ذلك الوقت إن قوات الأمن صادرت هواتف وأجهزة كمبيوتر، وأجبرت أسعد على الدخول إلى حساب المنصة على فيسبوك وحذف منشورات.
مصدر الصورة
"واقعة استثنائية"
تقول لبنى درويش، مديرة المناصرة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية التي تتولى الدفاع عن الصحفيين، لبي بي سي إن واقعة القبض على صحفيي منصة "متصدقش" استثنائية، كونهم يمثلون فريق عمل المنصة بالكامل، فضلًا عن كونها ممنهجة لتزامن تنفيذها في عدة محافظات في وقت واحد.
وتؤكد درويش أن الصحفيين الستة لم يستطيعوا التواصل مع أسرهم أو محامييهم، وما زالت أماكن احتجازهم غير معروفة.
وتضيف: "رغم أن الدستور المصري يمنع الحبس في قضايا النشر لكنه أصبح منهجيا في مصر، فالصحفيون الستة ينضمون إلى نحو 20 صحفي وصحفية محبوسين حاليا، بعضهم غير نقابي، وهو ما يمثل تقييدا لحريتهم في التعبير واعتداء على حق المصريين جميعا في الوصول للمعلومات الصحيحة."
ولا تسمح نقابة الصحفيين المصريين بانضمام الصحفيين الالكترونيين إليها ما لم تكن منصاتهم مسجلة ولديها ترخيص من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي يعرف قانونه الصحفي على أنه فقط هل الشخص المقيد بنقابة الصحفيين.
وفي كثير من الحالات، توجه للصحفيين الالكترونيين اتهامات بانتحال صفة صحفي.
حرية الصحافة في مصر
وتواجه مصر انتقادات دولية بشأن أوضاع حرية الصحافة، بينما تنفي السلطات المصرية الاتهامات الموجهة إليها وتقول إن الإجراءات التي تتخذها بحق بعض الصحفيين أو المنصات ترتبط بمخالفات قانونية أو بقضايا تتعلق بالأمن القومي، وليس بممارسة العمل الصحفي في حد ذاتها.
وتضع منظمة "مراسلون بلا حدود" مصر في المرتبة 169 بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026.
وتقول المنظمة إن وسائل الإعلام المستقلة في مصر تواجه قيودًا قانونية وأمنية، وإن السلطات تفرض سيطرة واسعة على المشهد الإعلامي.
في المقابل، تقول الحكومة المصرية إن الدستور يكفل حرية الصحافة والإعلام، وإن الدولة تعمل على تطوير المجال الإعلامي وتعزيز التعددية، بينما ترفض الانتقادات الدولية التي تصف مصر بأنها تقيد حرية الصحافة.
وبحسب لجنة حماية الصحفيين، وهي منظمة دولية مستقلة تُعنى بالدفاع عن حرية الصحافة وحماية الصحفيين حول العالم، يوجد 19 صحفيًا مصريًا آخر خلف القضبان، بخلاف الصحفيين الستة في قضية "متصدقش".