آخر الأخبار

لماذا يتوعّد الحوثيون مأرب بـ"ويلات الحرب والدمار"؟

شارك

مأرب- على مدى سنوات الحرب التي يعيشها اليمن منذ حوالي 12 عاما، كانت محافظة مأرب اليمنية بالنسبة لجماعة الحوثيين أكثر من مجرد مدينة يريدون الوصول إليها، فقد تحولت إلى جبهة تستنزف محاولاتهم كلما اقتربوا منها، في حين كان المقاتلون المدافعون عنها يتجمعون من مناطق وقبائل يمنية مختلفة، تحت هدف واحد: منع سقوط المدينة التي تحولت إلى آخر مراكز الثقل الرئيسية للحكومة الشرعية المعترف بها دوليا في شمال البلاد.

وفي ذروة هجوم الحوثيين على المدينة عام 2021، وُصفت المعارك حينها بأنها الأكثر دموية، وسقط فيها آلاف المقاتلين من الطرفين خلال أشهر، بحسب مصادر محلية متعددة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 جبهة الشقب بتعز.. الجزيرة نت ترصد تطورات الميدان ويوميات السكان على خطوط النار
* list 2 of 2 تعز تحت ضغط النزوح والفقر.. أكثر من 83 ألف نازح يفاقمون أزمة الخدمات end of list

ووصف تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة آنذاك معارك مأرب بأنها حرب استنزاف استمرت فيها الهجمات الحوثية على جبهات متعددة. لكن جميع تلك الحملات تعثرت وكُسرت أمام صلابة الدفاعات الحكومية والقبلية في المناطق الجبلية، وبقيت معها المدينة خارج السيطرة الحوثية.

وحاليا تتوزع خريطة السيطرة على محافظة مأرب بين الحوثيين والقوات الحكومية التي تسيطر على عاصمة المحافظة، التي تحمل الاسم ذاته، وعدد من المديريات، خصوصا تلك التي تقع فيها الحقول النفطية والغازية.

مصدر الصورة خريطة اليمن تبين موقع محافظة مأرب (الجزيرة)

"ويلات الحرب والدمار "

واليوم، عاد اسم مأرب مجددا إلى واجهة التهديدات الحوثية، بعدما قال مستشار وزارة الدفاع التابعة للجماعة بصنعاء عابد محمد الثور، في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية الأربعاء، إن أمام القوات الحكومية خيارين: تسليم مدينة مأرب أو مواجهة "ويلات الحرب والدمار".

ويأتي هذا التهديد بينما تشهد البلاد جولة جديدة من التصعيد، عقب تقدم جماعة الحوثي على أجزاء واسعة من الساحل الغربي، وما رافقه من نزوح كبير للسكان (ذكرت أحدث إحصائية للأمم المتحدة أن أكثر من 130 ألف شخص اضطروا للفرار من مناطقهم منذ بداية سبتمبر/أيلول الجاري)، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة القتال.

إعلان

لكن السؤال المطروح في مأرب هو: هل يمثل التهديد الحوثي الجديد مجرد ضغط سياسي وإعلامي، أم أنه مقدمة لجولة عسكرية جديدة تستهدف المدينة؟

يرى الباحث اليمني في الشؤون الأمنية والسياسية أحمد عبد الوهاب العواضي أن التهديد الحوثي لا يمكن فصله عن التطورات الميدانية، مشيرا إلى أن التصعيد العسكري حول مأرب قائم بالفعل وليس مجرد تصريحات سياسية.

ويضيف العواضي للجزيرة نت أن المدينة تواجه تحديات أمنية وإنسانية متزايدة مع وصول موجات جديدة من النازحين الفارين من الساحل الغربي، مما يفرض ضغطا إضافيا على الأجهزة الأمنية والخدمات.

بينما يذهب الخبير العسكري علي الذهب إلى أن التهديد الحوثي يمكن قراءته في اتجاهين: التهيئة لجولة عسكرية جديدة ضد مأرب، أو استخدام الضغط الناري والإعلامي والنفسي لإشغال القوات الحكومية واختبار قدرتها على الصمود، مؤكدا أن التطورات في الساحل الغربي و تعز تؤثر في طريقة إدارة الحوثيين لمعركة مأرب.

ويشير الذهب للجزيرة نت إلى أن الصواريخ والطائرات المسيّرة لا تحسم وحدها معركة السيطرة على المدن ما لم تُترجم الضربات إلى قدرة ميدانية على تغيير خطوط السيطرة، ولذلك فإن طبيعة أي مواجهة مقبلة ستتوقف على قدرة كل طرف على إدارة معركة طويلة وليس فقط على حجم الضربات الأولى.

مصدر الصورة أضرار لحقت بمخيم ميل السائلة للنازحين على أطراف مأرب عقب هجوم صاروخي منسوب للحوثيين، 7 أغسطس 2026 (الفرنسية)

لماذا مأرب؟

لا تبدو مأرب للحوثيين مجرد مدينة خارج نطاق سيطرتهم، فالمحافظة تجمع بين الموقع الجغرافي والموارد الاقتصادية والثقل العسكري والسياسي، فضلا عن كونها مركزا رئيسيا للنازحين.

وهو ما يراه الخبير الاقتصادي وفيق صالح، موضحا أن أهمية مأرب الاقتصادية ترتبط بحقول النفط والغاز ومحطة مأرب الغازية.

ويحذر صالح للجزيرة نت من أن اندلاع حرب واسعة لن يقتصر أثره على الجانب العسكري، بل سيمتد إلى الاقتصاد والخدمات العامة عبر التأثير في إيرادات الدولة وقدرتها على دفع الرواتب وتمويل قطاعات الصحة والتعليم، إضافة إلى انعكاس اضطراب إنتاج الطاقة على الأسعار وسوق العملة.

عقبة إستراتيجية

ولا تنفصل هذه الأهمية الاقتصادية عن القيمة السياسية للمحافظة، فقد ظلت مأرب مركز ثقل وجودي للحكومة والقوات المناهضة للحوثيين في شمال اليمن، وملاذا لمئات الآلاف من النازحين.

ومن هنا، يرى الباحث العسكري العميد يحيى الحاتمي أن مأرب تمثل للحوثيين "عقبة إستراتيجية" بسبب موقعها ودورها في خريطة القوى المناهضة للجماعة.

ويعتقد الحاتمي أن الضغط على مأرب قد يحقق للجماعة مكاسب عسكرية وسياسية واقتصادية في آن واحد، خصوصا بعد تحولات الساحل الغربي.

هل تغير ميزان القوة؟

داخل مأرب، لا يقرأ العسكريون التهديد الحوثي باعتباره مجرد تكرار لمعارك السنوات السابقة، فالمقدم سمير مريط، نائب رئيس شعبة الإعداد المعنوي بدائرة التوجيه المعنوي لوزارة الدفاع، يرى أن التصعيد الحالي يمثل جولة جديدة يتطلب التعامل معها الحذر وعدم الركون لسيناريوهات الصمود السابقة.

ويقول مريط للجزيرة نت إن أحد عناصر قوة الحوثيين يتمثل في قدرتهم على تعبئة أعداد كبيرة من المقاتلين وتعويض خسائرهم البشرية، بينما تحتاج القوات الحكومية للحفاظ على تماسكها وقدرتها على خوض مواجهة طويلة، مضيفا أن خبرة الحوثيين القتالية المتراكمة قد تجعل أي مواجهة جديدة مختلفة.

إعلان

لكن في المقابل، يرى العميد الحاتمي أن القوات الحكومية في مأرب تغيرت مقارنة بما كانت عليه عام 2021، مشيرا إلى تحسن التنظيم والتدريب وتوحيد القرار العسكري، إضافة إلى تجنيد قوات جديدة.

أما علي الذهب فيرى أن طبيعة الدفاع عن مأرب تظل عاملا حاسما، لكنه يدعو الحكومة إلى "أن تبادر الآن وليس غدا لتحقيق تقدم على الأرض باتجاه مدغل ومجزر ورغوان (مديريات تابعة لمحافظة مأرب تقع في الجهة الشمالية الغربية)، حتى تسيطر وصولا إلى مفرق الجوف".

ويؤكد الذهب أن القوات الحكومية باتت تملك القدرة على تنفيذ هذا التقدم الذي سيوفر لها مساحة آمنة للدفاع عن مأرب، محذرا من أن استمرار الحرب في صورة استنزاف طويل قد يفرض تحديات أكبر على القوات المدافعة، خصوصا إذا تزامنت الضغوط مع تطورات في جبهات أخرى.

ويتفق معه أحمد العواضي، الذي يضيف أن مأرب راكمت خبرة أمنية وعسكرية في التعامل مع الهجمات والتهديدات، وأن تماسك المجتمع المحلي واستضافة أعداد كبيرة من النازحين جعلا المدينة أكثر خبرة في إدارة الأزمات، غير أن موجة النزوح الجديدة ترفع منسوب الضغط الإنساني والأمني.

مصدر الصورة طائرات مسيرة ضمن عرض عسكري للقوات الحكومية في مأرب (المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية)

معركة مدينة أم استنزاف طويل؟

السيناريو الذي يثير القلق في مأرب لا يرتبط بالضرورة باقتحام مباشر للمدينة، فبحسب تقديرات الضيوف، قد يأخذ التصعيد أشكالا متعددة. إذ يرى الذهب أن أي هجوم واسع سيحتاج قدرة على الاستمرار ميدانيا.

وبينما يحذر المقدم مريط من أن اتساع الجبهات قد يجعل المعركة أكثر تعقيدا، إلا أن العميد الحاتمي يرجح تفضيل الحوثيين الضغط على مأرب وإضعاف قدرتها بدلا من المخاطرة بمواجهة مباشرة داخل مدينة مكتظة بالسكان.

ويبدو أن الحوثيين يدركون أيضا أهمية مأرب، إذ تُعد بوابة للقوات الحكومية للوصول إلى صنعاء المحاذية لها، كما أن السيطرة على مأرب من الحوثيين تمنحهم طريقا للوصول إلى محافظة حضرموت كبرى محافظات البلاد مساحة فضلا عن موقع إستراتيجي محاذٍ للسعودية وثروة نفطية وساحل طويل على بحر العرب.

وفي حين يرى مراقبون أن التهديد الحوثي الأخير يضع مأرب والحكومة والتحالف بقيادة السعودية أمام مفترق طرق، يبقى السؤال: هل يقف المشهد عند حدود المناورة السياسية و الحرب النفسية، أم يتفجر إلى جولة مواجهة شاملة؟

وفي كلا المسارين، تظل مأرب أكثر من مجرد جبهة قتال، فهي شريان الاقتصاد الوطني، وثقل الشرعية السياسي، وملاذ ملايين الفارين من بطش الحوثيين، حيث تقول السلطات المحلية إن المحافظة تحتضن أكثر من مليوني نازح.

ومن هنا، فإن أي مغامرة عسكرية جديدة على أسوارها، لن تقف عند حدود خطوط التماس، بل سيُعاد معها رسم ملامح المستقبل اليمني برمته.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا