تفتح الانتخابات البرلمانية في المغرب الباب أمام تحديد الخريطة السياسية التي ستنبثق عنها الأغلبية الحكومية المقبلة، في استحقاق تتقاطع فيه رهانات المشاركة، وفعالية البرامج، وقدرة الأحزاب على مخاطبة الناخب، خصوصا الشباب.
وبينما يصف أستاذ القانون الإداري رضوان العميمي خلال حديث خاص إلى برنامج "الظهيرة" على "سكاي نيوز عربية" المشاركة بأنها أحد أكبر هواجس الاستحقاق، يضع الباحث السياسي لحسن أقرطيط الإصبع على إشكال آخر يتمثل في أزمة الخطاب السياسي، التي يرى أنها طالت أحزاب الأغلبية والمعارضة على حد سواء.
المشاركة.. الساعات الحاسمة لم تأت بعد
بالنسبة إلى العميمي، لا ينبغي قراءة الساعات الأولى باعتبارها مؤشرا نهائيا على مستوى الإقبال. فهو يتوقع ألا تكون المشاركة كبيرة جدا في البداية، مشيرا إلى أن الساعات الأخيرة، بين الخامسة والسابعة، عادة ما تشهد كثافة أكبر في التصويت.
لكن المشاركة، في رأيه، "لا تتوقف على توقيت الاقتراع فقط. إنما مرتبطة بمسؤولية المواطنين ومدى وعيهم بأهمية الانتخابات. فالانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، كما يقول، بل وسيلة لتطوير المؤسسات والديمقراطية وإفراز حكومة تتطلع إلى الاستجابة للأولويات، ولا سيما ذات الطبيعة الاجتماعية".
ويضع أقرطيط هذه المشاركة في سياق أوسع. فالمملكة، بحسب طرحه، مقبلة على أوراش استراتيجية كبرى، خصوصا المرتبطة باستحقاقات 2030 واستضافة كأس العالم في العام نفسه.
كما يربط أهمية الانتخابات بالسياق الاقتصادي والسياسي، وبالحاجة إلى تثبيت النظام السياسي والمؤسسات وتعزيز التقليد الديمقراطي، معتبرا أن صورة المغرب على الصعيدين الدولي والإقليمي تجعل المشاركة السياسية الواسعة ذات أهمية في هذه المرحلة.
الوعود.. الناخب لم يعد يكتفي بالشعارات
ويرى العميمي أن الوعود الانتخابية لم تعد مؤثرة بالدرجة نفسها لدى المواطن المغربي، خصوصا مع تقاربها بين معظم الأحزاب.
لكن المواطن، وفق العميمي، أصبح يطرح سؤالا مباشرة: كيف ستنفذ هذه الوعود؟ والأهم، من أين ستأتي الأموال اللازمة لتنفيذها؟
وأضاف أن "الأحزاب تتحدث عن تحسين الوضع الاجتماعي وتوفير فرص العمل ودعم المواطنين والمقاولات. لكن الغلاف المالي لتنفيذ هذه التعهدات أصبح جزءا من السؤال الانتخابي نفسه. ولا يتوقف الأمر عند ذلك. فالناخب يقارن أيضًا بين الوعود التي قدمتها الأحزاب الموجودة في الأغلبية الحكومية قبل ولايتها، وبين الوعود التي تطرحها وهي داخل الحكومة".
لذلك، يؤكد العميمي أن المواطن أصبح أكثر انتباها إلى الوعود القابلة للتنفيذ، والبرامج التي سبقتها دراسة، والتي تأخذ في الاعتبار الواقعين الاجتماعي والاقتصادي.
الشباب.. الخطاب القديم أمام اختبار جديد
في قلب هذه المعادلة يوجد أكثر من 3 ملايين شاب لهم حق التصويت، وفق ما أورده العميمي، مع وجود توازن تقريبي بين المجالات الحضرية والقروية.
لكن المشكلة ليست في العدد وحده. فالعميمي يرى أن "الأجيال الحديثة لم تعد تعترف بالخطاب الكلاسيكي للأحزاب، ولا بالوعود التقليدية أو الأبعاد الإيديولوجية. الشاب يريد برامج. ويريد خطابا قريبا منه. والأهم، خطابًا رقميا يخاطب همومه المباشرة".
ومن هنا يربط العميمي بين تحديث الخطاب ورهان المشاركة. فإذا نجحت الأحزاب في "رقمنة الخطاب" وإعادة الاعتبار للخطاب السياسي، فقد يصبح ذلك مدخلا إلى تعزيز مشاركة الشباب.
ويشير العميمي إلى أن وعود التشغيل تجاوزت مليون منصب شغل، بينما لم يتم الوصول إلى نصف هذه المناصب، بحسب ما أورده، معتبرا أن ذلك يمكن أن يؤثر في تصويت الشباب خلال هذه الانتخابات.
الأحزاب أمام مسؤولية التأطير
ويذهب أقرطيط أبعد في تفسير عزوف الشباب عن المشاركة السياسية. فهو يضع جزءا من المسؤولية على الأحزاب نفسها، باعتبار أن من مهامها تأطير المجتمع، وتأطير فئة الشباب تحديدا.
لكن التأطير، في تصوره، يبدأ من داخل الحزب. أي من ديمقراطية داخلية ومأسسة للهياكل التنظيمية، بما يسمح للأحزاب بالخروج من حالة الترهل التي تعيشها بعض الأحزاب، والقدرة على استيعاب الشباب. ثم تأتي مشكلة الخطاب.
ويرى أن "هناك إشكالا كبيرا في الخطاب السياسي، خصوصا عندما لا يكون موقع الحزب واضحا للمتابع. أحزاب موالاة، وأحزاب معارضة، لكل منها موقع سياسي ينبغي أن يكون مفهوما، لكن اختلاط الخطاب يمكن أن يجعل المتابع، يتيه".
وهنا يطرح أقرطيط ضرورة مراجعة الخطاب السياسي، وديمقراطية المؤسسات الحزبية، والاضطلاع بدور التأطير، في وقت أصبح فيه الفضاء الرقمي جزءا من التحدي السياسي.
الخريطة السياسية.. ثبات أم صعود للمعارضة؟
في قراءة العميمي، ستتحدد الخريطة الانتخابية من خلال عدة مدخلات: مشاركة أحزاب التحالف الحكومي، قدرة المعارضة على الإقناع بخطابها، وقدرة الأحزاب على التمثيل داخل الدوائر الانتخابية.
ويشير إلى وجود 5 أحزاب فقط ممثلة على صعيد جميع الدوائر، الجهوية والمحلية، في ظل عرض سياسي متنوع. كما يربط النتائج بقدرة الأحزاب على الدفاع عن مشروعية الإنجازات التي قامت بها.
وفي تقديره، قد لا تخرج الخريطة السياسية بشكل كبير عن أحزاب الأغلبية الحكومية الحالية، مع إمكانية صعود بعض الأحزاب الموجودة في موقع المعارضة.
ويضع ذلك ضمن خصوصية الانتخابات المغربية، التي يرى أنها تتميز بالتناوب على السلطة والتناوب بين الأغلبية والمعارضة.
أما أقرطيط، فيضع المرحلة المقبلة تحت عنوان أكبر: ضمان الاستقرار السياسي والمؤسسات وتمتين الجبهة الداخلية.
ويرى أن المؤسسة الملكية تشكل ضامنا أساسيا لاستمرارية الاستقرار السياسي والمؤسسات، لكن ذلك لا يلغي، في تصوره، مسؤولية النخب والطبقة السياسية والأحزاب، يمينا ويسارا، في الانخراط في هذه الدينامية.
المصدر:
سكاي نيوز