آخر الأخبار

هل لرفع عقوبات أمريكية عن إريتريا علاقة بتوترات باب المندب؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لا يرد اسم باب المندب أو البحر الأحمر في إشعار وزارة الخزانة الأمريكية الذي أعلن انتهاء التدابير المفروضة على جهات إريترية. لكنّ توقيت القرار يطرح سؤالا أوسع من ملف العقوبات: لماذا تعود أسمرا إلى حسابات واشنطن في لحظة يتقاطع فيها أمن البحر الأحمر مع التجارة والطاقة والتنافس على الموانئ؟

في 18 سبتمبر/أيلول، أعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأمريكية انتهاء حالة الطوارئ التي أعلنتها واشنطن عام 2021 بموجب الأمر التنفيذي رقم 14046 بشأن إثيوبيا. وبموجب ذلك، أزيلت من قائمة العقوبات قوات الدفاع الإريترية، والجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة الحاكمة، وشركة البحر الأحمر التجارية، وصندوق هدري، إضافة إلى شخصيتين إريتريتين كانتا مدرجتين في القائمة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 إريتريا تتهم إثيوبيا بزعزعة استقرار المنطقة
* list 2 of 2 تحركات مصرية بملفات أفريقية.. وساطة بين أمريكا وإريتريا وتنسيق بشأن السودان end of list

ولا يعني القرار رفع كل القيود الأمريكية عن إريتريا أو إعلان شراكة سياسية وعسكرية جديدة معها. فالإشعار يرتبط بحالة الطوارئ الخاصة بأزمة إثيوبيا، ولا يتضمن اتفاقا حول البحر الأحمر أو ميناء عصب أو وجودا عسكريا أمريكيا في إريتريا.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية لوكالة الصحافة الفرنسية إن الرئيس دونالد ترمب اختار عدم تجديد التدابير من أجل دفع المصالح الإقليمية لأمريكا. ولم تذكر الخارجية باب المندب في تصريحها، لكنّ الإشارة إلى المصالح الإقليمية تضع القرار في سياق أوسع من ملف تيغراي وحده.

مصدر الصورة موقع إريتريا وميناء عصب بين إثيوبيا الحبيسة وجيبوتي وباب المندب عند مدخل البحر الأحمر (الجزيرة)

باب المندب.. حين تصبح الجغرافيا كلفة

لا تبدو أهمية باب المندب مجرد مسألة خرائط. فالمضيق يصل البحر الأحمر بخليج عدن، وتمر عبره السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وتقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن تجنب هذا الطريق يدفع السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يطيل زمن الرحلة ويرفع كلفة الوقود والشحن.

إعلان

وفي الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، انخفض متوسط تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبر باب المندب إلى 4 ملايين برميل يوميا، مقابل 8.7 ملايين برميل يوميا خلال عام 2023، وفق بيانات نقلتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية عن شركة فورتكسا.

وفي هذا السياق، يرى الأكاديمي والباحث في العلوم السياسية الدكتور عمرو حمزاوي أن أهمية ملف الحوثيين لا تتصل بما يجري في اليمن وحده، بل بما يحدث في مضيق باب المندب والبحر الأحمر. ويقول إن تغير وزن ورقة هرمز دفع إيران، وفق قراءته، إلى توظيف الحوثيين للضغط عبر باب المندب، بما أدخل المضيق في "المعادلة الإقليمية ككل".

لا يقدم حمزاوي تفسيرا رسميا للقرار الأمريكي بشأن إريتريا، لكنه يضع البحر الأحمر في إطاره الأوسع: ممر بحري قد يتحول إلى ورقة ضغط، وسواحل تكتسب وزنا أكبر حين يصبح أمن الملاحة جزءا من صراع إقليمي ودولي.

كيف أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة؟

لفهم حساسية ميناء عصب، لا بد من العودة إلى التحول الذي غير خريطة القرن الأفريقي. فقد أعلنت إريتريا استقلالها في أبريل/نيسان 1993، ثم انضمت إلى الأمم المتحدة في الشهر التالي. ومع الاستقلال، فقدت إثيوبيا ساحلها على البحر الأحمر وأصبحت دولة بلا منفذ بحري.

في السنوات الأولى بعد الاستقلال، بقيت الموانئ الإريترية جزءا من حركة التجارة الإثيوبية. لكنّ الحرب بين البلدين بين عامي 1998 و2000 قطعت هذا المسار، وتحول الوصول إلى عصب ومصوع إلى أحد ملفات النزاع والتحكيم بين الطرفين.

ومنذ ذلك الوقت، لم تعد أزمة إثيوبيا البحرية مرتبطة بميناء أو طريق تجاري فقط. فهي معضلة لدولة بلا ساحل، تعتمد تجارتها على ممرات تقع في أراضي جيرانها، بينما تجعل ذاكرة الحرب والحدود أي عودة إلى الموانئ الإريترية أعقد من حساب المسافة والكلفة.

وتظهر أزمة إثيوبيا بوضوح في اعتمادها على جيبوتي. فالبنك الدولي يقول إن ميناء جيبوتي يتعامل مع 95% من واردات إثيوبيا، ما يجعل أي خلل في هذا الممر مسألة تمس اقتصاد البلدين، لا مجرد تأخير في حركة الحاويات.

عصب.. قرب جغرافي وحساسية سياسية

قد يبدو عصب، من منظور إثيوبي، خيارا جغرافيا منطقيا لتخفيف الاعتماد على جيبوتي. فالمدينة تقع على بعد نحو 60 كيلومترا من الحدود الإثيوبية، بحسب تقرير لأفريكا ريبورت. لكنّ القرب الجغرافي لا يمنح أديس أبابا حقا تلقائيا في استخدام الميناء.

فعصب يقع داخل السيادة الإريترية، ويرتبط في أسمرا بذاكرة الحرب والحدود وميزان القوة على ساحل البحر الأحمر. لذلك لا تبدو رغبة إثيوبيا في تنويع منافذها البحرية ملف نقل أو تجارة فقط. فأديس أبابا ترى فيه منفذا بحريا يساعد في تقليل اعتمادها الاقتصادي الواسع على جيبوتي. أما بالنسبة إلى أسمرا، فلا ينفصل عصب عن السيادة الوطنية.

وتعزز هذا التوتر في السنوات الأخيرة مع تأكيد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أهمية حصول بلاده على منفذ بحري. وقالت وثيقة حكومية أمريكية اطلعت عليها رويترز إن واشنطن تعارض أي محاولة للحصول على منفذ بحري بالقوة، في إشارة إلى حساسية الملف بين إثيوبيا وإريتريا.

مصدر الصورة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (يسار) يسلم الرئيس الإريتري أسياس أفورقي مفتاح السفارة الإثيوبية في أسمرا خلال مراسم إعادة افتتاحها عام 2018، في محطة من التقارب بين البلدين قبل أن تعود قضية الوصول إلى البحر وميناء عصب إلى واجهة التوتر (الفرنسية)

ما الذي تغير في حسابات أمريكا؟

القرار الأمريكي الأحدث لم يأت من فراغ. فقد أفادت صحيفة وول ستريت جورنال في أبريل/نيسان بأن إدارة ترمب تسعى إلى إعادة ضبط العلاقة مع إريتريا، الدولة ذات الساحل الإستراتيجي على البحر الأحمر، وأن الموفد الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس التقى الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في القاهرة.

إعلان

كما نقلت رويترز عن محللين أن موقع إريتريا على طريق الملاحة في البحر الأحمر يفسر جانبا من اهتمام واشنطن بتحسين العلاقة معها. ونقلت عن مدير برنامج أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، موريتي موتيغا، أن اضطراب هرمز يجعل البحر الأحمر ساحة أكثر تنافسا وقد يشير إلى اهتمام أمريكي أكبر بالمنطقة.

ولا يعني ذلك أن أمريكا أنهت التدابير بسبب باب المندب، إذ لا يسمي الإشعار الأمريكي ولا تصريح الخارجية المضيق أو عصب سببا مباشرا للقرار. لكنّ تسلسل الوقائع يسمح بقراءة أكثر حذرا: بدأت واشنطن مسار تقارب مع أسمرا، ثم أزالت تدابير فُرضت في سياق حرب تيغراي، في وقت أصبح فيه أمن البحر الأحمر أكثر التصاقا بمصالح التجارة والطاقة والتنافس الإقليمي.

عودة إلى الحسابات لا إلى التحالف

لا تعود إريتريا إلى الخريطة لأن العقوبات انتهت فقط. فالقرار أزال عقبة من العلاقة مع واشنطن، لكنّ القيمة الأوسع تأتي من موقعها: ساحل يطل على بحر مضطرب، وميناء عصب يتقاطع مع أزمة إثيوبيا غير الساحلية، وباب المندب باتت كلفة اضطرابه تمتد من الموانئ القريبة إلى حركة التجارة العالمية.

هذا لا يحسم مستقبل العلاقة بين أمريكا وأسمرة، ولا يفتح عصب أمام إثيوبيا، ولا ينهي التوتر بين الجارتين. لكنه يفسر لماذا أصبح من الصعب التعامل مع إريتريا بوصفها هامشا في القرن الأفريقي: في البحر الأحمر، قد تعيد الجغرافيا نفسها إلى الواجهة حتى قبل أن تتغير السياسة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا