لم تكن عبارة "السموم الصفراء" التي استخدمتها رغد صدام حسين في تعليقها الأخير على أحداث الخليج مفردة عابرة في خضم الزخم الإعلامي، بل كانت مفتاحا لصندوق ذاكرة إقليمي مغلق منذ عقود.
وجاءت التغريدة بالتزامن مع اعتراض تحالف دعم الشرعية لمسيّرة حوثية، لتتحول من نقد سياسي مباشر لإيران إلى استحضار رمزي يحمل معاني تاريخية وسياسية وإيديولوجية تعود لعقود مضت.
ويتضمن مصطلح "السموم الصفراء" إشارة رمزية وبلاغية إلى النفوذ الإيراني، والطائفية، والميليشيات والتنظيمات المسلحة التي تدعمها طهران، والتي يرى معارضوها أنها تغلغلت في العراق والمنطقة العربية وزعزعت استقرارها.
ويرتبط هذا المصطلّح بشكل وثيق بالخطاب السياسي لـرغد صدام حسين (ابنة الرئيس العراقي الأسبق)، حيث تكرر استخدامها له كأداة تعبيرية في محطات سياسية بارزة:
ويعكس التعبير استمرارا للأدبيات السياسية البعثية التي كانت تُستخدم خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، حيث وصف الخطاب المناهض لطهران النفوذ السياسي والديني الإيراني بأنه بمثابة "سموم" فكرية وجغرافية تخترق الجسد العربي.
ويربط بعض المحللين السياسيين والجمهور على منصات التواصل الاجتماعي اختيار اللون "الأصفر" بالرايات والشعارات الرسمية التي تعتمدها أبرز الأحزاب والجماعات المسلحة المدعومة مباشرة من الحرس الثوري الإيراني في المنطقة (مثل حزب الله في لبنان وحركات مسلحة أخرى في العراق وسوريا).
ويثير هذا المصطلح دائما جدلا واسعا وانقساما حادا بين التيار المقرب من حزب البعث والنظام السابق الذي يراه وصفا دقيقا للتدخلات الخارجية، وبين التيارات السياسية الحاكمة في بغداد وحلفائها الذين يعتبرون هذه المصطلحات محاولة لإثارة النعرات والفتن الطائفية في البلاد.
ولفهم عمق هذا الوصف، يجب العودة إلى جذوره التي تتجاوز السياسة لتصل إلى أعماق التراث الطبي العربي.
ففي كتابات ابن سينا والرازي لم تكن صفة "الصفراء" مجرد لون، بل كانت خلطا جسديا إذا زاد عن حده تحول إلى سم يثير الغضب والغل ويقلب النوايا نحو الشر.
ومن هنا، انتقل المصطلح من الطب إلى الأدب السياسي، حيث ارتبط اللون الأصفر بالمرض والرياح المدمرة والأوبئة الفتاكة، ليصبح لاحقا وصفا لكل ما يبث الفرقة والكذب، كما في مصطلح "الصحافة الصفراء".
لكن الاستخدام الأبرز لهذا التعبير يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين جعله الإعلام العراقي الرسمي خلال الحرب مع إيران أداة مركزية في خطابه.
كان الهدف آنذاك وصف الأفكار والتوجهات القادمة من الشرق بأنها "سموم دخيلة" تهدف لتفكيك النسيج الاجتماعي.
واليوم، ومع عودة رغد لاستخدام المفردات ذاتها، يبدو أننا أمام محاولة لإعادة إحياء ذلك الخطاب، ليس فقط للتنديد بما تراه تدخلا إيرانيا، بل لرسم خريطة أيديولوجية جديدة تعيد فيها ابنة صدام حسين نفسها كصوت منشط للذاكرة لاستعادة مرحلة كانت فيها بغداد تقود خطابا عربيا مضادا لـ "النفوذ الفارسي".
وفي المقابل يستند استخدام التنظيمات الموالية لإيران للون "الأصفر" في راياتها على مجموعة من الأدبيات السياسية والدينية وموروث من الروايات المنسوبة لبعض أئمة الشيعة حول أحداث "آخر الزمان" وظهور المهدي المنتظر، حيث تتحدث بعض هذه الروايات عن خروج جيوش تحمل "الرايات الصفر" من مناطق معينة (مثل المغرب أو بلاد الشام) لنصرة الحق.
ويعكس اختيار اللون "الأصفر" إيمان هذه الجماعات بأنها تجسيد مادي لتلك النبوءات، وأنها تمهد الطريق لظهور المهدي عبر انخراطها في الصراعات الإقليمية (كصراعها في سوريا ولبنان).
وتُشير بعض منشورات وأدبيات حزب الله إلى أن "الأصفر" كان لون الراية التي رفعها النبي محمد والمسلمون في بعض المعارك التاريخية الكبرى، مثل معركة خيبر التي قاد فيها علي بن أبي طالب المسلمين للنصر. وبالتالي، يحمل اللون "الأصفر" دلالة على الجهاد والانتصار العسكري.
وفي قاموس الرموز المعتمد لدى التعبئة الفكرية لهذه الجماعات، يرمز اللون "الأصفر" إلى النور، والضياء، والحياة، والأبدية معنى الطابع الروحي.
المصدر: RT + وكالات
المصدر:
روسيا اليوم