آخر الأخبار

1000 مقاتل من الخنادق إلى حلبة السياسة.. ما الذي يخطط له بوتين؟

شارك

ثمة مشهد جديد يتشكل في روسيا بهدوء، لكنه لم يعد من الممكن تجاهله، رجال كانوا حتى وقت قريب يرتدون الزي العسكري، ويخوضون غمار العملية العسكرية الخاصة، بدؤوا يظهرون اليوم في مواقع الإدارة والسياسة والحياة العامة، وبعضهم دخل المؤسسات الحكومية، فيما يستعد آخرون لخوض الانتخابات والوصول إلى البرلمان الروسي ( مجلس الدوما).

في الظاهر قد يبدو الأمر عودة طبيعية إلى الحياة المدنية بعد الخدمة العسكرية، لكن الصورة أوسع من ذلك، فإلى جانب برامج إعادة التأهيل وفرص العمل، ظهرت مسارات تفتح أمام المشاركين أبواب الإدارة والعمل العام، وتتيح لبعضهم الانتقال إلى مواقع المسؤولية.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 من عام 2006 إلى 2026.. هل تعيد الصناديق شرعية القرار الفلسطيني؟
* list 2 of 2 ماذا تكشف صفقة القنابل الأمريكية المرتقبة لإسرائيل؟ end of list

في فبراير/شباط 2024 وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، المشاركين في العملية العسكرية الخاصة بأنهم "النخبة الحقيقية" للبلاد، داعيا إلى توفير الظروف التي تسمح لهم بالعمل في مجالات السياسة والاقتصاد والإدارة الحكومية والمحلية، وبعد أسابيع تم إطلاق برنامج "زمن الأبطال" لإعداد المشاركين وقدامى المحاربين للعمل في أجهزة الدولة والشركات والمؤسسات الحكومية والبلديات.

إن انتقال بعض المشاركين من محاور القتال إلى المؤسسات المدنية لم يعد مجرد ظاهرة فردية؛ فهناك برامج وتعيينات وانتخابات وأرقام تتزايد عاما بعد عام، وقد يكون من المبكر الحديث عن "نخبة جديدة" لكن من الصعب أيضا اعتبار ما يحدث مجرد عودة عادية إلى الحياة المدنية

كان الإقبال على البرنامج كبيرا في البداية، وفي الدفعة الأولى اختير 83 شخصا من بين نحو 44 ألف طلب، ثم التحق 85 شخصا بالدفعة الثانية ليصل العدد في الدفعتين إلى 168 مشاركا، وبحلول ربيع عام 2026 كان أكثر من 80 مشاركا من الدفعتين قد حصلوا على تعيينات في مواقع مسؤولة، قبل أن يتجاوز العدد لاحقا 100 تعيين.

وربما هذا هو الجانب الأكثر دلالة في التجربة، فـ"زمن الأبطال" ليس برنامجا واسعا لإعادة التأهيل فحسب، وإنما مسار لاختيار أشخاص يُنظر إليهم باعتبارهم قادرين على الانتقال من المجال العسكري إلى الإدارة والعمل العام، أي أن المسألة لا تتعلق فقط بما سيفعله هؤلاء بعد انتهاء خدمتهم، بل أيضا بالدور الذي يمكن أن يلعبوه داخل مؤسسات الدولة.

إعلان

الأمثلة موجودة بالفعل: يفغيني بيرفيشوف، الذي كان رئيسا لبلدية كراسنودار ونائبا في مجلس الدوما قبل مشاركته في العملية العسكرية الخاصة، التحق ببرنامج "زمن الأبطال" وأصبح لاحقا قائما بأعمال حاكم مقاطعة تامبوف، أما أرتيوم جوغا، أحد المشاركين في الدفعة الأولى، فتم تعيينه في أكتوبر/تشرين الأول 2024 مبعوثا رئاسيا إلى دائرة الأورال الفدرالية.

هذه الحالات تكشف أن التجربة العسكرية يمكن أن تتحول بالنسبة إلى بعض أصحابها، من أسطر في السيرة الذاتية إلى رصيد سياسي وإداري.

وتُظهر التجربة أنه كلما انتقل مزيد من المشاركين إلى المجالس والإدارات والمؤسسات الحكومية، وكلما حصل بعضهم على مسؤوليات أكبر، تراكمت لديهم الخبرة والعلاقات والنفوذ، وقد تبدأ عندها عملية مختلفة تماما، لا تقوم على مجرد استبدال أشخاص بآخرين، وإنما تغيير تدريجي في نوعية الكوادر التي ستتولى المسؤولية في المستقبل.

في يونيو/حزيران 2026 رصدت قاعدة بيانات مستقلة تم إعدادها استنادا إلى المصادر المفتوحة 1305 أشخاص شاركوا في العملية العسكرية الخاصة ووصلوا لاحقا إلى مواقع مختلفة في مؤسسات الدولة أو المؤسسات ذات المشاركة الحكومية، وشغلوا في المجمل 1311 منصبا، وهو ما يعطي فكرة واضحة عن اتجاه آخذ في الاتساع، والأهم أن غالبية المواقع ليست في موسكو وحدها، وإنما في الإدارات والمجالس على المستويين المحلي والإقليمي، إلى جانب عشرات المناصب على المستوى الفدرالي.

وفي الجانب الانتخابي، بدأ الحضور يأخذ شكلا أكثر وضوحا مع اقتراب موعد انتخابات سبتمبر/أيلول 2026، ففي الانتخابات التمهيدية لحزب "روسيا الموحدة"، ترشّح نحو 1300 مشارك في العملية العسكرية الخاصة، وفاز 480 منهم.

وقدمت اللجنة المركزية الروسية للانتخابات في أغسطس/آب 2026 صورة أوسع: 1668 مشاركا ومحاربا قديما تقدموا للانتخابات على مختلف المستويات، وتم تسجيل 1586 منهم كمرشحين، وفي انتخابات البرلمان الروسي (مجلس الدوما) بلغ عدد المُترشحين نحو 200، تم تسجيل 186 شخصا منهم.

والنظر إلى هذه الأرقام باعتبارها دليلا على صعود سياسي واسع، سيكون تبسيطا للمشهد، فالترشّح لا يعني الفوز، والفوز لا يعني بالضرورة امتلاك نفوذ حقيقي، وحتى المنصب الحكومي لا يمنح صاحبه تلقائيا موقعا داخل مراكز صناعة القرار.

إذا استمر هذا المسار، فقد يتغير المشهد أكثر مما يبدو عليه اليوم، فالذين يدخلون الآن إلى المجالس والإدارات، قد يدخلون غدا إلى مواقع أعلى، ومع تراكم الخبرة واتساع العلاقات والنفوذ قد يظهر جيل جديد من رجال الدولة

لا يبدو أن موسكو تعمل في هذه المرحلة على إنشاء نخبة منفصلة عن النخبة القائمة، والأرجح أنها تفتح أبواب المؤسسات أمام فئة جديدة، وفي الوقت نفسه تختبر قدرتها على العمل داخل النظام السياسي والإداري القائم.

وهذا فارق مهم، فالدولة لا تحتاج بالضرورة إلى عشرات الآلاف من الوجوه الجديدة كي تغير نخبتها؛ إذ يكفي أحيانا عدد محدود من الأشخاص الذين يشقون طريقهم إلى المواقع العليا، ثم تتسع الدائرة تدريجيا حولهم.

وهذه التجربة لا تقوم على الخلفية العسكرية وحدها، فاختيار المشاركين في برنامج "زمن الأبطال" يرتبط أيضا بالخبرة الإدارية والقدرات القيادية وقابلية العمل في المؤسسات، ولذلك فإن ما يجري قد يكون أقرب إلى انتقاء كوادر جديدة منه إلى إنشاء طبقة سياسية قائمة بذاتها.

إعلان

النخب السياسية لا تتشكل بمجرد الحصول على منصب، إذ إن ذلك يحتاج إلى سنوات من العمل، ومسؤوليات متصاعدة، وعلاقات تتسع داخل أروقة الدولة، ولذلك فإن الرقم الأكثر أهمية لن يكون عدد المشاركين الذين دخلوا المجالس أو حصلوا على تعيينات في عام 2026، وإنما عدد الذين سيبقون في مواقع المسؤولية في السنوات المقبلة.

يمكن القول إن انتقال بعض المشاركين من محاور القتال إلى المؤسسات المدنية لم يعد مجرد ظاهرة فردية؛ فهناك برامج وتعيينات وانتخابات وأرقام تتزايد عاما بعد عام، وقد يكون من المبكر الحديث عن "نخبة جديدة" لكن من الصعب أيضا اعتبار ما يحدث مجرد عودة عادية إلى الحياة المدنية.

إذا استمر هذا المسار، فقد يتغير المشهد أكثر مما يبدو عليه اليوم، فالذين يدخلون الآن إلى المجالس والإدارات، قد يدخلون غدا إلى مواقع أعلى، ومع تراكم الخبرة واتساع العلاقات والنفوذ قد يظهر جيل جديد من رجال الدولة.

وعندها فقط ستتضح الإجابة: هل كان الانتقال من الخنادق إلى دوائر القرار مجرد مرحلة عابرة، أم إن روسيا بدأت بالفعل ترسم من خلالها مسارا جديدا لتشكيل النخبة؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا