بدأت الولايات المتحدة، في 28 فبراير/شباط 2026، عملية «الغضب الملحمي» ضد إيران. ووفق البيانات الرسمية الأمريكية، استهدفت الحملة منشآت القيادة والأمن والدفاع الجوي والصواريخ والقوات البحرية والبنية النووية الإيرانية.
وجاءت العملية بعد أن سبقتها، في يونيو/حزيران 2025، عملية «مطرقة منتصف الليل»، التي استهدفت منشآت فوردو ونطنز وأصفهان.
وأعلن، في 7 أبريل/نيسان 2026، وقف مؤقت لإطلاق النار، مدد لاحقا، غير أن الظروف ظلت هشة وقابلة للتغير، مع الإبلاغ عن هجمات في منطقة جنوب إيران حول مضيق هرمز في أواخر مايو/أيار.
ومن ثم، أقصد بـ«الحرب الأمريكية على إيران» طور العمليات القتالية الكبرى الذي بدأ في فبراير/شباط، وما أعقبه من نزاع لم تستقر نتائجه السياسية والاقتصادية حتى كتابة هذه المقالة.
يلخص فريدريك كوبر مفارقة أساسية في تاريخ الإمبراطوريات بقوله: «ارتكبت الإمبراطوريات العنف؛ لأنها كانت قوية، ولأنها كانت ضعيفة في آن واحد».
فقد أتاح لها تفوقها العسكري والتكنولوجي بلوغ مجالات بعيدة وإيقاع دمار واسع فيها، في حين كشف اعتمادها على العنف المتكرر محدودية الإدارة المنتظمة ووسائل الضبط السياسي في تثبيت السيطرة واستدامتها.
ولا يحيل الضعف إلى نقص في القدرة العسكرية، بل إلى التفاوت بين القدرة على إيقاع العنف والقدرة على تحويل نتائجه إلى ترتيب سياسي دائم.
ومن هذه المفارقة تنطلق المقالة لتحليل الحرب الأمريكية على إيران.
ويعرف بربانك وكوبر الإمبراطوريات بأنها وحدات سياسية كبيرة، توسعية أو تحتفظ بذاكرة سلطة امتدت عبر المجال، وتحافظ على التمييز والتراتبية في أثناء إدماج جماعات جديدة.
ولا تقوم الإمبراطورية، وفق هذا التصور، على السيطرة العسكرية وحدها، بل على أنماط متعددة من ممارسة السلطة عبر المجال والاختلاف.
وتكتسب هذه الفكرة دلالتها في الحالة الإيرانية من التمييز بين اختراق المجال والسيطرة على النتائج السياسية المترتبة على العمليات العسكرية فيه.
فقد أظهرت الولايات المتحدة ما تتيحه السيطرة الجوية والأسلحة بعيدة المدى من قدرة على إصابة أهداف موزعة في إقليم واسع، لكن نجاحها في الوصول إلى تلك الأهداف لا يجيب وحده عن مدى قدرتها على تحقيق غايات الحرب والحفاظ عليها.
لذلك يجمع المقال بين تحليل كوبر للعلاقة بين العنف والقوة والضعف، وتصور جين بربانك وفريدريك كوبر للإمبراطورية، وتحليل إيف لاكوست للمعرفة الجغرافية وصلتها بالسيطرة على المجال والسكان.
ولا تتوافر في الولايات المتحدة كل خصائص الإمبراطوريات التاريخية على النحو نفسه؛ فهي لا تضم إيران إلى كيانها السياسي، ولا تقوم الحرب الحالية على احتلال معلن للأرض الإيرانية.
لذلك يستعمل وصف «الإمبراطوري» في هذا السياق استعمالا تحليليا محددا، للدلالة على إسقاط القوة العسكرية عبر مسافات بعيدة والسعي إلى إعادة تشكيل سلوك دولة أخرى وموازين إقليمها، لا للقول إن الحرب تكرر نموذج الضم الاستعماري القديم بحذافيره.
ويقتضي هذا القيد كذلك عدم نقل تفسير كوبر للعنف الاستعماري نقلا آليا إلى الحالة الإيرانية؛ فوجه الشبه المقصود هو التفاوت بين طاقة التدمير وطاقة السيطرة، لا تماثل البنيتين التاريخيتين.
ومن هذا المنظور، يكشف القصف وجه القوة ووجه الضعف معا؛ فهو يبرهن على القدرة على اختراق الدفاعات وتدمير منشأة أو تعطيل قاعدة أو قتل قيادة، لكنه قد يصبح بديلا من أدوات سياسية لم تنجح في حمل الخصم على الامتثال.
فالتدمير لا يساوي الحكم، وتعطيل القدرة لا يضمن زوالها، والتفوق الجوي لا ينشئ بذاته ترتيبا سياسيا بديلا.
وقد خلص روبرت بيب ، في دراسته المقارنة للقوة الجوية والإكراه في الحرب، إلى أن نجاح الإكراه التقليدي لا يتحدد بمجرد إيقاع الألم أو إنزال الكلفة على الخصم، وإنما يرتبط أساسا بقدرة القوة الجوية على إحباط الاستراتيجية العسكرية للخصم وتقويض قدرته على تحقيق أهدافه.
ولا يجوز نقل نتائج دراسته آليا إلى حرب 2026، لكن تمييزه بين إيقاع الضرر وتحقيق الإكراه السياسي يساعد في تفسير لماذا لا تكفي كثافة الضربات وحدها لإثبات القوة بمعناها السياسي.
أعاد إيف لاكوست، منذ صدور كتابه سنة «الجغرافيا تُستخدم، أولا، لخوض الحرب»، وصل المعرفة الجغرافية بممارسة السلطة.
ولم يكن مراده أن وظيفة الجغرافيا تنحصر في الحرب، بل أن معرفة المجال تمنح أجهزة الدولة قدرة على التخطيط والسيطرة وتنظيم السكان والموارد.
وبذلك لا تكون الخريطة تمثيلا محايدا للأرض، بل أداة لاختيار الأهداف ومسالك الحركة ومناطق الانتشار ومواضع الضغط.
ويرتبط هذا التصور بما يوليه كوبر من أهمية لقدرة الإمبراطوريات على ممارسة القوة عبر المجال؛ غير أن الحاجة الدائمة إلى تحديثها، وما يظل خارجها من شبكات وبدائل واستجابات، يكشفان حدها.
غيرت التكنولوجيا أوجه أهمية المكان في الحرب من غير أن تلغيها؛ فالأقمار الصناعية والطائرات المسيرة والصواريخ الدقيقة والقاذفات بعيدة المدى تقلص الزمن اللازم للوصول إلى الهدف، لكنها لا تختصر الطريق إلى النتيجة السياسية.
بل تجعل معرفة ما يحيط بالهدف وما يعقبه أشد أهمية: أين نقلت المعدات؟ كيف أعيد توزيع القيادة؟ ما البدائل المحلية للشبكة المعطلة؟ وأي قوى ستملأ الفراغ الذي يخلفه تدمير مؤسسة أو اغتيال قائد؟ وهكذا قد تتسع القدرة على الرؤية والضرب، فيما تبقى معرفة التحولات التي يطلقها الضرب ناقصة.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في المنشآت النووية.
فقد أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إصابة فوردو ونطنز وأصفهان في يونيو/حزيران 2025، لكنها أوضحت آنذاك أن تقدير الضرر في المنشآت الواقعة في جوف الأرض، وبخاصة فوردو، لم يكن ممكنا على نحو كامل، ودعت إلى العودة إلى التفتيش والتفاوض لضمان عدم الانتشار على المدى الطويل.
يدل تدمير المعدات والمنشآت على قوة الوصول، أما إزالة المعرفة البشرية وسلاسل الخبرة والقدرة على إعادة البناء فتتطلب أكثر من القصف.
وإذا ظلت هذه العناصر قائمة، غدا تكرار الضربات مؤشرا على قوة عسكرية لا تضمن بمفردها استدامة أثرها.
تبلغ مساحة إيران نحو 1.65 مليون كيلومتر مربع، وتحيط بالهضبة الوسطى سلاسل جبلية وعرة، أبرزها زاغروس والبرز، فيما تمتد في الداخل منطقتان صحراويتان واسعتان، ولها سواحل على بحر قزوين والخليج العربي وخليج عمان.
وتمنح هذه البنية الدولة مجالا واسعا لتوزيع المنشآت والقيادات والمخزونات، وتزيد صعوبة المراقبة المستمرة والتأكد من مقدار ما دمر أو نقل أو أعيد بناؤه.
لكنها لا توفر حصانة مطلقة؛ فقد أتاحت الهيمنة الجوية الأمريكية اختراق هذا العمق وضرب عدد كبير من المواقع.
لذلك لا تقرأ الجغرافيا في هذا المقام على أنها نقيض القوة العسكرية، بل العامل الذي يحدد ما تستطيع الضربة بلوغه وما تعجز عن تثبيته بعد وقوعها.
وللموقع البحري أثر يتجاوز الدفاع عن الأراضي الإيرانية.
ويظل مضيق هرمز من أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة عالميا؛ إذ مر عبره، في عام 2024، ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، وأكثر من ربع تجارة النفط البحرية العالمية.
وانخفضت تدفقات النفط عبر المضيق بصورة حادة خلال الربع الثاني من 2026، في سياق الحرب وما رافقها من اضطراب في حركة الطاقة والتجارة الدولية.
وهذه الأرقام لا تثبت أن إيران تتحكم منفردة في كل ما يقع في المضيق، لكنها تبين كيف اتسعت نتائج الحرب من المجال العسكري الإيراني إلى الطاقة والتأمين البحري وسلاسل الإمداد العالمية.
وبذلك تغدو الجغرافيا علاقة متبادلة، لا مجرد عامل يحد من آثار الحرب.
تستطيع الولايات المتحدة اختيار أهداف داخل إيران بدرجة عالية من الدقة، لكن إيران تستطيع، بدرجات متفاوتة وبكلفة مرتفعة عليها وعلى جيرانها، نقل آثار الحرب إلى الممر البحري والقواعد الأمريكية والمصالح الإقليمية.
وكلما اتسع نطاق الرد والرد المضاد، ازداد التباعد بين القدرة على التخطيط للضربة والقدرة على ضبط تداعياتها.
وفي هذا التباعد يظهر وجه الضعف في العنف الإمبراطوري؛ فالقوة التي تمد يدها إلى مجال بعيد لا تملك بالضرورة حصر آثار فعلها في ذلك المجال.
يربط إريك دورتشميد (Erik Durschmied) نتائج المعارك بعامل آخر إلى جانب أثر المكان، هو «العامل الحاسم» (The Hinge Factor)، الذي قد يقلب مسار المعركة.
ففي كتابه How Chance and Stupidity Have Changed History: The Hinge Factor، يعرض وقائع عسكرية لم تحسم بالتفوق المادي وحده، بل بتفاعل الطقس وسوء المعلومات واضطراب الاتصال وخطأ القرار والعوامل غير المتوقعة.
ومن أمثلته معركة أجينكور سنة 1415، إذ جعل المطر الأرض المفلحة موحلة وأثقل حركة الفرسان الفرنسيين المدرعين، ومعركة أنتيتم سنة 1862، حين عثر على نسخة من أوامر روبرت لي ملفوفة حول ثلاثة سيجار، فكشفت للخصم جانبا من انتشار قواته.
وفي روايته لمعركة تانغا سنة 1914، يذكر كيف أسهمت أسراب النحل في زيادة الفوضى في صفوف القوات البريطانية.
ولا يستقيم إدراج هذه الأمثلة كلها تحت عنوان «حسم الجغرافيا»؛ فدورتشميد يجمع، في مفهوم «العامل الحاسم»، عناصر متباينة؛ ففي أجينكور تفاعلت طبيعة الأرض مع الطقس وقرارات القيادة الفرنسية، وفي أنتيتام كان فقدان الأوامر ثم العثور عليها مصادفة عاملا استخباراتيا مؤثرا، وفي تانغا اقترن أثر البيئة الطبيعية باضطراب الوحدات وسوء القيادة.
وتكمن قيمة هذه الأمثلة في التحذير من تصور الحرب منظومة مغلقة يمكن التحكم في متغيراتها كلها. وهي بذلك تزيد على مفارقة كوبر حدا آخر؛ فقد تمنح القوة صاحبها وسائل أكثر لتقليص عدم اليقين، لكنها لا تمنحه سيطرة كاملة على مجرى الأحداث.
وتفيد هذه الملاحظة في تحليل الحرب على إيران متى استعملت بحذر.
فامتلاك الولايات المتحدة قدرات متقدمة في الاستطلاع وخططا دقيقة للاستهداف يحد من بعض أوجه عدم اليقين، لكنه لا يستبعد الخطأ في تقدير رد الخصم، أو تعطل إحدى المنظومات، أو إساءة تفسير إشارة سياسية، أو وقوع حادث بحري يوسع نطاق الحرب. وعلى هذا النحو يكمل مفهوم «العامل الحاسم» تحليل الجغرافيا ومفارقة القوة والضعف؛ فالمكان يحدد نطاق الممكن، فيما تظل العمليات عرضة لقرارات وأخطاء ووقائع لا تستوعبها الخطة الأصلية كلها.
لا يصح قياس نجاح الحرب بعدد الأهداف المصابة وحده؛ فالقياس يتوقف على الغايات المعلنة والفعلية.
وقد عرضت الإدارة الأمريكية أهداف عملية «الغضب الملحمي» على أنها تدمير الصواريخ الهجومية ومنشآت إنتاجها والقوة البحرية والبنية الأمنية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وهذه ليست غاية واحدة قابلة لمعيار واحد. فتدمير منصة أو سفينة يمكن التحقق منه ميدانيا، بينما يتطلب إثبات إنهاء القدرة الإنتاجية معرفة بالمخزونات والمنشآت البديلة وسلاسل التوريد. أما منع التسلح النووي على المدى الطويل فيحتاج، كما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى استمرار الرقابة والتحقق وإلى مسار دبلوماسي قابل للاستمرار.
ومن ثم، قد يثبت المؤشر العسكري قوة الفعل من غير أن يثبت قوة أثره السياسي.
وبناء عليه، ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات للنتيجة:
النجاح التكتيكي: إصابة هدف بعينه أو تعطيله؛ النجاح العملياتي: إضعاف منظومة مترابطة، كالدفاع الجوي أو إنتاج الصواريخ، مدة معلومة؛ النجاح السياسي: حمل الخصم على قبول تسوية سياسية دائمة تحقق غايات الحرب ولا تنهار بعد توقف القصف.
يمكن أن يتحقق المستوى الأول من غير الثاني، وأن يتحقق الثاني من غير الثالث؛ إذ إن الخلط بين المستويات يحول كل ضربة ناجحة إلى إعلان نصر، ولو ظلت الغاية السياسية بعيدة أو تبدلت مع استمرار الحرب.
وبهذا المعنى، لا تكفي القوة التي تظهر في المستويين التكتيكي والعملياتي للحكم على قدرة الدولة على تحقيق غاياتها؛ إذ يبدأ الاختبار الأوسع عند سؤال الحسم السياسي واستمرار نتائجه.
وتؤكد التجارب الأمريكية في فيتنام والعراق وأفغانستان ضرورة هذا التمييز، من غير أن تكون هذه الحالات نسخا من إيران.
ففي أفغانستان، خلص المفتش العام الأمريكي الخاص بإعادة الإعمار، بعد عشرين عاما من العمل، إلى أن الولايات المتحدة عانت غياب استراتيجية متماسكة، وسوء فهم السياق المحلي، وأهدافا وجداول زمنية غير واقعية.
وتشير الحالة الأفغانية، في حدود المقارنة، إلى أن إسقاط القوة والوصول إلى المجال لا يكفيان وحدهما لإعادة تشكيله سياسيا، إذا لم يقترنا بمعرفة كافية بالسياق المحلي وبمؤسسات ووسائط سياسية قادرة على ترجمة القوة إلى ترتيب مستقر؛ ولا يعني ذلك أن نتائج أفغانستان ستتكرر في إيران، وبخاصة أن العملية الحالية لم تتخذ شكل احتلال بري شامل.
في الحرب غير المتكافئة، لا يحتاج الطرف الأضعف إلى مضاهاة خصمه في عدد الطائرات أو دقة الذخائر كي يحول دون تحقيق جميع غاياته.
فقد يكفيه الاحتفاظ بقدر من القدرة على القيادة، وإعادة بناء بعض قدراته، وإطالة أمد عدم اليقين، ورفع كلفة استمرار العمليات، أو الحيلولة دون تسوية سياسية دائمة.
لذلك لا تعني اللامساواة العسكرية أن القوة السياسية تسير في اتجاه واحد. غير أن ذلك لا يساوي انتصارا إيرانيا؛ فقد تلحق إطالة الحرب بالمجتمع والدولة الإيرانيين خسائر جسيمة من غير أن تضمن حماية المنشآت أو رفع الحصار أو تحقيق غايات سياسية مقابلة.
والزمن ليس حليفا ثابتا لأي من الطرفين؛ فقد يتيح لإيران التكيف وإعادة التنظيم، ويتيح للولايات المتحدة، في الوقت نفسه، جمع معلومات أدق واستهداف القدرات التي أعيد بناؤها وتشديد الضغط الاقتصادي.
لكنه يحول الأثر العسكري إلى اختبار للاستمرار؛ فإذا استدعت القدرة المستهدفة ضربات متكررة، دل ذلك على فاعلية التدمير وعلى تعذر تثبيت نتائجه معا.
لذلك ينبغي تعريف النصر مسبقا في ضوء غايات قابلة للقياس، ثم النظر، بمرور الزمن، في مدى تحققها: هل ظلت القدرة المستهدفة معطلة؟ وهل تغير سلوك الدولة؟ وهل استقرت الملاحة؟ وهل أفضى وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية دائمة، أم لم يتجاوز هدنة مؤقتة؟
وتدل التطورات التي أعقبت وقف إطلاق النار على صعوبة إصدار حكم مبكر.
فقد وصف تقرير الأمم المتحدة وقف إطلاق النار المعلن في 7 أبريل/نيسان بأنه مؤقت، وأشار إلى تمديده مع بقاء الأوضاع هشة وقابلة للتغير.
ولا يسمح تقلب الأوضاع بالجزم بنتيجة الحرب، لكنه يسوغ استنتاجا أضيق: أثبتت العمليات قدرة الولايات المتحدة على إيقاع ضرر واسع، من غير أن تنهي الحاجة إلى إدارة الصراع والتفاوض بشأنه، أو تضمن استقرار المجال الإقليمي.
وهذا هو موضع التقاء وجهي عبارة كوبر في الحالة المدروسة.
تظهر حدود العنف الإمبراطوري عندما تعجز القوة عن إصابة أهدافها، لكنها تظهر على نحو أوضح عندما تنجح الإصابة ولا تتحقق الغاية السياسية المنشودة.
فإذا اقتصرت الغاية على إتلاف قدرات محددة، أمكن تقويم النجاح بحجم الضرر ومدة التعطيل.
أما إذا كانت الغاية تغيير السلوك الإيراني على نحو دائم، أو القضاء على قدرات استراتيجية قابلة لإعادة البناء، أو إقامة نظام إقليمي جديد، فإن مؤشرات القياس العسكرية لا تعود كافية.
فالعنف في الحالة الأولى أداة قوة، وقد يغدو في الثانية اعترافا ضمنيا بأن القوة لا تملك وسيلة أقل كلفة وأكثر دواما لبلوغ غايتها.
وتبرز عندئذ أربعة حدود مترابطة، أولها «حد المعرفة»؛ فالطرف المهاجم لا يعرف جميع المواقع والقدرات البديلة، ولا يستطيع قياس النيات بالطريقة التي يقيس بها الضرر المادي.
وثانيها «حد المجال»؛ إذ تتوزع الأهداف ومصادر الرد على البر والبحر، وتمتد عبر شبكات إقليمية واسعة.
وثالثها «حد السياسة»؛ فالدولة والمجتمع والخصوم والحلفاء لا يستجيبون للضغط وفق نموذج آلي واحد.
ورابعها «حد الزمن»؛ فالقدرة التي دمرت اليوم قد يعاد بناؤها، والهدنة التي أعلنت قد تنهار، والنتيجة التي بدت حاسمة عند انتهاء الحملة قد تتغير بعد حين. ولا تلغي هذه الحدود القوة العسكرية، بل تحدد الموضع الذي تنقلب فيه كثافة استعمالها من برهان على السيطرة إلى علامة على تعذرها.
ولا تنفي هذه الحجة فاعلية القوة الأمريكية أو ضخامة الضرر الذي تستطيع إيقاعه؛ فالقول إن العنف دليل على الضعف وحده يختزل مفارقة كوبر ويقلب معناها.
فالمقصود أن الفعل نفسه قد يجمع الطرفين اللذين حددهما كوبر؛ قوة الوصول والاستهداف والتدمير، وضعف تحويل هذا التفوق إلى امتثال دائم ونظام إقليمي مضبوط.
ومن هذه الزاوية يلتقي كوبر ولاكوست وبربانك؛ فالقوة الإمبراطورية تمارس سلطانها في مجال متنوع، وتعد معرفة هذا المجال جزءا من أدواتها، لكنها لا تحتكر تشكيل تاريخه السياسي ولا تستنفد بدائل الفاعلين فيه.
تكشف الحرب الأمريكية على إيران وجهي العنف الإمبراطوري اللذين جمعهما كوبر في عبارة واحدة.
فالقدرة على اختراق المجال الإيراني وإصابة أهداف موزعة فيه برهنت على قوة عسكرية وتكنولوجية كبيرة. لكن الدقة في إصابة الهدف لم تلغ المسافة بين تدمير المنشأة والقضاء على القدرة، ولا بين إعلان وقف إطلاق النار والتوصل إلى تسوية سياسية دائمة.
ومن ثم، لا يكمن وجه الضعف في العجز عن الضرب، بل في محدودية ما يستطيع الضرب وحده إنجازه.
ويتيح تصور بربانك وكوبر فهم الإمبراطورية على أنها ممارسة للقوة عبر المسافة والاختلاف، لا ترسانة عسكرية فحسب.
ويبين لاكوست أن الجغرافيا معرفة استراتيجية لازمة للسيطرة على المجال، وليست مجرد مسرح للعمليات العسكرية.
وتوضح حالة إيران أن المجال يعمل في اتجاهين: فهو يتيح توزيع القدرات وامتصاص بعض آثار الضربات، ويمد نطاق الحرب إلى مضيق هرمز وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، لكنه لا يحول دون استخدام التفوق الجوي في إيقاع دمار واسع.
أما دورتشميد فينبه إلى ما يبقى خارج التخطيط من مصادفات وأخطاء وتحولات غير متوقعة.
لذلك لا ينحصر السؤال الحاسم فيما استطاعت الولايات المتحدة ضربه، بل يتعداه إلى الغاية السياسية التي تحققت، ومدى استمرارها، والكلفة الإقليمية المترتبة عليها.
وما دام الحكم النهائي متوقفا على تطورات لم تكتمل بعد، فإن أدق ما يمكن استخلاصه هو أن الحرب أثبتت اتساع قدرة الولايات المتحدة على ممارسة العنف، وأظهرت في الوقت نفسه ضيق قدرتها على التحكم في نتائجه. وبذلك لا تكون عبارة كوبر حكما تاريخيا أضيف إلى المقال، بل خلاصة تفسيرية تنتظم شواهده.
وبناء عليه، يمكن إعادة صياغة مفارقة كوبر في ضوء الحالة الإيرانية على النحو الآتي: تضرب الإمبراطورية؛ لأنها قادرة على إيقاع الضرر، وقد تواصل الضرب، لأن قدرتها على الحكم والإكراه السياسي تظل دون قدرتها على التدمير.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة