ففي منتصف الأسبوع الماضي شن الحوثيون هجوما واسعا بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة على الأراضي السعودية، مما أسفر عن نشوب النار في منشآت نفطية وإصابة أكثر من 70 مدنيا، وفي الأيام التالية وبعد أيام من القتال العنيف على طول خطوط المواجهة الرئيسية داخل اليمن، تمكن الحوثيون من السيطرة على ميناء المخا الاستراتيجي وعلى جزيرة بريم عند مدخل مضيق باب المندب ، وهو ما يمثل تحولا جذريا في موازين القوى في اليمن مع تداعيات محتملة على المنطقة بأسرها.
وحسب تحليل مشترك نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية لكل من أبريل لونجلي أللي المستشار السياسي لمبعوث الأمم المتحدة لليمن خلال الفترة من 2020 إلى 2024، وأليسون مينور مدير مشروع تكامل الشرق الأوسط في معهد المجلس الأطلسي للدراسات، فإن ما حققه الحوثيون مؤخرا يمثل انتصارا لإيران أيضا، إذ أن سيطرتهم على كل المخا وجزيرة بريم ستتيح لهم ترسيخ أنفسهم كقوة مؤثرة في المضيق الحيوي الذي يمر منه جزء كبير من التجارة الدولية وبخاصة بين آسيا وأوروبا، وفي الوقت نفسه كان توقيت تصعيد الحوثيين بالغ الأهمية بعد أن أصبح البحر الأحمر البديل الحيوي لتصدير النفط السعودي بعيدا عن مضيق هرمز على الخليج.
وتقول أبريل الباحثة الزميلة في معهد واشنطن للدراسات، ومينور الذي عمل كنائب للمبعوث الأممي لإيران خلال الفترة من 2021 إلى 2023، إن الحوثيين من خلال مهاجمة الأراضي السعودية وتصعيد هجماتهم على القوات الحكومية في اليمن واستيلائهم على المزيد من المواقع فيها، فتحوا فعلياً جبهة ثانية في الحرب مع إيران، مما يوسع نطاق الصراع ويزيد الضغط على أسواق الطاقة والأسواق المالية العالمية.
وبحسب التحليل المشترك فإن الحوثيين التزموا الحياد خلال الأشهر الخمسة الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، إلا أن هذا الحياد النسبي تبدد في منتصف يوليو عندما أعادت إيران وفداً حوثياً من طهران إلى صنعاء متحدية بذلك سيطرة الحكومة اليمنية والتحالف الذي تقوده السعودية على المجال الجوي اليمني، ولمنع الطائرة من الهبوط قصفت السعودية والحكومة اليمنية المدرج الوحيد في مطار صنعاء، ورغم هبوط الطائرة في ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين منح العمل السعودي الحوثيين ذريعة للتخلي عن هدنة 2022 واستئناف القتال سواء ضد المملكة أو ضد الحكومة الشرعية وحلفائها.
ومن الواضح أن حملة الحوثيين الأخيرة تستهدف الضغط على السعودية، فمع تضييق إيران الخناق على مضيق هرمز أصبح البحر الأحمر شريان الحياة لصناعة النفط السعودية، لكن منذ أن استأنف الحوثيون هجماتهم في يوليو انخفضت صادرات النفط السعودية عبر مضيق باب المندب بنسبة 95%، والآن باستهدافهم البنية التحتية والسفن قرب مجمع ميناء ينبع على البحر الأحمر يهدد الحوثيون الطريق البديل الذي ينقل النفط السعودي شمالا لعبور قناة السويس والاتجاه إلى الأسواق الدولية بعد ذلك.
ويعتقد الحوثيون الآن أن بإمكانهم الحصول على شروط أفضل من خارطة الطريق التي أقرتها الأمم المتحدة لتحقيق السلام في اليمن عام 2023 بما في ذلك تعويضات الحرب، ومن المرجح استمرار هذه المطالب في الارتفاع مع تقدمهم على الأرض، وفي الوقت نفسه يواجه الحوثيون ضغوطاً داخلية كبيرة لدفع رواتب القطاع العام التي وعدوا بها منذ فترة طويلة ومعالجة الظروف المعيشية المتردية، إذ يعاني أكثر من نصف سكان اليمن من انعدام حاد في الأمن الغذائي في حين يواجه ستة ملايين شخص مستويات طارئة تقترب من المجاعة.
وبالنسبة للسعودية ومع اعتمادها المتزايد على البحر الأحمر ربما توقع الحوثيون أن تستجيب المملكة سريعا لمطالبهم، إلا أن تحركاتهم عززت على ما يبدو تصميم الرياض على مواجهتهم.
لذا تستعد السعودية للمواجهة بتنويع شراكاتها الأمنية، ففي 30 يوليو أعلنت عن تحالف دفاعي بحري يضم 14 دولة لحماية البحر الأحمر من بينها تركيا وباكستان ومصر والسودان وجيبوتي، وبعد أسبوع وقع ولي العهد اتفاقية دفاع مشترك مع تركيا وباكستان.
وبينما يشكل استيلاء الحوثيين على المخا وجزيرة بريم ضغطا أكبر على واشنطن للرد قد تكون إدارة ترامب تميل إلى تجنب أي تورط عسكري جديد قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، فقد أفاد موقع "أكسيوس" بأن ترامب رفض طلبات السعودية بشن غارات جوية على الحوثيين مؤخراً.
مع ذلك لا تزال هناك فرصة سانحة لمنع خروج التصعيد عن السيطرة والعودة إلى طاولة المفاوضات، لتحقيق ذلك تحتاج السعودية والحكومة اليمنية بالتعاون مع شركاء إقليميين ودوليين آخرين إلى الاتفاق على خطة موثوقة لضمان حل سياسي للنزاع اليمني تعالج الانقسامات داخل التحالف المناهض للحوثيين وتحسم المسائل السياسية التي لا تزال تمزق هذا التحالف مع تجنب الأهداف العسكرية القصوى.
وفي الوقت نفسه يجب على القوات السعودية وقوات الحكومة اليمنية بدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين ممارسة ضغط عسكري فعال لوقف تقدم الحوثيين وإقناعهم بقبول اتفاق سلام خاصة في ظل ما يعانونه من ضغوط اقتصادية كبيرة في الداخل، كما يتعين على الحوثيين أيضا الموافقة على شروط تعالج الشواغل الإقليمية والحكومة اليمنية الأساسية وتضع هيكلاً للحكم قابلاً للتطبيق لكي تحقق التسوية السياسية الاستقرار في اليمن.
فقد آن الأوان للتخلي عن الاستراتيجية الفاشلة المتمثلة في معالجة مشاكل اليمن عبر التصعيد العسكري قصير المدى وحملات الضغط، ورغم أن إحياء التسوية السياسية لن يكون أمراً سهلاً أو فورياً فالبديل أسوأ بكثير وهو الانزلاق إلى حرب متجددة طويلة الأمد ذات طابع إقليمي متزايد قد يكون إشعالها أسهل بكثير من إنهائها.
المصدر: AP
المصدر:
روسيا اليوم