آخر الأخبار

ماذا تعرف عن “إسرائيل” روسيا التي أقامها ستالين؟

شارك

في سلسلة وثائقية من 9 حلقات، بعنوان "التراث: الحضارة واليهود"، أذاعتها شبكة التلفزة العامة الأمريكية (PBS) عام 1984، تحدّث أبا إيبان، وزير خارجية إسرائيل الأسبق (1915-2002)، عن تاريخ اليهود وعلاقتهم بالغرب، وأنهم يعيشون حاليا عصرهم الذهبي الثالث. وعندما سُئل عن العصر الذهبي الثاني، أجاب: في ظل الإسلام.

بهزيمة القبائل اليهودية بمستوطنات يثرب وخيبر وفدك وتيماء التي حاولت مبكرا القضاء على الدعوة الإسلامية عقب الهجرة النبوية إلى المدينة، رغم وثيقة المدينة التي حصّنت وقننت وضعهم بوصفهم أمة، انتهت أسباب الصراع بينهم وبين المسلمين، وانتشروا لاحقا بمختلف أنحاء دولة الخلافة، وازدهرت أحوالهم تحت أحكام الشريعة التي ضمنت أوضاعهم وحقوقهم الفردية والجماعية.

وبلغوا شأنا كبيرا في ظل تسامح الإسلام، وتولوا أرفع المناصب العلمية والسياسية وكونوا بيئة ثقافية ودينية خصبة من الأندلس إلى خراسان والهند.

واستمر هذا الحال حتى قيام دولة المشروع الصهيوني. باختصار لم يشهد العالم الإسلامي "مشكلة يهودية" ولا "محاكم تفتيش" ولا حملات طرد جماعي ولا تمييزا ولا تنصيرا قسريا كما وقع بأوروبا المسيحية.

المشكلة اليهودية في الغرب

تاريخيا، كانت علاقة اليهود بالغرب محكومة بمحددات دينية وحضارية وتاريخية وجيوسياسية: المشكلة اليهودية؛ المشروع الإمبريالي الغربي؛ تنظيم الاجتماع الغربي.

لم تتقبل المجتمعات المسيحية الأوروبية وجودا يهوديا مستقرا ضمن صيغة تعايش دائمة. وشهدت أوروبا موجات شيطنة واضطهاد وترحيل جماعي وتمييز، حتى بعد عصر النهضة وظهور الليبرالية، واختُصِر ذلك بـ"المشكلة اليهودية".

وجاءت الدساتير وتشريع الحقوق المدنية والمواطنة في الغرب ضرورة لتنظيم المجتمعات الأوروبية وتجنيدها في خدمة المشروع الإمبريالي ورفده بالموارد البشرية، فكان تفكيك نظام الإقطاع لعدم جدواه إمبرياليا. وهذا بدوره فاقم المشكلة اليهودية بالغرب!

إعلان

وهنا لاح للمشروع الصهيوني فرصة سانحة حيث شرعت بريطانيا في ـ"تحويله" إلى حاجز استيطاني أوروبي يفصل مصر عن "آسيا العربية"، ويمنع تمددها على غرارما فعل مشروع محمد علي، بعد أن قررت بريطانيا في عام 1840، بلسان وزير خارجيتها اللورد هنري بالمرستون (1784-1865)، أن سيناء هي الحد الفاصل لنفوذه.

بل كانت سيناء ذاتها مرشحة بقوة لقيام المشروع الصهيوني حوالي عام 1903، لكن الفكرة لقيت اعتراض اللورد كرومر، المندوب السامي البريطاني في مصر، خشية عواقبها.

تواصل توظيف المشكلة اليهودية في الغرب، لتغذية عمليات الـ"ترانسفير" والمشروع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين والمشرق برعاية الغرب وجيوشه وأساطيله، ورفده باليهود خاصة يهود شرق أوروبا وروسيا. لم يتراجع الغرب قط عن إخضاع المشرق واحتلاله واستيطانه وإبادته، كحل نهائي لـ"المشكلة اليهودية" من المنظور الإمبريالي الأنجلوسكسوني!

ووسط كل هذه التقاطعات للمشاريع المتباينة للمسألة اليهودية، ظهر الحل الاشتراكي السوفياتي في "بيروبيجان" ليكون وطنا قوميا لليهود السوفيات.

لم تتقبل المجتمعات المسيحية الأوروبية وجودا يهوديا مستقرا ضمن صيغة تعايش دائمة. وشهدت أوروبا موجات شيطنة واضطهاد وترحيل جماعي وتمييز، حتى بعد عصر النهضة وظهور الليبرالية، واختُصِر ذلك بـ"المشكلة اليهودية"

"بيروبيجان" مستوطنة اليهود السوفيات

باستثاء نخب الباحثين في قضية فلسطين والمشروع الصهيوني، لم يكن الجمهور العربي العام واعيا بأمر "بيروبيجان" Birobidzhan، مقاطعة اليهود السوفيات المنسية في الشرق الأقصى السوفياتي بجوار منشوريا الصينية وغير بعيد عن جزر اليابان، حتى نشرت مجلة "العربي" الكويتية استطلاعا حولها، نوفمبر/تشرين الثاني 1987: "بيروبيجان.. من يتذكر دولة اليهود السوفيات؟".

وقد سبقه كتاب المؤرخ والدبلوماسي العراقي، نجدة فتحي صفوة: "بيروبيجان: التجربة السوفياتية لإنشاء وطن قومي يهودي" (عام 1973)، كعمل توثيقي وتاريخي، أصدره مركز الدراسات الفلسطينية بجامعة بغداد.

"بيروبيجان" مقاطعة يهودية سوفياتية، ذات حكم ذاتي، تبعد 9 آلاف كيلومتر عن موسكو، وتعاون السوفيات ويهود أمريكا على قيامها. قبل عام 1928 لم يكن هناك مدينة أو مقاطعة باسم "بيروبيجان"، بل كانت محطة "تيخونكايا" للقطارات المتجهة إلى الشرق الأقصى السوفياتي، وصولا لحدود الصين واليابان والمحيط الهادئ. كانت منطقة أعاصير وغابات ومستنقعات وبعوض ووحوش.

قضى الشاعر السوفياتي، آرون فيرغليس، فترة صباه في بيروبيجان (1930-1941)، وشغل لاحقا في موسكو رئاسة تحرير مجلة "الوطن السوفياتي" الناطقة باليديشية، لغة يهود أوروبا، وهي مزيج من الألمانية القديمة والعبرية ولغات أوروبية.

أصبحت محطة القطارات قرية، عُرفت بعد عام 1930 بـ"بيروبيجان"، وباتت عاصمة مقاطعة، حسب إعلان مجلس السوفيات الأعلى في 7 مايو/أيار 1934. وهي الآن جزء من إقليم "خباروفسك"، ويمثل رُبع مساحة الشرق الأقصى السوفياتي. مساحة المقاطعة 36 ألف كيلومتر مربع، وتعادل فلسطين ولبنان معا، وتصدر بها صحيفتان يوميتان "نجمة بيروبيجان" بالروسية، وأخرى باليديشية بنفس الاسم، ولها مشتركون في أوروبا وأمريكا.

إعلان

في الثمانينيات، كان يقطن المقاطعة 215 ألف نسمة، منهم 17 ألف يهودي ومن هؤلاء 14 ألفا في العاصمة بيروبيجان التي بلغ عدد سكانها آنذاك 83 ألفا، وكان اليهود أقلية فيها.

المشكلة اليهودية في روسيا

ساءت أحوال اليهود الاقتصادية في مناطق التوطين: حدود بولندا ومناطق داخلية روسية، ووقعت اضطرابات ومذابح ضد اليهود، لاسيما في أوكرانيا، مثلا، ضد الاستغلال اليهودي، وتناقض المصالح، أواخر القرن التاسع عشر، وبداية العشرين.

كذلك، نفذ الغزو الألماني مجازر لبعض شعوب روسيا القيصرية، ومنهم اليهود، ما دفعهم إلى الهجرة إلى مناطق داخلية. فقصد بعضهم أواسط روسيا وسيبيريا والقوقاز والقرم، أو هاجروا خارج روسيا، خاصة إلى أمريكا التي وصلها آنذاك، مليون يهودي روسي.

عام 1917، قامت ثورة البلاشفة على القيصرية، وورثت مشكلة اليهود، وغدا كثير منهم بلا أعمال بعد سيطرة الدولة على التجارة والمصارف، وكانتا مجالي عمل يهود كثر، إضافة لأعمال هامشية أخرى.

اتخذت الدولة السوفياتية الجديدة خطة لتحويل اليهود إلى العمل في المصانع والمزارع، وتشجيع اندماجهم الطوعي. فأعلن ستالين في مؤتمر الحزب الشيوعي (عام 1920): "أن الحزب يؤمن برسوخ الأمم واللغات القومية، وينبذ سياسة الدمج القومي نبذا تاما، بوصفها سياسة معادية للشعب والثورة، والقصد منها الدمج القسري".

لكن بقيت مشكلة اليهود قائمة، فقد واجه النظام الجديد محاولات قوى أوروبية تقويضه بالقوة، كما ألّف أعداء الثورة من "الروس البيض" كتائب عسكرية، وشنّوا حربا ضد الثورة. نجم عن ذلك تحطيم أصول اقتصادية وصناعية وموارد وثروات، أهمها البشر، ما أدى إلى مجاعات وآلام كثيرة وأربك خطط الدولة. واتُخِذت إجراءات لتخفيف كثافة سكان المركز، فهَجّرت بعضهم لاستصلاح أراضي الأرياف والمناطق النائية.

ضمن هذه الموجة، خُصصت منظمات سوفياتية لتوطين اليهود، بالتعاون مع منظمات أمريكية، خاصة جنوب أوكرانيا والقرم. فشلت تجربة توطين اليهود هناك بفعل مقاومة السكان المحليين، نظرا لاستغلال الحركة الصهيونية والحركة الدينية اليهودية للموقف، ونشاطهما بين المستوطنين اليهود هناك، فتخوفت السلطات السوفياتية من كثافة سكانية يهودية في منطقة إستراتيجية، خاصة مع ظهور نُذُر الحرب العالمية الثانية.

شجعت سلطات موسكو اليهود السوفيات على الهجرة لـ"بيروبيجان"، بوصفه مشروعا يمثل حلا اشتراكيا سوفياتيا سلميا للمشكلة اليهودية في الاتحاد السوفياتي و"العالم"، ونموذجا إيجابيا لما يمكن أن تقدمه الاشتراكية عالميا

بيروبيجان.. لماذا؟

في تلك الفترة تم التفكير في بيروبيجان، فأُرسلت السلطات بعثة استقصائية إليها (عام 1927)، فما الذي حتّم اتخاذ هذه الخطوة؟

بقي قطاع واسع من اليهود دون استيعاب ضمن المؤسسات العمالية والفلاحية والنظام السوفياتي الجديد، واحتاج تأهيلهم وقتا وجهودا، في حين كانت الحركة الصهيونية تنشط في أوساط يهود شرق أوروبا وروسيا، وتستقطب ولاءهم وتدفعهم إلى الهجرة إلى فلسطين.

ويُذكر من روادها الأوائل ليون بينسكر (1821-1891)، طبيب وكاتب وناشط سياسي بولندي-روسي، أحد مؤسسي الصهيونية السياسية وقاد جماعة "محبي صهيون".

لم تغِب عن المشهد منظمة الشيوعية الدولية (الكومنترن)، أو الأممية الثالثة (1919-1943)، التي أسسها فلاديمير لينين للدفاع عن الشيوعية عالميا. فقد أسس الصهاينة اليساريون من المهاجرين اليهود في فلسطين "الحزب الشيوعي الفلسطيني" -برعاية "الكومنترن" غالبا- في 9 يوليو/تموز 1923، امتدادا لنواة أولى ظهرت في فلسطين في أكتوبر/تشرين الأول 1919 بعنوان "حزب العمال الاشتراكي"، وشاعت تسميتهم بـ"البلشفيك"، دلالة على علاقتهم بالسوفيات.

في ضوء كل ذلك، شجعت سلطات موسكو اليهود السوفيات على الهجرة لـ"بيروبيجان"، بوصفه مشروعا يمثل حلا اشتراكيا سوفياتيا سلميا للمشكلة اليهودية في الاتحاد السوفياتي و"العالم"، ونموذجا إيجابيا لما يمكن أن تقدمه الاشتراكية عالميا.

إعلان

يقول نجدة فتحي صفوة في كتابه "بيروبيجان": "رأت السلطات السوفياتية أن المشروع سيعيد حياة اليهود السوفيات إلى وضع طبيعي، إذ يجعل اليهود "أمة" أو "قومية" (سوفياتية) لها جذور إقليمية. فإذا مُنح اليهود إقليم بيروبيجان واستطاعوا إنشاء كيان خاص بهم، يكون مركزا قوميا وثقافيا لهم، يصبحون "أمة" تلقائيا".

سينقل هذا الحل -بنظر السلطات السوفياتية- اليهود أيضا من طبقة بورجوازية تعيش على أعمال غير إنتاجية إلى طبقة عاملة منتجة. كما استهدف المشروع كسب عطف يهود العالم، ونيل تأييدهم ماديا ومعنويا، وفي أمريكا بخاصة، وإحباط دعاية اليهود المعادين للسوفيات في الخارج.

وهناك اعتبارات إستراتيجية حتّمت اتخاذ هذه الخطوة، فقد كانت الحكومة السوفياتية قلقة لوجود منطقة حدودية خالية من السكان تقريبا.

ويضيف نجدة فتحي صفوة: مع تدهور الوضع الدولي، خاصة بعد غزو اليابان لمنشوريا عام 1931، أخذت الاعتبارات الإستراتيجية لمناطق الشرق الأقصى السوفياتي تظهر بقوة. فكانت إقامة كيان يهودي في الشرق الأقصى السوفياتي تستجيب لهدفين عمليين أساسيين:


* أولهما، إيجاد حل لـ"المشكلة اليهودية"، في الاتحاد السوفياتي والعالم، إذ فتح باب هجرة يهود العالم إلى بيروبيجان. وبالفعل، وصلتها آلاف العائلات اليهودية من الأرجنتين وأوروبا الشرقية وإنجلترا وألمانيا وفلسطين.
* ثانيهما، إعمار منطقة حدودية خالية من السكان قرب بلدين كبيرين (الصين واليابان) يعانيان من تخمة سكانية.

ويضاف إلى ذلك، تعبئة اليهود السوفيات وتنظيمهم ضمن خطط وأطر الدولة السوفياتية، وصرفهم عن الانخراط في الحركة الصهيونية الناشطة بقوة بينهم، وتنافس الدولة السوفياتية ذاتها على استقطاب ولائهم وتجنيدهم في مشروعها.

ورغم اهتمام السلطة السوفياتية العليا بالمشروع، وتكثيف الدعايات الإعلامية داخليا وخارجيا، لتشجيع الهجرة إلى بيروبيجان، لم تتوافق النتائج مع الآمال والطموحات، بالنسبة لقيام وطن قومي يهودي اشتراكي، يمثل نقيض الكيان "القومي الصهيوني".

السوفيات والمسألة القومية

رغم قيام مشروع "بيروبيجان" كحل سوفياتي اشتراكي للمشكلة اليهودية، بدت الفكرة مناقضة لمبادئ "الماركسية-اللينينية" حول القوميات ورؤية السوفيات للمسألة القومية إجمالا.

جاء في كتاب ستالين "الماركسية والمسألة القومية": "أن الأمة هي جماعة أناس ثابتة، تألفت تاريخيا، ونشأت على أساس اللغة والأرض والحياة الاقتصادية وخصائص نفسية تتجلى في جامعة ثقافية". هكذا نسف ستالين الادعاءات الخاصة بوجود أمة يهودية.

أما لينين فقد كتب عام 1903 في نشرة الحزب الشيوعي "أسكرا" (الشرارة): "الفكرة القومية اليهودية رجعية كليا، ليس فقط عندما يدعو لها دعاتها الصرحاء الصهاينة، بل وعندما تنطلق من شفاه الذين يحاولون مزجها بأفكار الديمقراطية الاجتماعية. إن فكرة القومية اليهودية ضد مصالح "البروليتاريا" اليهودية، لأنها تُروّج في صفوفها -بشكل مباشر أو غير مباشر- لروح معادية للتمثل، إنها روح الغيتو".

لكن التناقض الأهم كان دور السوفيات وستالين في دعم قيام المشروع الصهيوني في فلسطين وهو النقيض المباشر لمشروع "بيروبيجان". كانت دوافع ستالين جيوسياسية محضة في سياق مطاردته النفوذ البريطاني في المشرق وتعثره وتراجعه وانسحابه من المنطقة. وبقيام "إسرائيل" العبرية، كان ستالين فعليا يطوي صفحة مشروع "بيروبيجان" اليديشية السوفياتية.

الحل السوفياتي (الثقافي اليديشي) للمشكلة اليهودية سبق قيام "إسرائيل" بعقدين، لكنه لم يصمد طويلا بوجه الآلة الصهيونية والغربية واستقطابها اليهود السوفيات الذين تقاطروا لاحقا للهجرة إلى إسرائيل، لدوافع اقتصادية غالبا وليست أيديولوجية، وشكلوا مجتمعا ثقافيا روسيا مرتبطا بروسيا

مآلات "بيروبيجان" اليديشية

تراجعت فكرة بيروبيجان تدريجيا نتيجة عوامل؛ منها قسوة ظروفها الطبيعية، وتحوّل اهتمامات ستالين لاحقا، وقيامه بحملات تطهير ضد النخب الثقافية والسياسية اليهودية، والدعم الغربي والصهيوني الكبير لهجرة يهود السوفيات إلى فلسطين، ما أدى في النهاية لهجرة معظم سكان المقاطعة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

للمفارقة، كان "استيطان الأرض" وربط المهاجرين اليهود بها ركيزة الحل السوفياتي الأساسية، وبذلك كانت "بيروبيجان" ابتداء مشروعا استيطانيا آخر، شأنه شأن المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين، وإن لم يكن إحلاليا اقتلاعيا يقوم على الإبادة الجماعية واستبدال شعب بشعب وتاريخ بتاريخ وثقافة بثقافة، كما المشروع الصهيوني.

إعلان

الحل السوفياتي (الثقافي اليديشي) للمشكلة اليهودية سبق قيام "إسرائيل" بعقدين، لكنه لم يصمد طويلا بوجه الآلة الصهيونية والغربية واستقطابها اليهود السوفيات الذين تقاطروا لاحقا للهجرة إلى إسرائيل، لدوافع اقتصادية غالبا وليست أيديولوجية، وشكلوا مجتمعا ثقافيا روسيا مرتبطا بروسيا، يتحدث الروسية ويشاهد فضائيات روسية، ويصوّت في الانتخابات بصفته كتلة روسية، وأقام مطاعم روسية في القدس تقدم وجبات كوارع الخنازير أيضا.

لا يمكن القول إن مشروع "بيروبيجان" ولد هامشيا أو ميتا، لكن نجاحه كان يتوقف أساسا على عزم وإرادة القيادة السوفياتية (ستالين) مقابل مشروع وإرادة الإمبريالية البريطانية (تشرشل) في فلسطين. لكن ستالين -لاحقا- عمليا فضّل التنافس مع الغرب على استقطاب المشروع الصهيوني نحو النموذج السوفياتي والأيديولوجية الاشتراكية.

اليوم، ورغم أن اليهود يشكلون أقل من 1% من سكان بيروبيجان، لكنها رسميا لا تزال منطقة حكم ذاتي يهودية، واللغة اليديشية لغتها الرسمية. ولا تزال الثقافة اليهودية اليديشية حاضرة في المدينة؛ فالشارع الرئيس يحمل اسم الكاتب اليديشي شولوم أليخيم ("السلام عليكم")، والتقاليد اليهودية جزء من المناهج الدراسية هناك.

لقد أثبتت تجربتا "بيروبيجان" و"إسرائيل" أن "اليديشية" هوية ثقافية حقيقية ليهود أوروبا وأن الهوية العبرية اختلاق زائف بل مجرد ديباجة قومية مصطنعة للمشروع الاستيطاني الصهيوني!

في ضوء تفكك المشروعات الاستيطانية الأوروبية في القرن الماضي، وهو مآل ينتظر المشروع الصهيوني، بل ظهرت إرهاصاته، وبات هاجسا مسيطرا على نخب إسرائيل ومستوطنيها فقد يمثل مشروع "بيروبيجان" ملاذا مستقبليا للمستوطنين الروس بفلسطين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا