آخر الأخبار

دورة "استثنائية للمشاركين في الثورة".. ما دوافع قرار الداخلية السورية ولماذا الآن؟

شارك

للمرة الأولى بعد عام وتسعة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد، أعلنت وزارة الداخلية السورية قبل يومين، عن دورة استثنائية للالتحاق بقوى الأمن الداخلي، مخصصة "للمشاركين في الثورة "، وهو ما اعتبره باحثون ومحللون "إنصافا لهذه الشريحة" التي تعرضت للتشرد والتهجير خلال سنوات الحرب، وفقد جزء منهم إمكانية استكمال تعليمه أو مساره المهني في السنوات السابقة.

وتشترط الوزارة لهذه الدورة "الاستثنائية" أن يكون المتقدم من مواليد 1 يناير/كانون الثاني 1985 إلى 31 ديسمبر/كانون الأول 1994، وأن يحمل الشهادة الإعدادية كحد أدنى، إلى جانب شروط تتعلق باللياقة الصحية وحسن السيرة والسلوك.

وتبلغ مدة الدورة 60 يوما لحملة الإعدادية، و120 يوما لحملة الثانوية والمعهد المتوسط والجامعة، مع اختلاف رتبة التخرج بحسب المؤهل العلمي.

الإعلان عن الدورة الاستثنائية سبقته مطالبات بتعديل شروط الانتساب إلى المؤسسات العسكرية والأمنية، خصوصا فيما يتعلق بسن المتقدم، بما يتيح للمشاركين في الثورة الذين لا تنطبق عليهم الشروط التقليدية فرصة الالتحاق بها، إذ كان شرط العمر من أبرز مصادر الشعور بالإقصاء لدى شريحة من المشاركين في الثورة السورية، وخاصة ممن تعرضوا للتهجير سابقا ولم تسمح لهم ظروف الحرب بمواصلة تحصيلهم العلمي.

وتأتي الدورة في وقت تعيد فيه وزارة الداخلية تنظيم وحدات الأمن، بعد دمج الشرطة والأمن العام ضمن هيكل موحد بمسمى "قيادة الأمن الداخلي في المحافظة" في مايو/أيار 2025، بالتوازي مع توجه معلن لإعادة تعريف دور رجل الأمن ووظيفته، بعد عقود ارتبطت فيها الأجهزة الأمنية لدى السوريين بالقمع والخوف والتعذيب.

استثنائية الفئة والعمر

خلال الأشهر الماضية، أعلنت وزارة الداخلية ومديرياتها في المحافظات عن عدة دورات انتساب إلى مختلف إداراتها، وبقيت شروط القبول متقاربة في خطوطها العامة، مع اختلافها بحسب طبيعة كل إدارة، ولا سيما فيما يتعلق بالعمر والمؤهل الدراسي.

إعلان

ففي بعض الدورات، اشترطت الوزارة أن يكون عمر المتقدم بين 20 و30 عاما، فيما حددت الإدارة العامة لأمن الحدود الفئة العمرية بين 18 و25 عاما، واشترطت إدارة مكافحة المخدرات ألا يقل عمر المتقدم عن 18 عاما وألا يتجاوز 30 عاما، مع حصوله على الشهادة الثانوية فما فوق.

أما إدارة الهجرة والجوازات، فكان إعلان الانتساب لها لمن لا يتجاوز عمره 40 عاما، مع اشتراط الشهادة الثانوية كحد أدنى.

وتختلف الدورة الاستثنائية المخصصة "للمشاركين في الثورة" عن كل الدورات السابقة من حيث الفئة المستهدفة، وشرط العمر، فهي تقبل مواليد عام 1985 حتى نهاية عام 1994، أي لأعمار تصل إلى 41 عاما، وتكتفي بالشهادة الإعدادية كحد أدنى، فيما أبقت الوزارة شرط ألا يكون المتقدم متزوجا من أجنبية، وهو شرط مشترك مع معظم دورات الانتساب.

وأوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أن معيار العمر كان موضع انتقاد في دورات الانتساب السابقة، وأن تأخير الإعلان عن الدورة الاستثنائية أتاح للوزارات الأخرى الاستفادة من "الطاقة الثورية"، كما منح التأخير المشاركين وقتا لاستكمال تعليمهم.

وأضاف أن الوزارة تريد رفد "صفوفها بقوة من الشباب الذين أسهموا في انتصار الثورة"، معتبرا أن هذه الدفعة ستكون "سيف وزارة الداخلية ودرع الوطن في مواجهة جميع المفسدين".

"إنصاف وتعويض"

يرى الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان ، أن وصف الدورة بأنها "استثنائية" مهم لفهم القرار، إذ لا يتعلق الأمر بتعديل عام لشروط الانتساب إلى وزارة الداخلية، بقدر ما يمثل معالجة لفئة محددة لم تعد قادرة على الدخول عبر شروط العمر المعتادة.

ويشير شعبان إلى أن "كثيرين ممن شاركوا في الثورة منذ سنواتها الأولى باتوا في أواخر الثلاثينيات وأوائل الأربعينيات، ما يعني أن الالتزام بسقف العمر التقليدي كان سيؤدي إلى استبعاد جزء كبير من هذه الفئة".

ويقول الباحث لـ "سوريا الآن"، إن السماح لمواليد 1985 بالتقدم يمكن قراءته باعتباره "محاولة لفتح مسار مؤسساتي أمام أشخاص ارتبطت تجربتهم السياسية أو الميدانية بالثورة، بدلا من بقائهم خارج مؤسسات الدولة الجديدة".

ويرى أن للقرار بعدا رمزيا أيضا، يتمثل في اعتراف الدولة بأن السنوات الـ15 الماضية أوجدت ظروفا استثنائية عطّلت المسارات الطبيعية للدراسة والعمل والالتحاق بالمؤسسات العامة لدى شريحة واسعة من السوريين.

ويعتبر شعبان أن القرار يندرج ضمن عملية أوسع لإعادة بناء المؤسسة الأمنية وتشكيل منظومة الأمن، لا تقتصر على تغيير القيادات وأسماء الأجهزة، وإنما تمتد إلى تغيير التركيبة البشرية والثقافة التي تعمل ضمنها.

مصدر الصورة أثناء مداهمة عناصر أمنية لخلية مسؤولة عن تفجير7 يوليو/تموز في دمشق (وزارة الداخلية السورية)

من جانبه، يرى الضابط المنشق عن نظام الأسد، طارق حاج بكري، أن "القرار منصف بحق من شاركوا في الثورة وكانوا قد تجاوزوا سن 18 عاما عند انطلاقها، إذ لم تشملهم الدورات السابقة".

ويقول حاج بكري لـ "سوريا الآن" إن الانتساب في أعمار أكبر "يوفر للمؤسسة الأمنية أشخاصا راكموا خبرة حياتية وقدرة أكبر على التعامل والتواصل مع الناس، فضلا عن خبرة بعضهم في حمل السلاح والعمل الميداني"، مشيرا إلى أن تعايشهم سابقا مع مختلف البيئات الاجتماعية، بما فيها المؤيدون للنظام السابق، يمكن أن يساعدهم في التعامل مع هذه الفئات ضمن مؤسسات الدولة الجديدة.

إعلان

ويضيف حاج بكري، أن "القرار يمنح من شاركوا في الثورة فرصة للمساهمة في بناء الدولة وتسخير خبراتهم لخدمتها".

إن الدولة تريد من خلال القرار إيصال رسالة إلى السوريين الذين شاركوا في الثورة بأنهم في بؤرة اهتمامها، خصوصا مع ظهور شخصيات محسوبة على النظام السابق في بعض المؤسسات الجديدة

أما الباحث في الشؤون العسكرية رشيد حوراني، فيرى أن القرار يعكس توجها أكبر لمؤسسات الدولة الأمنية الوليدة نحو الاستقرار والبناء، وحاجتها إلى كوادر بشرية لسد الفراغات الممتدة على كامل الجغرافيا السورية.

ويقول حوراني لـ "سوريا الآن" إن "الدولة تريد من خلال القرار إيصال رسالة إلى السوريين الذين شاركوا في الثورة بأنهم في بؤرة اهتمامها، خصوصا مع ظهور شخصيات محسوبة على النظام السابق في بعض المؤسسات الجديدة،" بما يعكس، بحسب حوراني "ثقة الدولة بحاضنة الثورة واعتمادها عليها في بناء مؤسساتها وهياكلها الجديدة".

"أمن الثورة والدولة"

ويشير الباحث إلى أن الدورة سترفد المؤسسة الأمنية بعناصر يحملون "فكر الحرص على الدولة، ويحاولون الجمع بين المهنية والاحتراف والحفاظ على حقوق الإنسان"، بما يحول دون إعادة إنتاج المنظومة الأمنية للنظام البائد.

ويأتي قرار فتح الدورة الاستثنائية ضمن سلسلة من الخطوات التي اتخذتها وزارة الداخلية لإعادة تنظيم كوادرها وفتح مسارات للالتحاق بالخدمة أمام فئات لم تكن مشمولة سابقا، من بينها دعوة سابقة للضباط المنشقين عن نظام الأسد تمهيدا لإعادتهم إلى الخدمة في صفوف الوزارة، ومقابلة أكثر من 260 ضابطا حقوقيا موجودا داخل سوريا.

مصدر الصورة أثناء مداهمة لعناصر وزارة الداخلية السورية وتفكيك خلية لحزب الله اللبناني – مايو/أيار 2026 (سانا)

وبالنسبة للدورة الاستثنائية، لم يحدد المتحدث باسم وزارة الداخلية عدد المتقدمين المتوقع لها، لكنه أشار إلى أن العدد سيكون كبيرا، موضحا أن الدورة تمثل دفعة افتتاحية، وأن الوزارة ستدرس نتائجها وتقيّمها، وبناء على ذلك سيكون هناك مزيد من الدورات.

وترافقت بعض دورات الانتساب مع انتقادات تتعلق بشروط محددة، كاعتبار تخصيص دورة لفئة معينة تمييزا وإخلالا بمبدأ المساواة، أو الاعتراض على بنود تتصل بالفكر والتوجهات أو حضور دورة شرعية أو غيرها.

يقول الباحث رشيد حوراني إن من "أبرز تحديات الدورة الاستثنائية ضعف الإمكانيات المتاحة حتى الآن، ما قد يجعل تأهيل المنتسبين يستغرق وقتا أطول".

أما تخصيصها للمشاركين في الثورة، فلا يعدّه حوراني تمييزا، إنما "يندرج ضمن العدالة الانتقالية وجبر الضرر"، لمن تعرضوا للتشريد والتهجير وفقدان أفراد من عائلاتهم.

من جانبه، يشير الباحث نوار شعبان إلى أن القرار يطرح تحديا مهما، لأن المطلوب في النهاية هو بناء "أمن الدولة " وليس "أمن الثورة "، فالشرعية التي تمنحها "المشاركة في الثورة يمكن أن تكون أحد مداخل الانتساب في هذه المرحلة، لكنها لا يمكن أن تشكل القاعدة التي تحكم المؤسسة على المدى الطويل".

مصدر الصورة من عمليات القوات الأمنية ضد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (وزارة الداخلية السورية)

ويضيف أن المنتسب، بعد دخوله الوزارة، ينبغي أن تنتقل مرجعيته من خلفيته السابقة إلى القانون والتدريب والتسلسل المؤسساتي وحقوق المواطنين، ما يجعل أثر الدورة إيجابيا إذا جاءت ضمن عملية أوسع للدمج والتأهيل المهني وتوحيد معايير العمل الأمني.

أما إذا تحولت الاستثناءات – وفق الباحث – إلى "مسارات دائمة قائمة على الهوية أو الخلفية السابقة، فإنها قد تؤدي إلى نشوء هويات متعددة داخل المؤسسة بدلا من بناء مؤسسة أمنية موحدة".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا