آخر الأخبار

إرث لا يمكن تعويضه" .. مبادرات سورية لمواجهة حرائق الغابات

شارك
"الحرائق تسببت بكارثة طالت أكثر من 45 ألف هكتار في محافظات مختلفة، موضحاً أن الجزء الأكبر من المساحات المتضررة يقع في محافظة اللاذقية، نظراً إلى أنها تضم المساحة الأكبر من الغابات في سوريا".صورة من: Sonia Al-Ali

لم ينتظر الشاب براء العلوش، البالغ من العمر (26 عاماً) وصول سيارات الإطفاء إلى قريته في ريف اللاذقية على الساحل السوري ، فعندما شاهد الدخان يتصاعد من الجبل القريب، صعد برفقة عدد من أبناء المنطقة باتجاه مصدر النيران، حاملاً ما توفر لديه من أدوات ومياه، في محاولة للمساهمة في إخماد الحريق والحد من وصوله إلى المناطق السكنية والغابات المحيطة.

لم يكن براء يرتدي بدلة واقية، ولم يكن بحوزته معدات متخصصة لإطفاء الحريق، لكنه كان يدرك أن النار تقترب من المكان الذي يعيش فيه، وأن الوقوف بعيداً ومراقبتها لم يكن خياراً بالنسبة إليه. وعن ذلك يقول لـDW عربية: "حين رأيت النار تشتعل في الغابة القريبة من منزلي، لم أتردد لحظة في محاولة إخمادها، حفاظاً على الغابة التي تعتبر كنزاً طبيعياً، كما تحرك شباب المنطقة إلى جانب فرق الإطفاء في مجموعات صغيرة، وتوزعنا الأدوار بيننا، من راقب اتجاه النار، ومن أمن المياه، ومن تواصل مع فرق الإطفاء، ومن ساعد العائلات القريبة من مناطق الخطر".

ويشرح براء أن ما يدفع الأهالي إلى المخاطرة هو شعورهم بأنهم يدافعون عن إرث لا يمكن تعويضه بسهولة.

مبادرات تتجاوز الجهد الفردي

لم تكن مبادرة الشاب براء العلوش حالة فردية يتيمة، ففي موجات الحرائق التي شهدتها مناطق الساحل السوري، تحوّل سكان القرى المحيطة بالغابات إلى خط إسناد ميداني لفرق الإطفاء، كما انطلقت مبادرات جماعية منظمة، حيث ساهمت منظمة سارد "SARD" في تأهيل سبعة مناهل مائية، إلى جانب إضافة تمديدات ومضخات تساعد على الوصول إلى المياه بصورة أسرع، بما يعزز قدرة فرق الاستجابة على تأمين احتياجاتها من المياه في المناطق المعرضة للحرائق.

ويقول طاهر ريان، مسؤول قسم الحد من مخاطر الكوارث في المنظمة: "تأهيل المناهل يوفر مصادر مياه أقرب وأكثر جاهزية، ويساند الجهود الكبيرة التي يبذلها الدفاع المدني في الاستجابة للحرائق، كما يساعد الفرق على الوصول إلى المياه والتزود بها بصورة أكثر كفاءة وسرعة عند الحاجة".

ويؤكد طاهر ريان أن اثنين من المناهل التي تم تجهيزها استخدما بالفعل عند اندلاع حرائق في بلوران وعين البيضاء خلال هذا الصيف، حيث تمكن الدفاع المدني من احتواء الحرائق خلال وقت قصير ومنع توسعها.

كيف استجابت فرق الدفاع المدني؟

عوامل كثيرة تجعل الغابات أكثر قابلية للاشتعال، وتساعد على سرعة انتقال النيران من منطقة إلى أخرى.

وبحسب رئيس قسم الإطفاء في إدارة الدفاع المدني، عبد الحفيظ طالب، فإن أسباب حرائق الغابات تعود إلى مزيج من العوامل الطبيعية والبشرية. فمن بين العوامل الطبيعية موجات الحر الشديد والجفاف والرياح، بينما تشمل العوامل البشرية السلوكيات غير الآمنة، مثل حرق الأعشاب والتدخين بالقرب من الحقول والغابات ، إضافة إلى التعديات المنظمة على الغطاء الحراجي، والتي تزيد من احتمالات اندلاع النيران واتساع رقعتها.

ويشير طالب إلى أن مؤشرات الحرائق لهذا العام لا تظهر زيادة كبيرة مقارنة بالعام الماضي، إلا أن هناك تبايناً بين المناطق، إذ شهدت بعض المحافظات الساحلية والوسطى حرائق متكررة نتيجة الظروف المناخية، إضافة إلى انفجار الألغام ومخلفات الحرب .

ويلفت إلى أن المتابعة اليومية والبيانات الرسمية تشير إلى أن معظم الحرائق تمت السيطرة عليها، الأمر الذي حد من توسع رقعتها، وذلك مع الاستجابة الأولية السريعة لها.

لكن هذه الاستجابة لا تخلو من تحديات كبيرة ، إذ يوضح طالب أن صعوبة التضاريس الجبلية، ونقص الآليات والمعدات المتخصصة بحرائق الجبال، كلها عوامل تعيق عمليات السيطرة على النيران، كما واجهت فرق الدفاع المدني ضغوطاً كبيرة في توزيع الموارد بين عدة مواقع مشتعلة في الوقت نفسه، ما استدعى طلب المؤازرة من محافظات أخرى.

كارثة بيئية

لا تتوقف خسائر الحرائق عند الأشجار التي تتحول إلى رماد، فالحريق الذي يلتهم الغابة يترك آثاراً أعمق تمتد إلى التربة والمياه والتنوع الحيوي، وقد تستمر تداعياته لسنوات طويلة، هذا ما يؤكده الدكتور موفق الشيخ علي، استشاري إدارة الموارد الطبيعية والمدير العام لشركة الأرض للتنمية المتطورة للموارد في سوريا، لـDW عربية: "الحرائق تسببت بكارثة طالت أكثر من 45 ألف هكتار في محافظات مختلفة، موضحاً أن الجزء الأكبر من المساحات المتضررة يقع في محافظة اللاذقية، نظراً إلى أنها تضم المساحة الأكبر من الغابات في سوريا".

ويشرح الشيخ علي أن الأضرار لا تقتصر على نوع واحد من الغطاء النباتي ، بل تشمل احتراق أعداد كبيرة ومساحات واسعة من الأشجار الطبيعية والغابوية المزروعة، إضافة إلى الأشجار المثمرة، مثل الزيتون والحمضيات، كما تمتد آثار الحرائق أيضاً إلى المجتمعات المحلية المحيطة بالغابات، التي تخسر أراضي زراعية وموارد. موضحاً أن الغابات كانت تشكل مورداً اقتصادياً مهماً للسكان، سواء من خلال تربية النحل أو جمع بعض النباتات الطبية والعطرية وغيرها من المنتجات التي توفرها البيئة الحراجية.

ويلفت الشيخ علي إلى أن العلاقة التاريخية بين المجتمع المحلي و الغابات كانت، وحتى وقت قريب، علاقة تصالحية قائمة على المنفعة المشتركة، إلا أن دخول حلقات متعفنة من الفساد وتضارب المصالح، أدى إلى تغيير هذه العلاقة، وجعل بعض الغابات عرضة للاستغلال غير المنظم، بما في ذلك القطع المتعمد، والحرق، والاستباحة من خلال البناء أو تحويل الأراضي الحراجية إلى أراضٍ زراعية.

في سوريا ، يحاول المجتمع المحلي أن يكون جزءاً أساسياً من منظومة الوقاية والاستجابة لحرائق الغابات، فالشاب الذي يحمل خرطوم ماء، والمزارع الذي يفتح طريقاً أمام سيارة الإطفاء، والسكان الذين يبلغون عن أول تصاعد للدخان، والمتطوعون الذين يعرفون مسالك الجبال ومداخل الغابات، جميعهم يصنعون فارقاً حاسماً في الدقائق الأولى من أي حريق قبل أن يلتهم الأخضر قبل اليابس.

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا