في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تعد خريطة الحرب الروسية الأوكرانية تقف عند خطوط التماس. فمن بيلغورود القريبة من الحدود الأوكرانية إلى مصفاة ياروسلافل في عمق روسيا، ومن محيط كييف إلى موانئ الجنوب الأوكراني، تتسع دائرة الأهداف التي تطالها المسيّرات.
وتفتح خريطة الجزيرة التفاعلية سؤالا أكبر من حصيلة كل غارة، وهو هل وصلت الحرب إلى ملايين المسيّرات؟ وما الذي يعنيه هذا الرقم في معركة لم تعد فيها المسافة وحدها ضمانة لحماية الوقود أو الموانئ أو مخازن الإمداد؟
هل تنتج روسيا وأوكرانيا "ملايين المسيّرات" سنويا وتزج بها في الحرب؟. لا ينبغي التعامل مع العبارة بوصفها إحصاء موحدا ومثبتا يمكن نسبته إلى طرف واحد أو إلى يوم بعينه، بل باعتبارها وصفا لاتساع استخدام هذا السلاح وتنوع وظائفه.
ففي هذه الحرب، لا نتحدث عن نوع واحد من المسيّرات، فهناك مسيّرات صغيرة ترافق القوات قرب الجبهة، وأخرى للاستطلاع والتصحيح الناري، وأخرى بعيدة المدى تستهدف منشآت الطاقة والمطارات والموانئ في العمق.
لذلك، لا تكمن أهمية سؤال "المليون مسيّرة" في الوصول إلى رقم نهائي، بقدر ما تكمن في فهم التحول، وهو أن المسيّرة لم تعد سلاحا استثنائيا، بل أصبحت جزءا يوميا من الإنتاج العسكري والقتال والاستنزاف.
وفي آخر التطورات، قال مسؤولون أوكرانيون إن هجوما روسياً بمسيّرة استهدف مستودعا في مقاطعة بوتشا شمالي كييف، مما أسفر عن مقتل 37 شخصا على الأقل وإصابة عشرات، مع إجلاء أكثر من 380 شخصا من موقع الاستهداف والتحذير من احتمال ارتفاع الحصيلة. وفي المقابل، أعلنت سلطات مقاطعة بيلغورود الروسية الحدودية مقتل 3 أشخاص وإصابة 9 آخرين في هجوم أوكراني بمسيّرات.
تظهر الخريطة ثلاث دوائر متصلة للحرب.
المصفاة ليست مجرد مبنى صناعي؛ فهي تحول النفط الخام إلى وقود ومنتجات تعتمد عليها الحركة العسكرية والاقتصاد. والميناء ليس مجرد واجهة بحرية؛ بل عقدة لنقل الوقود والسلع والمعدات. أما المخازن ومراكز التوزيع فهي صلة الوصل بين ما يصل إلى الخلف وما تحتاجه الجبهة.
لهذا لا تقاس قيمة الضربة بحجم الانفجار وحده، بل بالسؤال: هل أربكت تدفق الوقود أو الذخيرة أو النقل؟ وهل أجبرت الخصم على سحب دفاعاته من مكان لحماية مكان آخر؟
وفي تحليل لوكالة رويترز، قال جاستن برونك، الزميل البارز في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، إن ضربات العمق تدفع روسيا إلى توزيع دفاعاتها الجوية بعيدا عن الجبهة، بما يفتح مجالا لضرب مخازن الذخيرة والوقود ومركبات الإمداد ومراكز القيادة. لكنه شدد، ضمنيا، على أن أثر هذه الضربات يرتبط بتكرارها وتنسيقها، لا بضربة منفردة.
بكلمات أبسط، أوكرانيا تحاول جعل حماية العمق الروسي أكثر كلفة، وروسيا تحاول تعطيل ما يدعم صمود أوكرانيا وقدرتها على الحركة والإمداد.
وسط هذا التوسع في الاستهداف، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إن "المهمة" هي بلوغ ألف هجوم بعيد المدى يوميا ضد روسيا، مقابل متوسط يتجاوز 300 حاليا.
وهو ما يبدو أنه هدف معلن لرفع وتيرة العمليات بعيدة المدى، وليس دليلا على أن كييف وصلت إلى هذا المستوى، ولا على أنها تنتج ألف مسيّرة من طراز معيّن كل يوم.
ويفسر الهدف لماذا لا تكفي قراءة الحرب عبر عدد المسيّرات وحده، فالمهم أيضا مدى الطائرة وحمولتها ودقتها وقدرتها على تجاوز الدفاعات، ثم قدرة الطرف المستهدف على اعتراضها أو إصلاح ما تصيبه.
ويشير معهد دراسة الحرب إلى أن روسيا تمتلك منظومات للدفاع الجوي قادرة على مواجهة المسيّرات الأوكرانية، لكنها لا تملك، بحسب تقييمه، الأعداد والكوادر الكافية لتغطية مساحاتها الخلفية الشاسعة بصورة كاملة.
لا تقدم الخريطة دليلا قاطعا على أن الحرب "وصلت إلى مليون مسيّرة"، ولا أن المسيّرات حسمت القتال. لكنها تقدم دليلا بصريا على تحول يمكن للقارئ رؤيته، وهو أن المسافة لم تعد ضمانة كافية، والأهداف الأهم لم تعد الدبابات والخنادق وحدها.
من بيلغورود إلى ياروسلافل، ومن موانئ الجنوب إلى محيط كييف، تتنافس موسكو وكييف على الوصول إلى ما يبقي الحرب مستمرة. وفي هذه المعركة، ليست قيمة المسيّرة في عددها فقط، بل في قدرتها على نقل الجبهة إلى عمق لا يتوقعه الخصم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة