آخر الأخبار

نسخت كتابا وجمّلت سيرتها.. ماضي أنالينا بيربوك يلاحقها إلى جامعة كولومبيا

شارك

ما زال الكثير يتذكرون كلمات وزيرة الخارجية الألمانية السابقة، أنالينا بيربوك في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2024 أمام البرلمان الألماني (بوندستاغ)، عندما أكدت ما أعلنته في الأمم المتحدة وهو أن المنشآت المدنية كالمدارس والمستشفيات تفقد صفة الحماية إذا تحصّن "إرهابيون" داخلها والإشارة هنا إلى مقاتلي حركة حماس.

وأثارت هذه التصريحات موجة استهجان واسعة ليس فقط لأنها خرجت عن المألوف في لهجة الدبلوماسيين الألمان تجاه معاناة الناس في غزة، بل لأنها جاءت في تعارض مباشر مع القوانين والقواعد الدولية الناظمة لعمل الدبلوماسيين الألمان وغير الألمان.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 صراع حليفين بسوريا.. كيف تنظر أمريكا للتوتر بين تركيا وإسرائيل؟
* list 2 of 2 احتمالات حرب روسيا والناتو.. ترمب غير قلق والحسم في الساعات الأولى end of list

وبهذه التصريحات لا تبرر الوزيرة السابقة، كما يقول البعض، استهداف هذه المرافق وقتل المدنيين فحسب، بل تخالف أيضا وبشكل واضح المادة الـ52 من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف والمخصص لحماية الأعيان المدنية.

وصحيح أن حظر مهاجمة الأعيان المدنية، بحسب المادة ذاتها، لا يعني حماية مطلقة في جميع الظروف لأنها إذا تحولت عين مدنية معينة إلى هدف عسكري مستوف للشروط القانونية، فقد تنطبق عليها قواعد استهداف الأهداف العسكرية، ولكن مع ضرورة تطبيق القواعد الثلاث المنصوص عليها في المادة وهي التمييز والتناسب والاحتياطات.

مصدر الصورة أنالينا بيربوك في البرلمان الألماني "بوندستاغ" (غيتي)

من برلين إلى نيويورك

في بداية مايو/أيار من عام 2025 فقدت بيربوك منصبها كوزيرة لخارجية ألمانيا بعد خسارة حزبها، الخضر والاشتراكيين الديمقراطيين الانتخابات البرلمانية وتشكيل المحافظين والاشتراكيين الديمقراطيين حكومة جديدة تسلم فيها يوهان فاديفول من الحزب المسيحي الديمقراطي منصب وزير الخارجية خلفا لبيربوك.

بعد ذلك، انتقلت الوزيرة السابقة إلى نيويورك، حيث تسلمت رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن قبل الحديث عن الطريقة المثيرة للجدل التي أوصلتها إلى هذا المنصب، يجب القول إن بيربوك نفت اتهامات تبرير استهداف المنشآت المدنية، علما أن كلماتها ما زالت موثقة حتى اليوم في تقرير منشور على موقع وزارة الخارجية الألمانية ومسجلة بالفيديو في موقع يوتيوب.

إعلان

وفي معرض ردها على سؤال أحد الصحفيين في نيويورك، حول إمكانية تنصلها من تصريحاتها السابقة قالت بيربوك إن الاقتباس غير دقيق، مضيفة "لم أقل ذلك، ليس لدي أي تصريحات بهذا الخصوص وأنا الآن أتكلم كرئيسة للجمعية العامة ممثلة لـ193 دولة".

كتاب منسوخ

وجاء هذا النفي قبل عام تقريبا، لكن الكشف عن مسيرة بيربوك المثيرة للجدل بدأ فعليا في عام 2021 أي في الفترة التي سبقت تسلمها منصبها وزيرة للخارجية الألمانية بعدة أشهر.

ففي خضم الحملة الانتخابية التي سبقت فوز حزبها مع الاشتراكيين الديمقراطيين في انتخابات عام 2021 وتشكيلهم الحكومة في 8 ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته، فاجأ الخبير الإعلامي النمساوي شتيفان فيبر الرأي العام في ألمانيا باتهام بيربوك بنسخ مقاطع من كتاب لها من مصادر أخرى دون ذكر المصدر.

ووفق تقرير للصحيفة الألمانية ذات التوجه اليساري الليبرالي "زود دويتشه تسايتونغ"، اتهم الخبير بيربوك بأن بعض الصياغات الواردة في الكتاب ليست من تأليفها، قائلا "عند التدقيق في الأمر يمكن القول إننا نتعامل مع عدة انتهاكات لحقوق الطبع والنشر"، ورد حزب الخضر فورا على هذه الاتهامات بالقول في أكثر من مناسبة إن ذلك "ليس أقل من محاولة لتدمير سمعة بيربوك".

مصدر الصورة بيربوك (وسط) أثناء الحملة الانتخابية للانتخابات البرلمانية في 2025 (غيتي)

ويدور الحديث عن كتاب بيربوك "الآن كيف نجدد بلادنا" الذي أصدرته دار النشر الألمانية المعروفة "أولشتاين" في 21 يونيو/حزيران 2021، ويقول فيبر "كتاب سياسي غير أكاديمي لسياسية صادر عن دار أولشتاين للنشر ليس أطروحة دكتوراه، غير أن نقل النصوص دون نسبها إلى أصحابها أمر غير سليم أخلاقيا".

ومن بين المقاطع التي يهاجمها الخبير فقرات في الكتاب تتحدث عن تأثير التغيرات المناخية على الأمن (صفحة 219) وتوسيع الاتحاد الأوروبي في عام 2004 (صفحة 174) وأمثلة أخرى.

وفيما اتهم فيبر وزيرة الخارجية السابقة بنسخ هذه المقاطع وغيرها عن "المركز الاتحادي للتثقيف السياسي" ومجلة "دير شبيغل" وكتابات الباحث الأمريكي في العلوم السياسية مايكل كِلر دون ذكر المصدر، دافع حزب الخضر والمحامي المختص في شؤون الإعلام كرستيان شيرتس ودار نشر (أولشتاين)، قائلة إن كتاب بيربوك خضع لعملية تحرير دقيقة وإن المعتاد في نشر الأعمال غير العلمية لا يتضمن قائمة بالمصادر.

سيرة ذاتية مجمّلة

أما فيما يتعلق بالسيرة الذاتية فهي لا تحتاج إلى قائمة بالمصادر، لكنها تتطلب دقة كبيرة في المؤهلات والعضويات والإنجازات، إذ يدقق المنافسون والصحفيون في كل تفاصيل سير المرشحين، خصوصا مرشحي الأحزاب الساعية إلى قيادة الحكومة، كما ذكّرت صحيفة "تاتس" خلال الجدل بشأن تجميل بيربوك لسيرتها في انتخابات 2021.

وتضيف الصحيفة أن "الأمر لا يتعلق بمجرد أخطاء عرضية، بل بسلسلة محرجة من الهفوات، فماذا كان فريق الحملة الانتخابية يظن؟ فهل كان يعتقد أن الصحفيين لن يتحققوا من كل صغيرة وكبيرة في سيرتها الذاتية؟ وأن الصحافة الصفراء ستتغاضى عن هذه الأخطاء لأن صاحبتها شابة ولطيفة مثل بيربوك؟".

إعلان

وبحسب مجلة "فوكوس" المحافظة فإن بيربوك لم تعمل في عام 2005 في معهد بريطاني كـ"باحثة مساعدة"، بل كـ"متدربة" ودرست العلوم السياسية والقانون العام في جامعة هامبورغ كتخصص فرعي فقط، أما مشروع الدكتوراه في القانون الدولي الذي بدأته في جامعة برلين الحرة فقد أكدت الجامعة أنها أبلغت بيربوك عام 2015 بأنها لن تواصل المشروع، وبالتالي اعتبر المشروع منتهيا والأمثلة على مثل هذه الهفوات كثيرة.

ورغم أن بيربوك وحزبها الخضر اعتذرا عن تقديم جميع هذه المعلومات غير الدقيقة في سيرتها الذاتية وأقرا بأن طريقة عرض بعضها أدت إلى إعطاء انطباعات لم تكن تقصدها، لكن الضرر كان قد حصل بالفعل.

من نيويورك إلى جامعة كولومبيا

وقبل البحث في عملية انتقال بيربوك بهذه السرعة من منصبها كرئيسة للجمعية العامة للأمم المتحدة إلى جامعة كولومبيا، يجب إلقاء نظرة على طريقة انتقالها من وزارة الخارجية الألمانية بعد خسارة حزبها انتخابات عام 2025 إلى الأمم المتحدة.

فهذا الانتقال السلس لم يكن دون ثمن، بل جاء على حساب الدبلوماسية الألمانية المخضرمة هيلغا شميت، فوفقا لمصادر إعلامية ألمانية متطابقة، أثارت تسمية أنالينا بيربوك كمرشحة ألمانية للمنصب المرموق في دورة 2025 ـ 2026 جدلا وانتقادات داخل ألمانيا وخارجها بعد إقصاء هيلغا شميت التي حظيت بدعم كبير بسبب خبرتها الطويلة في العمل الدبلوماسي قبل أن تقرر الحكومة الألمانية ترشيح بيربوك بدلا منها.

مصدر الصورة بيربوك بعد أدائها اليمين رئيسة للدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة (أسوشيتد برس)

ووفق هذه المصادر، فإن تفضيل بيربوك على شميت كان قرارا سياسيا جاء على حساب الخبرة الدبلوماسية، الأمر الذي وصفه السفير الألماني السابق في الأمم المتحدة والرئيس السابق لمؤتمر ميونخ للأمن، كيستوف هويسغن بالقول إن ما حدث هو استبدال شخص أقل خبرة في المجال الدبلوماسي بدبلوماسية ألمانية ذات خبرة كبيرة.

في المقابل، دافعت الحكومة الألمانية عن ترشيح بيربوك، مؤكدة أنها مؤهلة بدرجة عالية للمنصب وتحظى باعتراف دولي وأن قرار ترشيحها اتخذ بالتوافق مع الحكومة المقبلة، علما أن هذا التبرير لم ينه النقاش حول دور الاعتبارات السياسية التي جاءت في حالة بيربوك على حساب الخبرة الدبلوماسية.

فهل كان للاعتبارات السياسية أيضا دور في حصول بيربوك على عقد لمدة 3 سنوات كأستاذة جامعية في جامعة كولومبيا بنيويورك؟

وهنا تختلف الصحف والمجلات الألمانية، فبينما واصلت معظمها النبش في ماضي بيربوك وذكرت القراء بسيرتها المجملة وكتابها المنسوخ والدكتوراه التي لم تكتمل، رأت صحف أخرى أن هذه الانتقادات ليست في مكانها.

فكبير مراسلي مجلة "فوكوس"، أولريش ريتس، يرى أن الانتقادات التي وجّهت إلى انتقالها للجامعة غير مبررة، إذ إن منصبها الجديد يعتمد بدرجة كبيرة على خبرتها السياسية والدبلوماسية والعملية، وليس بالضرورة على المؤهلات الأكاديمية التقليدية مثل الدكتوراه، وبحسب هذا الرأي، فإن خبرة بيربوك كوزيرة خارجية ورئيسة للجمعية العامة للأمم المتحدة تمنحها خبرة دولية واسعة تستحق نقلها إلى الطلاب، ولذلك فإن انتقالها إلى كولومبيا يعد خطوة مهنية منطقية، وذلك كله على رأي المجلة المحافظة.

أما أقسى الانتقادات فجاءت على لسان الصحفي توماس فاسبندر في الصحيفة الكبيرة "برلينر تايتونغ" بقوله إن "انتقال بيربوك إلى جامعة كولومبيا يثير تساؤلات خصوصا أنها لا تحمل درجة الدكتوراه، في حين سبق لها وأن أثارت الجدل حول سيرتها الذاتية وكتابها، فضلا عن الجدل الذي أحاط بوصولها إلى رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا