آخر الأخبار

سيرة ذاتية للنظام الدولي.. من ينقذ العالم قبل القنبلة القادمة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي


"نحن شعوب العالم آلينا على أنفسنا أن نجنّب الأمم والدول ويلات الحروب"

بواسطة (افتتاحية ميثاق الأمم المتحدة 1945)

في ذلك الصباح البارد لليوم الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 1805، وقف القيصر الروسي ألكسندر الأول والإمبراطور النمساوي فرانسيس الثاني فوق تلال بلدة أوسترليتز جنوب شرق جمهورية التشيك حاليا، والضباب يلفها كوشاح أبيض، يراقبان بانتباه تحركات قطاعاتهما العسكرية المشتركة التي كانت تطارد الجيش الفرنسي. كان الرجلان واثقين من النصر على "فتى فرنسا الكورسيكي" نابليون بونابرت المدفوع بروح الثورة الفرنسية.

غير أن ما لم يدركه القيصر والإمبراطور أن "الكورسيكي" كان يقرأ المشهد نفسه قراءة مختلفة تماما، فلم يكن انسحابه إلا تكتيكا لوضع اللمسات الأخيرة على المسرح الذي سيشهد تحفة عسكرية سيُخلِّد التاريخ تفاصيلها. فما بدا لهما ميزة استراتيجية في ساحة المعركة لحظة انكشاف أحد أجنحة الجيش الكبير، كان في حقيقته طُعما وفخًّا مُحكما نصبه لهما عبقري الحرب الفرنسي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 الوجه الآخر لابن خلدون.. لماذا أحب التقرب من ذوي الجاه؟
* list 2 of 2 حين قصف الشاه البرلمان.. حكاية ثورة إيران التي أكلت قادتها end of list

لم تكد تمر ساعات حتى انقشع الغبار عن مقبرة دفن فيها نابليون أحلام جيوش التحالف الثالث (بريطانيا وروسيا والنمسا) بإيقاف زحف مبادئ الثورة الفرنسية وما تعنيه من تغيير للإمبراطوريات القديمة على المستوى السياسي والمجتمعي. لم تكن أوسترليتز معركة عسكرية انهزم فيها طرف لصالح طرف آخر فحسب، بل كانت لحظة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية. فقد أعادت انتصارات الفرنسيين رسم الخارطة الأوروبية، حيث سقطت الإمبراطورية الرومانية المقدسة (بقيادة النمسا) التي استمرت لقرابة الألف عام، ومهَّدت المعركة الطريق لمبادئ وقواعد دولية جديدة تقودها قوى أوروبية صاعدة في مقدمتها فرنسا الثورية.

مصدر الصورة أوسترليتز كانت لحظة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية (شترستوك)

لطالما شهد التاريخ تكرار بعض حلقاته التي تمثل سُنَن التدافع البشري، إذ يسقط نظام قديم متهالك فتسقط معه كل أفكاره وتصوُّراته للواقع والعالم من حوله، ثم يخلفه نظام جديد يافع أشد قوة وأحدث فِكرا. فمن حكم بالأمس، تطويه الحياة اليوم درسا في سجل التاريخ، وتفتح صفحة جديدة لصاعدٍ جديد يبدأ للتو بكتابة الحروف الأولى من قصته في صورة طبق الأصل عن دورة التاريخ في مقدمة ابن خلدون. لقد تبخَّرت المكاسب التي حققتها الحروب النابليونية ذاتها بعد أقل من عقد في معركة واترلو عام 1815، كما أن النسيج السياسي الذي حاكته القوى المنتصرة في مؤتمر فيينا عام 1815 بعد جهد جهيد، خرَّقته بعد قرن مدافع المتقاتلين في خنادق الحرب العالمية الأولى.

إعلان

اليوم ونحن نعيش إرهاصات ما يبدو أنه تحوُّل دولي لن يقل عمقا عمَّا شهدته أوروبا قبل قرن من الزمان، يطرح السؤال نفسه: ما هذه العلاقات الدولية؟ كيف تعمل حقا؟ وما الذي يحرك خيوطها؟ وكيف نفهمها؟ وإلى أين تتجه بنا في العقود القادمة؟

مصدر الصورة مؤتمر فيينا هو تسوية سياسية كبرى قادتها الدول الأوروبية المنتصرة على نابليون بونابرت (شترستوك)

من صلح وستفاليا إلى مؤتمر فيينا

يطلق المختصون مُسمَّى العلاقات الدولية على مجموع التفاعلات السياسية والاقتصادية والقانونية والدبلوماسية التي تتجاوز الحدود الوطنية بين الدول، وهي تفاعلات قديمة قِدَم الإنسان نفسه، إلا أن العلوم التي تدرسها وتُنظِّر لها حديثة نسبيا. ويُشبِّه المفكر القطري نايف بن نهار العلاقات الدولية بعالم كرة القدم، فإن كان العالم كله ملعبا كانت الدولة هي اللاعب الوحيد فيه حتى الحرب العالمية الثانية، ومن بعد تلك النقطة دخلت المنظمات الدولية إلى ملعب العلاقات الدولية كلاعب جديد، وتلاها لاعبون آخرون مثل الشركات متعددة الجنسيات وحركات التحرر والمنظمات المسلحة.

ويتقمص القانون الدولي في ذلك الملعب دور الحكم، وترتدي فيه هيئة الأمم المتحدة رداء المدرب بإعطاء التوجيهات والتعليمات للاعبين الدوليين حسب القانون الدولي، في حين تدور العملية كلها تحت أنظار الرأي العام الدولي الذي يملأ الملعب صخبا جماهيريا، أما المعلقون والمحللون بيقرأون أحداث المباراة، ويسبرون أغوارها، وينظرون في سلوك اللاعبين الدوليين، ويقترحون شكل العلاقات بينهم.

"لم تكن العلاقات الدولية كما نعرفها اليوم وليدة الصدفة، بل تشكَّلت عبر قرون من الحروب الدموية والتحولات العميقة في طبيعة السلطة"

لم تكن العلاقات الدولية كما نعرفها اليوم وليدة الصدفة، بل تشكَّلت عبر قرون من الحروب الدموية والتحولات العميقة في طبيعة السلطة بعد كل سقوط لقوة وصعود لأخرى جديدة، ولذا فهي بنت الحروب التي وُلِدَت تحت أزيز الرصاص وقصف المدافع، وترعرعت ونضجت في غرف المفاوضات ودهاليز السياسة. وبغض النظر عن اختلاف العصور وطبيعة القوى المتصارعة، ظلَّ للعلاقات الدولية سؤالٌ واحد يحركها تاريخيا هو كيف تحمي الدولة مصالحها ووجودها في ظل بيئة إقليمية ودولية غير متوازنة؟

ورغم قدم هذه الظاهرة البشرية، إلا أن معظم دارسي العلاقات الدولية يتفقون على أن صلح وستفاليا عام 1648 الذي أنهى حرب الثلاثين عاما المدمرة في أوربا هو نقطة انطلاق العلاقات الدولية الحديثة والتأريخ لها، وذلك لأثره الكبير الذي أنهى حربا شعواء أهلكت الحرث والنسل، ولأنه أول محاولة لتقنين العلاقات الدولية ونشأة مفهوم السيادة.

كانت القارة الأوروبية قبل صلح وستفاليا عالقة لقرون طويلة في شباك نظام يتقاطع فيه البُعدين الديني والإقطاعي. حيث كانت سلطة البابا والإمبراطورية الرومانية المُقدسة تخترق الحدود الوطنية للممالك والإمارات الأوروبية، وتتجاوز صلاحيات الأباطرة والملوك، وتفرض على الناس معتقداتهم وتحاكمهم عليها. وكانت شعوب القارة الأوروبية في الوقت ذاته تعيش تحت سطوة نظام اقتصادي إقطاعي يسيطر عليه قِلَّة من الأمراء والملوك إلى جانب الكنيسة، ونظام عمل بالسُخرة يقتات على فقرهم وعَوَزهم. وكان هذا الوضع هو الذي شكَّل شرارة لحرب مزَّقت القارة الأوروبية طوال 30 عاما في القرن السابع عشر.

مصدر الصورة وستفاليا لم تكن مجرد معاهدة سلام بقدر ما كانت إعلانا لنظام دولي جديد تحكمه قواعد "توازن القوى" بدلا من الإملاءات الدينية (شترستوك)

كانت سلسلة من الصراعات الدموية بين الكاثوليك (الإمبراطورية الرومانية المقدسة وإسبانيا والاتحاد الكاثوليكي الألماني) والبروتستانت (الاتحاد البروتستانتي الألماني والسويد وفرنسا) قد بدأت على شكل نزاع ديني ما لبث أن تحوَّل إلى حرب سياسية شاملة نتج عنها تدمير هائل للبنية التحتية وانخفاض للتعداد السكاني، وخسرت بعض المناطق الأوروبية المنخرطة في الصراع ثلث سكانها مثل ألمانيا. هذه الحرب الضروس والخسائر الكارثية التي أثقلت كاهل أوروبا، أقنعت الأوروبيين أن السلام ومصالح كل طرف لن تتحقق عبر الحرب والاقتتال، بل باعتراف كل طرف بسيادة الطرف الأخر على أراضيه، وعدم التدخل في شؤون الدول الداخلية.

إعلان

مهَّدت هذه المبادئ الطريق لولادة نظام دولي جديد قائم على مبدأ الدولة القومية ذات السيادة بعيدا عن تدخل الكنيسة في روما، لذا فإن وستفاليا لم تكن مجرد معاهدة سلام بقدر ما كانت إعلانا لنظام دولي جديد تحكمه قواعد "توازن القوى" بدلا من الإملاءات الدينية. وقد شهدت القارة الأوروبية بداية أفول أنظمة سياسية حكمت الفضاء السياسي لعقود وقرون، فدبَّ الوَهَن في مفاصل القوى الإمبراطورية القديمة، مثل إمبراطورية الهابسبورغ في النمسا والمجر والإمبراطورية الإسبانية، كما تقلَّص نفوذ الكنيسة البابوية وانحسر إلى حد كبير.

"وستفاليا لم تكن مجرد معاهدة سلام بقدر ما كانت إعلانا لنظام دولي جديد"

في المقابل صعدت فرنسا قوة مهيمنة في غرب أوروبا مكان إسبانيا، وكرَّست المعاهدة مبدأ الحرية الدينية للأقليات، إذ حظرت على الحكام إجبار رعاياهم على تغيير دينهم، في تقييد لمبدأ "دين المملكة على دين ملكها" الذي دشَّنه صلح أوغسبورغ عام 1555. وبذلك أسدل الستار على فترة طويلة من الصراعات الدينية وأُرسيت أولى قواعد الدولة القومية الحديثة، ونقلت المعاهدة أوروبا من نظام الهيمنة الإمبراطورية الكنسية إلى نظام قائم على السيادة الوطنية وتوازن القوى والدبلوماسية، مما يجعلها أساس القانون الدولي كما نعرفه اليوم.

إلا أن هذا التوازن الدقيق انفجر مع الثورة الفرنسية عام 1789، التي لم تكن مجرد تغيير للنظام السياسي في فرنسا، بل زلزالا فكريا هزَّ أركان النظام الدولي القديم برمته. فقد وأدت الثورة الفرنسية شرعية الملوك والنبلاء لصالح فكرة السيادة الشعبية والقومية، وعندما وصل نابليون بونابرت إلى السلطة، حاول نقل هذا النظام الجديد إلى باقي القارة العجوز مُستندا على القوة العسكرية لجيشه من خلال ما عُرِف لاحقا بالحروب النابليونية.

لذا لم تكن معركة أوسترليتز، إحدى محطات الحروب النابليونية الهامة، مجرد انتصار عسكري، بل تعبيرا عميقا عن الصدام بين نظامين دوليين: النظام القديم الناتج عن صلح وستفاليا والقائم على توازن القوى والشرعية الملكية، والنظام الثوري الجديد الذي سعى لنشر منظومة فكرية جديدة قائمة على مبادئ الثورة الفرنسية.

مصدر الصورة الثورة الفرنسية هزت أركان النظام الدولي القديم برمته (ملكية عامة)

بعد نابليون.. قرن من السلام

بعد قرن ونصف من معاهدة وستفاليا، اجتاحت رياح نابليون بونابرت وجيشه الكبير أوروبا، التي حاولت جاهدة طوال 10 أعوام احتواء أفكار الثورة الفرنسية من جهة، وكبح جماح النفوذ الفرنسي المتصاعد من جهة أخرى. فبعد أن نجحت الثورة الفرنسية في القضاء على النظام الإقطاعي والامتيازات الطبقية، ونشر مبادئ الليبرالية والديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة وتقليص نفوذ الكنيسة في فرنسا، سعى نابليون عقب وصوله إلى السلطة إلى نقل التجربة الفرنسية إلى جيرانه الأوروبيين الذين لم يرحبوا بالفكرة، بل واجهوها بحروب لم تنتهي إلا عام 1815 حين هُزم الإمبراطور الفرنسي في معركة واترلو. كان لزاما على الزعماء الأوروبيين حينئذ التفكير في إعادة بناء نظام دولي مستقر.

جاء الجواب من خلال مخرجات مؤتمر فيينا عام 1815 بعد جلسات ماراثونية بين الأطراف المختلفة لتسوية العديد من القضايا الناتجة عن هزيمة فرنسا وتفكك الإمبراطورية الرومانية المقدسة. ومثَّل المؤتمر أول تجربة منهجية في إدارة النظام الدولي بالتفاهم والحوار المباشر بين القوى الكبرى، فقد جرت نقاشات مباشرة بين الأطراف بدل من الاعتماد على الرسل وتبادل الرسائل كما جرت العادة حتى ذلك الوقت.

"كان أبرز نتائج مؤتمر فيينا اعتماد القوى المنتصرة في الحرب مبدأ توازن القوى بوصفه آلية لاستقرار القارة وتجنب الحروب"

كان أبرز نتائج المؤتمر اعتماد القوى المنتصرة في الحرب مبدأ "توازن القوى" بوصفه آلية لاستقرار القارة وتجنب الحروب، والاتفاق على التشاور وإدارة الأزمات بشكل جماعي. كما أن المؤتمر مثَّل لحظة تأسيسية في تاريخ الدبلوماسية الحديثة حينما نجح وزير الخارجية الفرنسي تاليران، بالتفاهم مع وزير الخارجية النمساوي مترنيخ ووزير الخارجية البريطاني كاسليري، على إعادة فرنسا إلى مجمع القوى الكبرى كشريك في النظام الجديد بدلا من معاقبتها.

إعلان

ربما كانت الحكمة البسيطة والعميقة المتمثلة بفكرة أن السلام لا يتحقق بإذلال المهزوم، بل عبر نظام توازن تشعر فيه جميع القوى أن مصلحتها في الحفاظ على النظام القائم، من أنجح ما تفتق عنه عقل المجتمعين في مؤتمر فيينا، فقد نجحت هذه الدبلوماسية في تحقيق استقرار نسبي في القارة، ومنعت نشوب أي حرب أوروبية شاملة لمئة عام كاملة، قبل أن تُبدِّد السلام رصاصة اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند في سراييفو عام 1914.

مصدر الصورة اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند في سراييفو في سيارة مع زوجته صوفي في 28 يونيو / حزيران 1914، من صحيفة لو بوتي جورنال (شترستوك)

على مدار 260 عاما، من صلح وستفاليا إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، شهد العالم تحولات سياسية عديدة، إذ تحوَّلت أنظمة الحكم من الإمبراطوريات إلى الدول القومية، وباتت الدولة الوحدة السياسية الأساسية، وصار لكل دولة الحق الحصري في إدارة شؤونها الداخلية دون تدخل خارجي، مما أنهى هيمنة الإمبراطورية الرومانية المقدسة والسلطة الدينية البابوية على السياسة الأوروبية، وبذلك شهدنا ولادة مفهوم السيادة الوطنية كما نعرفه اليوم.

ثم جاءت الثورة الفرنسية وضخَّت روحا جديدة في هذا النظام، فبدلا من الولاء للملك على حساب الكنيسة، صار الولاء للأمة والشعب، وانتشرت الأيدولوجيات القومية كالنار في الهشيم في أوروبا، فتوحَّدت إيطاليا عام 1861، وألمانيا عام 1871، وبدأت الإمبراطوريات متعددة القوميات بالتزعزع مثل الإمبراطورية النمساوية-المجرية والخلافة العثمانية. وقد استقر المزاج العام في أوروبا على أن فكرة الاستقرار تستلزم ألا تنفرد دولة واحدة بالهيمنة دون غيرها، ما أرسى نظام الوفاق الأوروبي الذي ضمَّ بريطانيا وروسيا والنمسا وبُرُّوسيا وفرنسا.

حتى وقت مؤتمر فيينا كانت الدبلوماسية شأنا شخصيا بين الملوك والأمراء، وتتم في أحيانٍ كثيرة عن طريق رسائل رسل يمثلون الحكام لا شعوبهم، إلا أنها تطوَّرت تدريجيا نحو دبلوماسية مؤسسية. ففي مؤتمر فيينا تم توحيد بروتوكولات التفاوض وتصنيف المبعوثين الدبلوماسيين، مما أرسى البنية التي نعرفها اليوم من سفراء وقناصل ومبعوثين دبلوماسيين فوق العادة.

"بحلول القرن التاسع عشر بدأت قوى غير أوروبية تظهر وتفرض نفسها على الساحة الدولية"

قد يكون نظام ما بعد وستفاليا في جوهره أوروبيا بحتا بُني بمعزل عن بقية دول العالم، إلا أنه وبحلول القرن التاسع عشر بدأت قوى غير أوروبية تظهر وتفرض نفسها على الساحة الدولية. ففي أقصى الغرب ظهرت قوة الولايات المتحدة وأعلنت عن مصالحها بشكل منفصل عن أوروبا في مبدأ مونرو عام 1823. وفي أقصى الشرق برزت اليابان قوة صناعية وعسكرية بعد إصلاحات ميجي عام 1868. وظهرت لأول مرة في التاريخ مؤسسات دولية تتجاوز الدولة، مثل الاتحاد البريدي العالمي عام 1874، واللجنة الدولية للصليب الأحمر عام 1863، وشهدت ذات الفترة عقد مؤتمريْ لاهاي (عامي 1899 و1907) في محاولة لتقنين قوانين الحرب وتسوية النزاعات سلميا بين الدول.

ومع نهاية القرن التاسع عشر تحوَّلت الدبلوماسية في أوروبا من التوازن المَرِن بين القوى الكبرى إلى تحالفات صلبة بين الدولِ، مثل الاتحاد الثلاثي (ألمانيا والنمسا وإيطاليا عام 1882)، والوفاق الفرنسي الروسي عام 1894 الذي انضمت له بريطانيا لاحقا، وغيرها من التحالفات، مما حوَّل أوروبا إلى برميل بارود بإمكان أي شرارة محلية أن تشعل فيها حربا ضروسا.

بحلول عام 1914، كان النظام الدولي قد نشأ وفي طياته تناقضات مُتفجرة، فقد كانت موجة القوميات لا تزال تتصاعد في مواجهة إمبراطوريات متهالكة، والدول الأوروبية الحديثة تترابط اقتصاديا في الوقت الذي تنهش بعضها استعماريا بحثا عن الموارد والأسواق في أفريقيا وآسيا والعالم الجديد، إلى أن كشف اغتيال ولي عهد النمسا في سراييفو التناقضات الكامنة بين "الحلفاء المتنافسين"، وهشاشة التوازن الذي حرص الجميع عليه حتى ذلك الوقت، ومن ثمَّ انزلقت القوى الكبرى إلى حرب عالمية مدمرة.

الوفاق الفرنسي الروسي عام 1894 وغيره من التحالفات الصلبة حوّلت أوروبا إلى برميل بارود (شترستوك)

حربان حطَّمتا النظام الأوروبي

لم يكن اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند في مدينة سراييفو في يونيو/حزيران 1914 سوى الشرارة التي أشعلت فتيل برميل ملأته عقود من التحالفات المتشابكة، والتنافسات الاستعمارية، والنزعات القومية. كما كان لظاهرة المعاهدات السرية بين الدول الأوروبية دور في هشاشة النظام الدولي، ما أفضى إلى مبدأ ويلسون "للدبلوماسية العلنية" عام 1918، الذي دعا إلى أن تكون "مواثيق السلام عامة وعلنية"، بحيث يجري التفاوض على المعاهدات والاتفاقيات الدولية أمام الرأي العام، بعيدا عن الغرف المغلقة وعقلية التآمر التي سادت الدبلوماسية الأوروبية التقليدية. فقد اعتبر المبدأ أن علنية الاتفاقيات بين الحكومات شرط شرعيتها الدولية، مما مثَّل إدانة صريحة لاتفاقيات سرية مثل "سايكس بيكو" التي أبرمتها القوى الاستعمارية عام 1916.

إعلان

أسفرت الحرب العالمية الأولى عن نتائج مُركَّبة في مجال العلاقات الدولية، فقد وُلِد من رحمها مشروع الرئيس وودرو ويلسون الأمريكي بإنشاء عصبة الأمم عام 1919، كأول محاولة جدية في التاريخ لإنشاء منظمة دولية عالمية تسعى إلى صون السلام الجماعي، وتعزيز الدبلوماسية بين دولها الأعضاء، غير أن الإخفاق الأمريكي في الانضمام إليها بسبب معارضة مجلس الشيوخ وقتها، أفقدها ثقلها الحقيقي وجعل مآلها الفشل.

"كانت معاهدة فرساي أشبه بهدنة أكثر من كونها سلاما مستداما"

ومن جهة أخرى، أرست معاهدة فرساي (1919) بنودا قاسية على ألمانيا، فكسرت من عزيمتها وأهانت كبريائها القومي، وزرعت في التربة الألمانية بذور الاستياء القومي الذي سينفجر بعد عقدين في صورة القومية النازية الألمانية. فقد كانت تلك المعاهدة هدنة لعشرين عاما أكثر منها سلاما مستداما كما وصفها المفكر البريطاني جون ماينارد كينز في كتابه "العواقب الاقتصادية للسلام". وقد أظهرت هذه العوامل إلى جانب الكساد الاقتصادي العظيم أن العالم ذاهب إلى حرب أخرى لا تقل دموية عن سابقتها حتى يخرج من أزمته.

لم تكد تنتهي الحرب العالمية الأولى حتى وجدنا أنفسنا أمام خارطة عالمية جديدة، فقد انهارت واختفت بعض القوى العالمية القديمة، مثل الإمبراطوريات الألمانية والنمساوية والروسية والعثمانية، ووُلِدت دول جديدة مثل يوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا، وتراجعت مكانة أوروبا التقليدية (فرنسا وبريطانيا) سياسيا واقتصاديا، لتحل مكانها الولايات المتحدة الأمريكية كلاعب دولي رئيسي وقوة اقتصادية أولى عالميا. لم تنجح المجزرة العالمية الأولى بوضع حدٍ نهائي للتوترات، بل كانت ريحا هوجاء نشرت معها بذور توترات جيوسياسية مهدت للحرب العالمية الثانية.

فرضت معاهدة فرساي عام 1919 بنودا قاسية على ألمانيا، فكسرت من عزيمتها وأهانت كبريائها القومي، وزرعت بذور النازية (غيتي)

ما إن انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 بهزيمة ألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية، حتى وقفت الإنسانية على أهوال لم تشهد لها مثيلا من قبل: أكثر من ستين مليون قتيل، وملايين من اللاجئين المشردين، وانهيار اقتصادي شامل في القارة الأوروبية التي تدمَّر أكثر من 70% من بنيتها الصناعية والاقتصادية التحتية، وقنبلتان نوويتان أسقطتا على هيروشيما وناغازاكي، والأهم هو ولادة نظام دولي جديد سيستمر حتى مطلع التسعينيات.

قام هذا النظام الجديد على ركيزتين أساسيتين هما الأمم المتحدة التي أُسست بعد مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945 بوصفها الإطار القانوني والأخلاقي للعلاقات الدولية، وثنائية قطبية دولية شهدت تنافسا حادا بين قطبيْن أيديولوجيَّيْن متناقضيْن هما الولايات المتحدة الأمريكية الرأسمالية الليبرالية، والاتحاد السوفياتي الشيوعي. وبذلك انتقل النظام الدولي من التعددية الأوروبية القديمة إلى ثنائية قطبية أمريكية-سوفياتية، خصوصا بعد تفكك النظام الاستعماري نتيجة للحرب، وإنهاك القوى الاستعمارية التقليدية، وهو وضع مهَّد الطريق لانتشار حركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا والعالم العربي ودخولها إلى ساحة العلاقات الدولية.

افتتاح الدورة الأولى للأمم المتحدة في نيويورك في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1946 (الفرنسية)

دخلت القوتان العالميتان الجديدتان بعد الحرب العالمية الثانية صراعا على النفوذ استمر قرابة 44 عاما في حرب وصفت بالباردة بين عاميْ 1947 و1991، كونهما لم يصطدما خلالها مباشرة بسبب الردع النووي، لكنهما خاضا حروبا بالوكالة في كوريا وفيتنام وأنغولا وأفغانستان وفي عدد من دول أمريكا اللاتينية. وقد استدعى هذا الصراع نشأة مؤسسات دولية وتحالفات مرتبطة به، مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الغرب وحلف وارسو في الشرق، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذيْن وُلِدا في مؤتمر بريتون وودز عام 1944 لتنظيم الاقتصاد العالمي وفق الرؤية الأمريكية، كما ولدت محكمة العدل الدولية لحل النزاعات بين الدول.

"بعد الحرب العالمية الثانية انتقل النظام الدولي من التعددية الأوروبية القديمة إلى ثنائية قطبية أمريكية سوفياتية"

وتبلورت في سياق الحرب الباردة حركة عدم الانحياز بقيادة بعض الزعماء الذين لم يرغبوا في أن تُحسَب بلادهم على أحد قطبي عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، مثل الزعيم الهندي نهرو والرئيس المصري جمال عبد الناصر واليوغسلافي تيتو، غير أن الأحداث أثبتت أن عدم الانحياز لم يكن دائما ممكنا، إذ إن معظم الدول الصغيرة وجدت نفسها في نهاية المطاف بحاجة لنفوذ أحد المعسكريْن.

أدَّت هذه التحولات إلى تغيير جوهري في كيفية تفاعل الدول فيما بينها، والانتقال من نظام التحالفات العسكرية المؤقتة إلى نظام دولي جديد قائم على التكتلات الأيديولوجية والردع النووي، إضافة إلى دخول لاعبين جدد إلى ملعب العلاقات الدولية، مثل حركات التحرر الوطني والتنظيمات المسلحة.

النظام العالمي والبحث عن الذات

بدا لمتابعي قنوات التلفزة العالمية في التاسع من نوفمبر/تشرين الثاني 1989، وهم يتابعون سقوط جدار برلين، وسط هتافات احتفال الألمان الشرقيين وأصوات معاولهم التي أتت على آخر حجر في الجدار، وكأن التاريخ قد وصل إلى نهايته السعيدة، على الأقل من منظور المعسكر الليبرالي.

في تلك الفترة، كتب المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما مقاله الشهير "نهاية التاريخ"، قائلا إن الديمقراطية الليبرالية قد انتصرت انتصارا نهائيا، وأن التاريخ بمعنى الصراع الأيديولوجي قد بلغ نهايته، وأن ما يجري في الاتحاد السوفياتي يعني بشكلٍ أو آخر أن الديمقراطية الليبرالية حقَّقت قبولا واسعا عند معظم مجتمعات الأرض. كان الحماس مفهوما، لكن التاريخ لم يكن يعتزم التقاعد بهذه السهولة، بل كان له رأي آخر.

اتَّسَمت فترة التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي بهيمنة أمريكية شبه مطلقة على النظام الدولي، وصفها المفكّر الأمريكي تشارلز كراوثامر بـ"اللحظة أحادية القطبية"، وكان الرجل من أهم الأصوات الأمريكية الداعية لتكريس هذه الهيمنة عالميا بكل وسائل القوة المتاحة، كما أنه انتقد ربط مصالح بلاده بمنظمات دولية مثل الأمم المتحدة التي وصفها أكثر من مرة بأنها "غير فعَّالة"، بل وأنها عدائية في أحيان كثيرة فيما يخص مصالح الولايات المتحدة. وقد استخدمت الولايات المتحدة هذه الهيمنة لتوسيع حلف الناتو شرقا، وخوض حروب عديدة كلما ارتأت ذلك، فأطلقت مبادرات التدخل السياسي في الصومال (1992-1994) والبوسنة والهرسك (1992-1995) وكوسوفو (1999)، وهي سياسة دولية اتبعتها واشنطن وفقا لما أسمته مبدأ "التدخل الإنساني".

"انتهت مرحلة الثنائية القطبية بتحولات جذرية في موازين القوى وطبيعة الصراعات"

هكذا انتهت مرحلة الثنائية القطبية بتحولات جذرية في موازين القوى وطبيعة الصراعات، فاتحة المجال أمام نظام دولي تزعَّمته واشنطن باعتبارها قوة عظمى وحيدة مهيمنة على القرار الدولي سياسيا وعسكريا. ومع غياب المنافسين المباشرين تلاشت الحدود الاقتصادية والثقافية تدريجيا، وتحوَّل مفهوم القوة من العسكري الصرف إلى القوة الثقافية والاقتصادية والتكنولوجية في حركة عولمة لا تهدأ.

كما حلَّت الصراعات العرقية والدينية والطائفية والتنافس على الموارد الحيوية والطبيعية محل الصراع الأيديولوجي الرأسمالي الاشتراكي، وزاد نفوذ المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، وكذلك حلف الناتو. وصار حضور الشركات متعددة الجنسيات والحركات المسلحة العابرة للحدود أوضح في العلاقات الدولية. غير أن ما بدا وكأنه نهاية للتاريخ تبيَّن بعد حوالي عقد واحد أنه ليس إلا تمهيدا لدورة جديدة من دوراته.

مثلت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 عملية إعادة تشكيل جذري لمفهوم الأمن الدولي. فقد وجد السياسيون أنفسهم فجأة في مواجهة تهديد من نوع مختلف، إذ لم يكن الهجوم من دولة معادية تملك جيشا، بل شبكة من المقاتلين ينتشرون عبر القارات ويستخدمون أدوات غير تقليدية. وأفضى ذلك إلى ما يسمى بـ "الحرب على الإرهاب"، وبها تغيَّرت قواعد اللعبة الأمنية والعسكرية وفتحت جدالا مستمرا حول مشروعية الحروب الاستباقية وحدود السيادة الوطنية التي استقرت منذ وستفاليا كأساس لا حياد عنه في العلاقات الدولية.

استُخدمت أحداث 11 سبتمبر مبررا لغزو أفغانستان عام 2001 وبعدها العراق عام 2003، وإذا كانت الأولى قد نالت تأييدا دوليا نسبيا، فإن الثانية أثارت شرخا عميقا في النسيج الدولي وكشفت عن حدود القدرة الأمريكية على ممارسة القوة بشكل أحادي. وقد خلَّفت الحربان معا شكوكا واسعة حول قدرة القوة العسكرية وحدها على صنع الاستقرار، وتشكيل أساس لعلاقات الأمم والدول فيما بينها.

"بينما كانت الولايات المتحدة منغمسة في حروبها في الشرق الأوسط، كانت قوى جديدة تُعيد رسم خريطة النفوذ العالمي بصمت وإصرار"

لكن وبينما كانت الولايات المتحدة منغمسة في حروبها في الشرق الأوسط، كانت قوى جديدة تُعيد رسم خريطة النفوذ العالمي بصمت وإصرار. فقد حقَّقت الصين خلال عقود قليلة نقلة اقتصادية مبهرة، لتصبح ثاني أكبر اقتصاد عالمي وقوة بحرية صاعدة. وروسيا التي نفضت عن نفسها صدمة تفكك اتحادها السوفياتي، وشعرت بالإهانة من توسُّع الناتو على حدودها، عادت لتؤكِّد حضورها بقوة عبر أزمة جورجيا 2008 وضم القرم عام 2014 ومؤخرا حربها في أوكرانيا.

ثم أتى ظهور "مجموعة بريكس" (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) عام 2006 شاهدا على هذا التحول وتأكيدا عليه، بالتزامن مع رغبة هذه الدول في الانعتاق من الأحادية القطبية، ودعوتها لتكوين نظام عالمي مُنصِف مُتعدد الأقطاب بديلا عن الهيمنة الأمريكية. وبغض النظر عن فعالية هذا التحالف من عدمه، إلا أنه يشير إلى حقيقةٍ واضحة وهي أن العالم ذو القطب الواحد كان مرحلة انتقالية وليس وضعا توقف عنده التاريخ، وأن ثمَّة نظام دولي جديد في طور التشكُّل، تتفاعل وتتصادم فيه قوى متعددة ومتنافسة.

خرائط نظرية للفهم

يبقى سؤال هام هو كيف نُفسِّر تفاعلات الدول فيما بينها؟ لحسن الحظ أن الأحداث الدولية الكبرى لا تنشأ في الفراغ، بل هناك ما يحركها ولذا لها ما يفسرها. وقد تصدَّر العديد من المختصين لهذه التفاعلات والعلاقات بالبحث والدراسة في محاولة لوضع أطر نظرية تساعد في تفسيرها، وتطوَّر مجال العلاقات الدولية بوصفه تخصصا أكاديميا مستقلا إبَّان الحرب العالمية الأولى، ليُنتج على مدى الأعوام المئة اللاحقة مدارس فكرية متعددة تُقدِّم كل منها رؤيتها الخاصة للعلاقات بين دول العالم، أهمها الواقعية السياسية والليبرالية.

تتخيل مدرسة الواقعية السياسية، أعرق مدارس الفكر السياسي الدولي، العلاقات الدولية بوصفها عالما بلا رحمة. ويُرجع كثيرون جذورها إلى ثوقيديدس الإغريقي (القرن الخامس قبل الميلاد)، حين لاحظ أثناء تشريحه للعلاقة بين أثينا وإسبرطة أن سبب الحرب الحقيقي كان الخوف الذي أثاره صعود قوة أثينا عند القادة في إسبرطة، وهي فكرة طوَّرها لاحقا عالم السياسة الأمريكي غراهام أليسون حين جادل بأن الدول تميل إلى الحرب عندما تتحدى قوة صاعدة مثل أثينا قوة مهيمنة مثل إسبرطة. وعليه فإن الرجل ناقش في كتابه "الحرب المحتومة" الصادر عام 2017 أن العلاقة بين الصين الصاعدة والولايات المتحدة الأمريكية المهيمنة مصيرها الحرب ما لم تُبذَل جهود دبلوماسية مكثفة لتجنُّبها، بسبب الخوف الأمريكي من تنامي القوة الصينية.

"جادل غراهام أليسون أن الدول تميل إلى الحرب عندما تتحدى قوة صاعدة مثل أثينا قوة مهيمنة مثل إسبرطة"

هذا الخوف البشري هو نفسه الذي تحدث عنه المفكر البريطاني توماس هوبز في القرن السابع عشر عندما قال إن "الإنسان ذئب أخيه الإنسان" واصفا الطبيعة البشرية بأنها تميل إلى الصراع والعدوان، مدفوعة بغرائزها للسيطرة، ومدفوعة بالخوف، خاصة في غياب سلطة قوية تضبطها وتحكمها، قبل أن يُصيغ المفكر الأمريكي-الألماني هانس مورغنتاو في القرن العشرين بصياغة أكاديمية في كتابه "السياسة بين الأمم" (1948) نظرية الواقعية السياسية ويؤكد على سيادة مفهوم القوة في العلاقات الدولية.

في كتابه "السياسة بين الأمم" عام 1948 صاغ المفكر الأمريكي-الألماني هانس مورغنتاو بصياغة أكاديمية نظرية الواقعية السياسية وأكد على سيادة مفهوم القوة في العلاقات الدولية (الجزيرة)

لذا تقوم المدرسة الواقعية على ثلاثة افتراضات جوهرية. أولها أن الدولة هي الفاعل الأساسي في السياسة الدولية، فلا وزن مُعتبر للمؤسسات الدولية أو الأفراد في العلاقات الدولية، وهدف الدولة الأسمى هو البقاء، ومصلحتها الوطنية هي المحرك الأساسي لسياساتها الخارجية. والثاني أن النظام الدولي فوضوي بطبيعته لغياب سلطة عليا، ما يدفع الدول للاعتماد على ذاتها لضمان أمنها ومصالحها. والثالث أن الدول تتصرف بعقلانية لتحقيق مصالحها وتعظيمها عبر مراكمة القوة.

ولذلك فإن أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 مثلا، وهي إحدى أهم محطات الحرب الباردة، لم تكن من وجهة نظر الواقعيين أزمة قيم بين الشيوعية والرأسمالية، بقدر ما كانت معادلة ردع نووي بين قوتين عظميين (واشنطن وموسكو) تحسب كل منهما كلفة الحرب وعائد التراجع.

في مقابل الواقعية، نشأت المثالية الليبرالية متأثرة بعصر التنوير وفلسفة إيمانويل كانط في "السلام الدائم" (1795). وترى هذه المدرسة أن التعاون الدولي ممكن ومستدام إذا توفَّرت 3 شروط: الديمقراطية، حيث إن الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها وفقا للرؤية الليبرالية، والتكامل الاقتصادي بين الدول الذي يرفع تكلفة الحرب ومن ثمَّ يُقلِّل من احتمالات حدوثها، والمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة وصندوق النقد والمحكمة الجنائية الدولية التي تُرسِّخ معايير السلوك الدولي وتفرض الالتزام به، وهو ما أكد عليه نورمان أنجيل في كتاب "الوهم العظيم" مؤكدا أن الحروب لم تعد تحقق مكاسب اقتصادية، وأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يجعل الحرب غير منطقية.

من هذا المنطلق يمكن اعتبار مشروع الاتحاد الأوروبي تطبيقا واقعيا لهذه المدرسة؛ إذ نجح في تحويل ألمانيا وفرنسا من عدوَّين خاضا حروبا متكررة، إلى شريكين لا يتصوَّران الحرب فيما بينهما لتشاركمها في المصالح الاقتصادية من خلال التعاون في صناعة الصلب والفحم، الذي تطوَّر لاحقا لتعاون اقتصادي وسياسي شامل. ولكن ثمَّة حدودا لهذا النموذج ظهرت بوضوح مع صعود القوميات والأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، وهي موجة تُوجِّت بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وبالمثل فإن اليابان التي تبنت دستورا يركز على السلام والديمقراطية، وتجنب النزاعات العسكرية، والتركيز على النمو الاقتصادي أعلنت مؤخرا عن مراجعة سياستها الدفاعية والعسكرية في ظل تصاعد التوترات قرب حدودها.

مضيق هرمز.. إرهاصات نظام دولي جديد

حين نتأمل هذه الرحلة الطويلة من شكل العلاقات بين الدول منذ حرب الثلاثين عاما حتى الاختناق الاقتصادي بمضيق هرمز اليوم، يتبيَّن لنا أن تاريخ العلاقات الدولية في جوهره تاريخ طموح متكرر لإيجاد نظام يجعل التعايش بين الدول ممكنا في ظل غياب سلطة عليا وحضور دائم للمصلحة والقوة. لقد نشأ كل نظام دولي من رحم كارثة كبرى: وستفاليا من رحم حرب الثلاثين عاما، وفيينا من رحم الحروب النابليونية، والأمم المتحدة من رحم الحرب العالمية الثانية. والسؤال الذي يقلق اليوم حقا: هل نحتاج إلى كارثة عالمية جديدة كي نعيد بناء النظام الدولي على أسس أكثر ملاءمة لعالم متعدد الأقطاب؟

ثمَّة قضايا جديدة مُلِحَّة تدفع دول العالم للتعاون لمواجهتها أكثر من ِالتنافس فيما بينها على أساس المصلحة الوطنية الضيقة. فقضايا مثل التغيُّر المناخي الذي يهدد البشرية، وظاهرة الهجرة المتزايدة من دول الهامش الفقيرة باتجاه دول المركز الغنية، وعدم استقرار الأمن الطاقوي وسلاسل الإمداد، وأزمة مضيق هرمز الحالية، والأمن الدولي الذي يتهدده صعود الشعبويات القوميةِ، والتنمية المستدامة والأمن السيبراني، إلى جانب عدد من النزاعات الإقليمية المشتعلة في أكثر من بقعة؛ كلها تحديات كبرى تحتاج إلى دبلوماسية عالمية مشتركة على أساس التعاون المتبادل بدلا من التنافس والتناحر، وإدراك هذا التعقيد هو ربما أول خطوات فهم عالمٍ لا يتوقف عن إثارة الدهشة والقلق معا.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا