في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بالتزامن مع تصاعد المواجهات على عدة جبهات في اليمن، تداولت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زعمت أنه يوثّق دخول القوات الحكومية إلى جبهة البرح غربي محافظة تعز، والسيطرة عليها.
وتزامن انتشار المقطع مع إعلان القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال يوم واحد ضد مواقع وأهداف تابعة لجماعة أنصار الله (الحوثيين)، باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية وراجمات الصواريخ.
ولا تزال مدينة البرح نفسها تحت سيطرة جماعة الحوثيين، في حين تتمركز القوات الحكومية والقوات المشتركة في مواقع ومداخل إستراتيجية بمحيطها، بينها مفرق البرح وعدد من المرتفعات.
وتكتسب منطقة البرح أهمية عسكرية وميدانية؛ نظرا لموقعها على الطريق الرابط بين مناطق تعز والساحل الغربي، ما يطرح سؤالا حول حقيقة المقطع المتداول: هل توثق المشاهد فعلا تقدم القوات الحكومية في جبهة البرح، أم إنها تعود إلى سياق أو مكان آخر؟
في 15 أغسطس/آب الجاري، نشرت حسابات على عدة منصات، بينها فيسبوك وإكس، مقطع فيديو زعمت أنه يوثق أول مشاهد مرئية من منطقة البرح بعد السيطرة عليها.
ويظهر المقطع تحشيدات عسكرية على عربات رباعية وشاحنات كبيرة، بينما يردد عدد من مستقليها هتاف "بالروح بالدم نفديك يا يمن"، في مشهد صورته الحسابات الناشرة على أنه احتفاء واستقبال حافل بتقدم القوات الحكومية في الجبهة.
وتباينت الروايات المرافقة للمقطع بين الحسابات الناشرة؛ إذ اكتفى بعضها بوصف المشهد بأنه استقبال أهالي البرح لـ"المقاومة الوطنية"، بينما ذهبت حسابات أخرى إلى حد الجزم بأن القوات المسلحة اليمنية "دخلت مدينة البرح وأعلنت السيطرة الكاملة عليها بعد دحر المليشيات الانقلابية" وفق تعبيرهم.
ونشر أحد الحسابات على منصة إكس تدوينة قال فيها إن القوات الحكومية تقدمت إلى سوق البرح فجرا ونفذت عمليات لقطع إمدادات عناصر جماعة الحوثي، وحصدت هذه المنشورات عشرات آلاف المشاهدات خلال ساعات.
وتبين من تتبع مسار انتشار المشهد أن أول ناشر للمقطع هو حساب على منصة إكس يحمل اسم "Anter alhalemi"، نشره في صباح 15 أغسطس/آب، مرفقا بعبارة "مع أهازيج الفداء أبطال قواتنا المسلحة على مشارف البرح".
تتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مسار انتشار المقطع، وخلصت إلى أنه مضلل من حيث الزمان والمكان؛ إذ لم يُصوَّر في جبهة البرح أصلا.
بالعودة إلى البيانات الرسمية، تبين أن الجيش اليمني أعلن عصر الجمعة 14 أغسطس/آب مقتل وإصابة العشرات من مسلحي جماعة الحوثيين، إثر إحباطه هجوما استهدف مواقعه في جبهة البرح غربي محافظة تعز، مشيرا إلى أن القوات المسلحة كانت على أتم الاستعداد، وتمكنت من رصد التحركات المعادية والتعامل معها بكفاءة.
وأعلنت المقاومة الوطنية في وقت سابق من اليوم نفسه مقتل 27 حوثيا وإصابة 19 آخرين خلال 3 أيام من المواجهات في الجبهة ذاتها، كما أفادت البيانات بأن قوات الجيش دمرت وأحرقت عددا من الأطقم والثكنات والمدافع والآليات العسكرية التابعة للحوثيين، مؤكدة نجاحها في إفشال الهجوم وإلحاق خسائر فادحة بالمهاجمين.
غير أن حجم التقدم الذي يُظهره المقطع المتداول لا يتسق مع ما ورد في البيانات الرسمية؛ إذ لم ترد أي تقارير رسمية أو إعلامية توثق السيطرة الكاملة على جبهة البرح، التي تحظى بأهمية ومكانة بارزة في خريطة المواجهات العسكرية باليمن.
عند تدقيق المشاهد بدقة أكبر، رصدت الوحدة علامتين مميزتين ساعدتا في تحديد الموقع الفعلي للمقطع: الأولى: مبنى يظهر عليه من الخارج لافتة مكتوب عليها بالعربية "المؤسسة العامة للاتصالات"، والثانية: شكل الشاحنة التي كانت تقل مجموعة من الأشخاص في المقطع.
وبالبحث باسم المؤسسة مقرونا بعدد من المحافظات اليمنية، تبين أن المؤسسة العامة للاتصالات وتقنية المعلومات لبيع أجهزة وباقات "ستارلينك" المعتمدة لها نقاط بيع في عدن وحضرموت والمهرة وشبوة ومأرب وتعز.
وبالبحث عن صور لفروع المؤسسة والاستعانة بخرائط "غوغل إيرث"، تبين وجود مقر للمؤسسة على طريق رئيسي يشبه الطريق الذي مرت عليه السيارات والتحشيدات في المقطع.
وبالرجوع إلى الموقع الرسمي لتحديد مقر المؤسسة في محافظة المهرة، تبين أنه يقع في مدينة الغيضة، الشارع الرئيسي، بجوار فندق الخليج ومسجد الفتح.
وبمطابقة الموقع عبر "غوغل إيرث"، ظهر تطابق واضح من حيث شكل المبنى والشارع الرئيسي والمناطق المحيطة، إذ لا تتجاوز المسافة بين المسجد والمؤسسة نحو كيلومتر و300 متر، وهو ما يؤكد موقع المؤسسة الفعلي.
وبالبحث عن اسم المؤسسة في الأرشيف، وجدنا فيديو سابقا لها يتطابق تماما مع العناصر البصرية في الفيديو المتداول، من حيث شكل المبنى الخارجي واللافتات وشكل البوابة الحديدية، مما يعزز أن الفيديو التُقط في المهرة.
وبالبحث في أبرز الأحداث التي شهدتها محافظة المهرة أقصى شرقي اليمن، تبين أنها كانت قبل نحو 7 شهور، حين انتشرت قوات درع الوطن في شوارع مدينة الغيضة عاصمة المحافظة في سياق ما عُرف حينها بـ"عملية استلام المعسكرات".
وبفحص مقاطع مصورة لدخول التحشيدات في ذلك الوقت، تبين تطابق شكل السيارة التي كانت تنقل الجنود مع السيارة الظاهرة في المقطع المتداول، وهو ما عزز فرضية أن المقطع قديم ولا علاقة له بجبهة البرح.
وبالبحث العكسي عن المقطع، عُثر على نسخة منه بجودة أعلى منشورة على "قناة اليمن الفضائية"، القناة الرسمية التابعة للحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دوليا.
وحملت النسخة الأصلية تاريخ 3 يناير/كانون الثاني الماضي، ضمن مشاهد نشرت تحت عنوان: "الغيضة: مشاهد لانتشار قوات درع الوطن في المدينة خلال عملية استلام المعسكرات".
وبذلك يكشف التحقق أن المقطع المتداول قديم والتُقِط في مدينة الغيضة بمحافظة المهرة مطلع يناير/كانون الثاني الماضي، ولا صلة له بجبهة البرح في محافظة تعز، وأن الحسابات التي روجت له وظّفته في سياق زمني ومكاني مغاير لحقيقته، بالتزامن مع تصاعد المواجهات من جديد في الساحة اليمنية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة