إن إلقاء نظرة سريعة على لهجة الإعلام الناطق بالألمانية تجاه سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يقود إلى القول إن هذه التغطية تأتي في سياق أوسع بكثير من مجرد تقييم مواقفه تجاه إيران أو حرب الإبادة في غزة.
فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، أصبحت علاقة الولايات المتحدة بأوروبا نفسها موضوعا دائم النقاش، وذلك في ظل خلافات متزايدة حول التجارة والرسوم الجمركية ومستقبل حلف شمال الأطلسي وتقاسم أعباء الدفاع، فضلا عن جهره بالسعي إلى السيطرة على غرينلاند.
وانعكست هذه التوترات على طريقة تناول الصحف والمجلات الألمانية، لا سيما المطبوعات ذات التوجه اليساري الليبرالي مثل مجلة "دير شبيغل" وصحيفة "زود دويتشه تسايتونغ" التي تميل إلى وضع سياسته في الشرق الأوسط ضمن صورة أوسع وباعتبارها مصدرا لاضطراب النظام الأمني والسياسي الذي قامت عليه الشراكة عبر ضفتي الأطلسي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتقول المجلة في المقال الذي كتبته مراسلتها في نيويورك إن الرئيس الأمريكي "أراد إنهاء الحرب في قطاع غزة والظهور كقائد شجاع قادر على توجيه ضربة حاسمة لإيران، لكن المشروعَين انتهيا إلى فشل ذريع وها هو ترمب يدفع ثمن ذلك".
وتبدأ المجلة بإشادة البيت الأبيض الاثنين الماضي بالسياسة الخارجية للرئيس الأمريكي، وتقول إن بيانا للبيت الأبيض أشاد بـ"التحركات الجريئة" لترمب في إيران وبـ"دبلوماسيته بشأن غزة" التي ستعزز أمن الولايات المتحدة لسنوات قادمة.
ووفق "دير شبيغل"، يمكن فهم خطاب الإطراء هذا كردّ على ما حدث خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، إذ قدّم الواقع صورة مختلفة تماما عما حاول البيان تقديمه للرأي العام، فقد قطع ترمب استراحته في منتجعه للغولف بولاية نيوجيرسي عدة مرات وبصورة مفاجئة، مرة بسبب تحليق مقاتلات من طراز "إف 16" لاعتراض طائرتين دخلتا المجال الجوي فوق المنطقة، لكن الأهم من ذلك كانت سلسلة الأخبار السيئة القادمة من الشرق الأوسط.
ففي هذه المنطقة المضطربة تحديدا -وفق المجلة- أراد ترمب أن يثبت كفاءته مرتين: في الأولى كصانع سلام ينهي الحرب في قطاع غزة ويبرم اتفاقا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي الثانية بوصفه قائدا شجاعا يجرؤ على القيام بما لم يجرؤ عليه أي رئيس أمريكي من قبله، أي توجيه ضربة حاسمة للنظام الإيراني، لكن المشروعَين انتهيا إلى فشل ذريع.
وتتهم المجلة ترمب بشن "حرب لا تنتهي"، الأمر الذي قوّض سمعته كـ"صانع صفقات" وألحق الضرر بإرثه السياسي وأثار غضب ناخبيه الذين يعانون من ارتفاع أسعار الوقود ونفّر حلفاءه وأصبح يُنظر إليه باعتباره سياسيا هاويا، سمح خلافا للمصالح الأمريكية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإقناعه بالانخراط في سياسة خاطئة بفداحة.
أما خطته "التاريخية" للسلام في غزة التي أعدها ما يُعرف بمجلس السلام والتي وصفها ترمب بأنها "تطور عظيم" فقد اتضح خلال الأيام الماضية مرة أخرى أنها مجرد وهم، صحيح أن ترمب يرغب في إعلان الانتصارات والمضي قدما في سياسته، لكنه عاجز عن فرض إرادته رغم استخدام الولايات المتحدة إمكانات عسكرية هائلة.
وبخصوص سياسة الإدارة الأمريكية في غزة، تقول المجلة إن يوم الأحد الماضي لم يكن أكثر إشراقا بالنسبة لهذه السياسة، ففي جلسة لمجلس الوزراء الإسرائيلي، أعلن نتنياهو بصورة مفاجئة أن خطة ترمب للسلام في غزة قد ماتت، فنتنياهو جهر بأن إسرائيل ترفض وثيقة غزة المؤلفة من 15 بندا وكرر ذلك مرتين، مضيفا أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من أي جزء من القطاع قبل نزع سلاح حماس بالكامل.
وتختم المجلة بالقول: "في مقابلة مع موقع أكسيوس، حاول ترمب إظهار قدر من التفاؤل بشأن إيران، قائلا إن واشنطن تتبع حاليا نهجا حذرا، وإن إيران تعاني أصلا من الإفلاس، مضيفا "الأمور سيتم حلها لأنها تحل دائما، الأمر أشبه بلعبة شطرنج".
لكن الوضع الكارثي الذي يواجهه ترمب في الشرق الأوسط يبدو حاليا أقرب إلى سوء الحظ في لعبة مونوبولي عندما يتعرض اللاعب لعقوبة معينة، يُطلب منه العودة إلى نقطة البداية.
أما المجلة المحافظة "فوكوس"، فترى في مقال ضيف للصحفي الألماني المعروف غابور شتاينغارت أن ترمب أراد إخضاع إيران عسكريا واقتصاديا، لكنه بدلا من ذلك يواجه مشكلة في ارتفاع التكلفة والمخاطر والأضرار التي تلحق ببلاده. ويقول شتاينغارت إن عهد ترمب كان حافلا بالمجازفة، لكن حرب إيران كانت المجازفة التي تجاوزت كل الحدود.
ويعتبر شتاينغارت أن ترمب أراد تدمير البرنامج النووي الإيراني وتغيير النظام وربط الاقتصاد النفطي الإيراني بالاقتصاد العالمي تحت القيادة الأمريكية لكنه لن يتمكن من تحقيق أهدافه، لأنه ارتكب خمسة أخطاء.
ويفصّل الكاتب بالقول إن تقليل ترمب من خطر إرهاق الحروب للأمريكيين كان أول هذه الأخطاء لأن الحروب التي لا تأتي ردا على تهديد مباشر للولايات المتحدة يصعب تسويقها للرأي العام.
ففي نهاية يوليو/تموز، قال 64% من الأمريكيين إن خوض هذه الحرب لا يستحق كل هذا العناء، أما الخطأ الثاني فيتمثل في اعتقاد ترمب أن القوة العسكرية وحدها تستطيع تغيير هوية إيران السياسية والثقافية والاجتماعية، مشيرا إلى أن الثقافة أعمق من السياسة لأنها ترتبط بالدين واللغة.
وفي معرض شرحه للخطأ الثالث، يقول الصحفي إن ترمب تجاهل نظرية أحد أكبر منظري الحروب في التاريخ الجنرال البروسي كارل فون كلاوزِفِيتس صاحب النظرية المعروفة بأن الدفاع أفضل أشكال الحرب.
أما الخطأ الرابع فهو شن الحرب دون حساب تبعاتها الاقتصادية، وهنا يقول شتاينغارت إن ترمب ربما لم يحسب التكلفة الاقتصادية للحرب لأنه كان يتوقع انتصارا سريعا، لكن بمجرد أن تمكنت إيران من الرد، ارتفعت التكاليف، وقفز سعر النفط، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة وإلى تباطؤ النمو وعودة التضخم.
ويختم الكاتب بالخطأ الخامس، قائلا إن الحرب الهجومية تؤدي دائما إلى توحيد مجتمع البلد المستهدف وإن تعرض دولة ما لهجوم يدفع قطاعات واسعة من مجتمعها إلى الشعور بأنها في قارب واحد وأن حريتها ووجودها أصبحتا مهددتين مباشرة، وبالتالي، لا تمنح الحرب الدفاعية الدولة المستهدفة مزايا عسكرية وإستراتيجية فحسب، بل تزيد أيضا من قدرتها على الصمود من الناحية الاجتماعية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة