في وقتٍ باتت فيه شبكات المياه جزءا من ساحة المواجهة السيبرانية، كشف اختراق طال أنظمة تشغيل المياه في 7 ولايات أميركية عن ثغرة خطيرة في البنية التحتية الحيوية للبلاد، فيما انقسمت التقييمات الرسمية بين اتهامات موجهة إلى طهران، ونفي قاطع من الرئيس دونالد ترامب حمل بموجبه السلطات المحلية الديمقراطية مسؤولية الإخفاق.
الصحفي المتخصص بالتكنولوجيا محمد دنكر، في حديثه إلى "التاسعة" على سكاي نيوز عربية، فكك تفاصيل الهجوم وتداعياته، كاشفاً عن أبعاد تتجاوز الحادثة الآنية لتطال مستقبل الأمن القومي الأميركي.
هشاشة أنظمة قديمة لا تصمد أمام الاختراق
أوضح دنكر أنه حتى الآن لا يوجد تلوث فعلي في مياه الولايات المتصلة، سواء في مينيسوتا أو ميشيغن أو جورجيا وسواها، إلا أن الاختراق طال أنظمة تشغيل المياه نفسها. وعزا ذلك إلى كون هذه الأنظمة "غير متطورة"، ما يجعلها عرضة للهجوم والتعطيل بسهولة نسبية.
وأشار إلى أن التأثير طال ملايين المواطنين، سواء عبر انخفاض ضغط المياه في منازلهم أو من خلال الفيضانات التي سجلت في بعض المناطق.
قلق متصاعد من انتقال الخطر إلى المدن الكبرى
لفت دنكر إلى حالة قلق متنامية في البلديات والبلدات الصغيرة من احتمال تكرار هذا النوع من الهجمات وامتدادها إلى مدن كبرى كنيويورك وواشنطن، معتبراً أن وقوع اختراق مماثل في هذه المراكز الحضرية الكبرى سيكون "كارثياً".
وربط ذلك بما وصفه بهشاشة البنية التحتية في معظم الولايات الأميركية، عازياً هذه الهشاشة إلى عامل البيروقراطية، إذ إن أي تغيير مطلوب في هذه الأنظمة يستلزم كماً كبيراً من الإجراءات والأوراق والأذونات لتنفيذه.
من مسألة تقنية إلى قضية أمن قومي
أكد دنكر أن اتساع رقعة هذا الملف حوله، بحسب الخبراء، إلى قضية تمس الأمن القومي مباشرة، ما استدعى تدخل مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" ووكالات متخصصة مثل "سيسا" لمراقبة تطورات الوضع والعمل على منع تفاقمه خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
وفي تحليله للموقف السياسي، رأى دنكر أن ترامب "ضرب عصفورين بحجر واحد"، مستغلا الحادثة لتوجيه انتقادات معتادة إلى حاكم ولاية مينيسوتا تيم والز وإلى الديمقراطيين عموماً، محملا إياهم مسؤولية عدد كبير من المشكلات التي تعانيها الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن ترامب، الذي يسعى حالياً إلى فتح مجال جديد للتفاوض وبناء نوايا حسنة مع إيران، نفى ارتباط طهران بالهجوم، وهو ما قد يعود، بحسب دنكر، إما إلى معطيات استخباراتية بحوزته، أو إلى رغبته في توجيه اللوم حصراً للديمقراطيين.
ولفت إلى أن ترامب استند في اتهاماته إلى كون هذه المشكلات لم تحصل في ولايات يحكمها جمهوريون، مثل فلوريدا في عهد رون ديسانتيس.
وفي الوقت ذاته، أوضح دنكر أن التحقيقات الفيدرالية تتوسع لتحديد الجهة المسؤولة فعلياً، مبيناً أن الأساليب المستخدمة تشبه إلى حد كبير عمليات نُسبت سابقا إلى جهات مرتبطة بإيران، ما يجعل ترامب، بحسب تعبيره، غير راغب في التسرع بإصدار أحكام قاطعة.
وأشار إلى تكهنات بأن الأجهزة الاستخباراتية قد تكشف قريباً عن وثائق أو نتائج تحقيقات تحدد الجهة المسؤولة عن الهجمات.
مخاوف من امتداد الاختراق إلى الكهرباء والاتصالات
حذر دنكر من أن القلق الأميركي لا يقتصر على قطاع المياه، بل يتصل بمخاوف من تطور هذه الهجمات لتشمل قطاعات الكهرباء والغاز والاتصالات.
واعتبر أن استهداف قطاع الاتصالات تحديداً قد يكون كارثياً، كونه لا يتحكم فقط بالهواتف، بل بأنظمة أخرى مثل عدادات مواقف السيارات وإشارات المرور.
وربط ذلك بحلول فصل الشتاء، حيث قد تتحول أي أعطال في شبكات الغاز الممتدة تحت الأرض إلى أزمة حقيقية في ولايات باردة كميشيغن القريبة من كندا.
وأكد أن فريق ترامب، بحسب ما تنقله وكالة "رويترز" وخبراء آخرون، يعمل خلف الكواليس لضمان عدم اتساع هذه الهجمات وشمولها خدمات إضافية.
مياه غير ملوثة لكنها تحتاج إلى الغلي
في توضيح تقني، بين دنكر أن تعطيل بعض المضخات أدى إلى تعطل إدخال مواد التعقيم كالكلور، ما استدعى توجيه الناس لغلي المياه، مؤكداً أن المياه ليست ملوثة بالمعنى الدقيق للكلمة. وأشار إلى تفاوت حالة المياه بين الولايات؛ ففي واشنطن هي صالحة للري وليست للشرب، بينما في فرجينيا تبقى معظم المياه صالحة للشرب.
وختم دنكر بالتأكيد مجدداً أن اعتماد الولايات المتحدة، سواء في أنظمة المياه أو المترو والمواصلات، على بنية بيروقراطية بحتة يجعل أي تحديث تقني رهينة موافقات كثيرة وأوراق ثبوتية وتصويت في الكونغرس، وهو ما يبقي هذه الأنظمة القديمة عرضة للاختراق في ظل غياب الإصلاح الجذري المطلوب.
المصدر:
سكاي نيوز