"إن ممرا مائيا دوليا مثل قناة السويس لا يُمكن أن يُدار بواسطة أمة لا تملك المهارات الفنية والإدارية مثل الأمة المصرية"
بواسطة (جريدة التايمز البريطانية يوم 28 يوليو/تموز 1956)
الزمان هو الأسبوع الأول من سبتمبر/أيلول عام 1956. المكان هو جزيرة قبرص. حركة الطائرات والسفن في الجزيرة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، والنشاط العسكري البريطاني والفرنسي على أهبة الاستعداد للهجوم على مصر، ولا يقف في طريقه سوى عقبتين: غياب الدعم الأمريكي وغياب الذريعة القانونية. في مؤتمر صحفي يوم 13 سبتمبر/أيلول، أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس صراحة أن بلاده "لا تنوي أن تشق طريقها عبر القناة بالرصاص" وأنها إن مُنِعَت من استخدام القناة، ستلجأ لطريق رأس الرجاء الصالح.
كان من المفترض أن يكون مؤتمر دالاس الصحفي منسقا بعناية مع لندن، بحيث يظهر الجانب الأمريكي داعما لفكرة إنشاء جهة دولية تُشرف على إدارة القناة، وهي فكرة رحَّب بها في البداية، في الوقت نفسه الذي يتكلَّم فيه رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن في مجلس العموم أمام خصومه من حزب العمال. بيد أن الخطة لم تسر كما خُطِّط لها. فقد اتجه السفير المصري في واشنطن أحمد حسين إلى وزارة الخارجية الأمريكية قبل مؤتمر دالاس، حاملا رسالة عاجلة من عبد الناصر، قائلا إن فكرة هيئة دولية للإشراف على القناة بالنسبة لمصر تعني الحرب، وأن أي دعم أمريكي لها يعني دعم سيناريو الحرب في المنطقة، وأن التوصُّل إلى حل سلمي يستوجب إسقاط المقترح.
كانت الحرب آخر ما أراد دالاس أن يراه في الشرق الأوسط، ومن ثمَّ أتى تصريحه بمثابة تهدئة للأمور فيما يتعلَّق بالقناة. "لربما يكون من حقنا أن نفعل ذلك (نلجأ للحل العسكري)، ولكننا لا ننوي أن نفعل ذلك". بتلك الكلمات وجَّه دالاس ضربة واضحة لسيناريو الحل العسكري أحبطت إيدن ونظيره الفرنسي غي موليه، في رسالة فحواها أن العاصمتين الأوروبيتين إن أرادتا الحرب، فعليهما أن تمضيا فيها دون دعم أمريكي من أي نوع.
"مع خروج الولايات المتحدة رسميا من الحسابات العسكرية، لم يتبق أمام لندن وباريس سوى إيجاد ذريعة قانونية لتحريك قواتهما المرابطة في قبرص"
بحلول مساء ذلك اليوم، ومع خروج الولايات المتحدة رسميا من الحسابات العسكرية، لم يتبق أمام لندن وباريس سوى إيجاد ذريعة قانونية لتحريك قواتهما المرابطة في قبرص، والزعم بأن قرار التأميم عطل حرية الملاحة في القناة. ولكن 6 أسابيع كانت قد مرَّت على قرار تأميم قناة السويس والملاحة فيها تسير على ما يُرام، على عكس ما توقَّع بعض صناع القرار في لندن وباريس، من أن المصريين لن يستطيعوا إدارة القناة بدون خبرة أجنبية، ومن ثمَّ أخذت ساعة الصفر تتحرك أبعد فأبعد عما خطط لها.
تمحورت معركة السويس على المستوى الإداري حول قضية المرشدين العاملين بالقناة (Pilots). والمرشدون موظفون مكلفون بمهمة واحدة هي إرشاد السفن للحركة بسلاسة عبر القناة، وأن تبقى السفينة في منتصف القناة تماما، وعلى محورها الأوسط، طوال رحلة سيرها في الاتجاهين، وذلك لأن أي انحراف نحو جانب من الجانبيْن يؤدي إلى سحب مؤخرة السفينة نحو تلك الضفة تدريجيا، نتيجة انخفاض ضغط الماء المحصور بين بدن السفينة والضفة القريبة منها. وتستغرق مهمة عبور السفينة حوالي 12-16 ساعة تقسم عادة بين أكثر من مرشد.
عشية تأميم القناة، كان هناك 205 مرشدين في الهيئة، منهم 40 مصريا فقط، والبقية من الأجانب: 61 فرنسيا و54 بريطانيا و14 هولنديا و11 يونانيا و25 من جنسيات أوروبية وأمريكية أخرى، وذلك رغم تعهُّد الشركة عام 1949 بأن يكون هناك مرشد مصري لكل مرشد أجنبي. وكان التلكُّؤ في تنفيذ هذا التعهُّد مدفوعا بالتخوُّف من تمكين المصريين من قناة السويس، وليس أدل على ذلك من التحذير الذي نشرته جريدة "التايمز" البريطانية في فبراير/شباط 1956، في خضم ضغط القاهرة لتعيين المزيد من المصريين في مناصب رفيعة داخل الهيئة: "ثمَّة خطر جسيم في أن تُصِر حكومة قومية متشددة على إدارة القناة عبر مواطنيها، بغض النظر عما إذا كانوا قادرين على مباشرة المهام أم لا".
في الجملة الأخيرة، نرى الشكوك "الاستعمارية" المُعتادة حول إمكانية اضطلاع المصريين بالمهام الإدارية من عدمه في المقام الأول، وقد كان هناك يقين واضح لدى إدارة القناة الأجنبية بأن الملاحة في القناة لن تستمر بدون الأجانب، حتى إن المدير العام الفرنسي لشركة قناة السويس وقتها جاك جورج بيكو، صرَّح في مؤتمر صحفي في باريس يوم 14 أغسطس/آب قائلا: "بوسعي غدا أن أوقف كل الملاحة في القناة إن اخترت أن أصدر أمرا بترحيل المرشدين غير المصريين".
"كان هناك يقين لدى إدارة القناة الأجنبية بأن الملاحة في القناة لن تستمر بدون الأجانب"
في تلك اللحظة، أعلن محمود يونس، المهندس المصري المكلف بإدارة السيطرة المصرية على القناة، أن بيكو يحرض المرشدين الأجانب بالفعل على ترك العمل بالقناة، مقابل الحصول على مكافأة توازي راتب سنة إلى 3 سنوات. ردَّ بيكو قائلا إنه لم يقُم سوى بإخطار المرشدين بمستحقات التقاعد الخاصة بهم، ومن ثمَّ لم يجد محمود يونس مفرا من منح الموظفين الأجانب في الهيئة موافقة على طلبات الإجازة التي كانوا يطلبونها، ولم يكُن أي منهم يعود إلى عمله فعليا بعدها.
بحلول صباح 15 سبتمبر/أيلول 1956، لم يكن هناك سوى 70 مرشدا مصريا، منهم من تدرَّب في دورات مكثفة أعدتها الهيئة المصرية المُشكَّلة حديثا خصيصا لتعويض أي نقص محتمل في عدد المرشدين، بالإضافة إلى عدد من المرشدين الروس الذين أتوا لدعم الإدارة المصرية الجديدة، و11 يونانيا رفضت حكومتهم أن تشارك الحكومات الأوروبية في خطتها لتطويق النظام المصري، وذلك في وقت كانت فيه التنظيمات الثورية في قبرص تقاوم الوجود العسكري البريطاني.
بالتوازي مع خطة إخراج المرشدين الأجانب، كان وزير النقل البريطاني هارولد واتكينسون قد اقترح إرسال عدد كبير من السفن من جهتي القناة، حوالي 50 سفينة، مما يُحدث تكديسا في الوقت نفسه الذي تكون فيه أعداد المرشدين أقل من المطلوب، ومن ثمَّ تتعرَّض الإدارة الجديدة، عديمة الخبرة كما يُفترض، لضغوط تعجز معها عن إدارة المشهد، ومن ثمَّ يُثبت بالدليل القاطع أن قرار التأميم أعاق الملاحة في القناة، وخالف اتفاقية القسطنطينية لعام 1888، فتكون الذريعة القانونية جاهزة لتدخُّل عسكري يُنقذ القناة والملاحة الدولية.
"لطالما بالغ المرشدون الأوروبيون في تقدير صعوبات الوظيفة التي قاموا بها كي يؤكدوا على فرادتهم وأهميتهم"
بيد أن الافتراض الذي تناقلته أجيال من مديري ومسؤولي القناة الأجانب، كان استشراقيا أكثر من اللازم. "لطالما بالغ المرشدون الأوروبيون في تقدير صعوبات الوظيفة التي قاموا بها كي يؤكدوا على فرادتهم وأهميتهم"، هكذا كتب الكاتب والصحفي الأمريكي كينيث لاف في كتابه "السويس: حرب خيضت مرتين"، واصفا السلاسة التي نجح بها محمود يونس مع إدارته الجديدة في تسيير الملاحة المكتظة عبر القناة عن طريق 70 مرشدا مصريا و11 مرشدا يونانيا بالإضافة لاستقدام مرشدين أجانب من دول غير متحالفة مع لندن وباريس.
ما كان يُفترض أن يُسبِّب إحراجا كبيرا لمصر على المستوى الدولي، سرعان ما تحوَّل إلى هدية مجانية. لقد نجحت الإدارة الجديدة، ومن دون المرشدين الأوروبيين، في تسيير رقم قياسي من السفن دون عوائق تُذكَر، وانطلقت الإذاعة في القاهرة تصدح بأنباء عبور السفن فيما عُدَّ انتصارا سياسيا جديدا لمصر. لم يكن ما حدث معجزة في الحقيقة، بل كان الافتراض نفسه بعجز العناصر المحلية إداريا وتنفيذيا افتراضا خاطئا، رأى في الحداثة نظيرا لطلاسم أوروبية لا يُمكن أن يفُك شفرتها إلا أهلها، في حين أن المعرفة الإدارية والهندسية الحديثة، التي راكمها مصريون كثر على مدار سنوات في دراساتهم، كانت تسمح لهم ببساطة بأن يحلوا محل العناصر الأجنبية إن وضعوا الخطط وأعدوا العدة.
استندت خطة إدارة القناة بعد التأميم على معيار الكفاءة في انتقاء العناصر أو الفريق الذي سيتولى إدارة مؤسسات القناة، وتألف الفريق من 27 عضوا، تم توزيعهم على 3 مجموعات، ولم تكن المهمة مجرد الاستيلاء على مؤسسات الشركة؛ بل وإدارة تلك المؤسسات بالكفاءة نفسها التي كانت تُدار بها، الأمر الذي يؤكد وجود خبرات إدارية فنية في مؤسسات الدولة بالفعل منذ سنوات، ما سهَّل عملية تجنيدهم في لحظة الأزمة. وكما صرح المهندس محمد عزت عادل، أحد المكلفين بإدارة القناة وقتها ورئيس هيئة قناة السويس لاحقا، فإن الفريق "كان فيه وكيل وزارة الري لأننا في حاجة إلى تخصص هيدروليكا لدراسة ومتابعة مياه القناة وتياراتها، وبينهم أيضا أساتذة من كلية الهندسة.. ووكيل وزارة المالية وأساتذة قانون".
كانت مشكلة انتظام العمل ومرور السفن بدقة وكفاءة أبرز تحديات اليوم التالي للتأميم؛ ومن ثمَّ كان فريق التأميم حريصا على استقرار القوة البشرية العاملة والفنية القائمة، ولذا استُدعي 20 مصريا في البداية من القوات البحرية، مع مجموعة من مرشدي شركات الشحن التجاري، علاوة على تدريب عدد من المتخصصين المصريين في الوقت نفسه، وقيام السفارات المصرية في الخارج بنشر إعلانات توظيف لمرشدي السفن في العديد من بلدان العالم، مثل يوغسلافيا والهند وباكستان والاتحاد السوفيتي واليونان وإيطاليا وغيرها.
"قرر محمود يونس إجازة المرشدين إن نجحوا في إرشاد السفن عبر نصف القناة فقط، إما الجنوبي والشمالي"
علاوة على ذلك، ولتقليص وقت اعتماد المرشدين وتعيينهم، كان محمود يونس قد قرَّر إجازة المرشدين إن نجحوا في إثبات كفاءة في إرشاد السفن عبر نصف القناة فقط، إما الجنوبي والشمالي، بحيث ينقسم عمل إرشاد السفن بينهم وفقا للنصف الذي تدرَّبوا عليه، بالنظر إلى أن السفينة كانت تحتاج إلى أكثر من مرشد على أي حال نظرا للساعات الطويلة التي تمضيها في العبور.
ومما يدل على حُسن اختيار فريق التأميم وتولية أهل الخبرة والكفاءة أن محمود يونس، الضابط المهندس وقائد عملية التأميم، لم يترأس مجلس إدارة هيئة القناة في البداية رغم نجاحاته، بل كان نائبا لها، فقد كان أول رئيس مصري للهيئة هو الفقيه القانوني البارز وذائع الصيت الدكتور حلمي بهجت بدوي، ولم يترأس محمود يونس هيئة القناة سوى بعد عام من التأميم، في يوليو/تموز 1957.
ولد محمود يونس في حي السيدة زينب بالقاهرة عام 1911 لأسرة من الطبقة الوسطى، وكان والده موظفا في السكك الحديدية، من أصول فلاحية تعود إلى إحدى قرى محافظة الشرقية. وقد التحق بالمدرسة الخديوية ونال البكالوريا عام 1930، ثم بمدرسة الهندسة الملكية حيث درس الهندسة. وقد استفاد يونس من حالة الانفتاح المؤسسي التي يسَّرتها حكومة الوفد أمام شبان الطبقة الوسطى في الالتحاق بالجيش بعد المعاهدة المصرية البريطانية عام 1936 التي منحت مصر استقلالا جزئيا مقابل بقاء البريطانيين في منطقة القناة.
ويذكر محمود يونس تلك المسيرة بقوله: "دخلت الجيش ضمن أول دفعة مهندسين تعمل في القوات المسلحة في 2 أكتوبر/تشرين الأول 1937، وكنت أول ضابط مهندس يلتحق بكلية أركان حرب، وتخرَّجت فيها في فبراير/شباط 1943، واشتغلت في إدارة العمليات الحربية، ثم نُقِلت مدرسا في كلية أركان حرب". ومن ثمَّ، كان محمود يونس من جيل الضباط الأحرار، الذين التحقوا بالجيش بعد عام 1936، حيث يقول: "اشتركت في لجنة الطلبة التنفيذية، وأصبحت أتزعم المظاهرات وأخطب في المدرجات وأسوق الترام الذي يعترض سير المظاهرة عن طريق مفاتيح مصطنعة".
انضم يونس إلى الضباط الأحرار، لكننا لا نعرف الدور الذي قام به تحديدا في ثورة يوليو عام 1952. وقد عهدت الثورة إليه بالمشاركة في مهمة جرد ومصادرة أموال الملك فاروق وعائلته، ثم أصبح عضوا في المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي الذي أُنشئ في أكتوبر/تشرين الأول 1952، ونقيبا للمهندسين دورتين متتاليتين منذ عام 1953. كما عمل محمود يونس في سوريا عام 1955 لإنشاء مصافٍ للنفط هناك، وأخيرا وصل إلى رئاسة هيئة البترول قبل التأميم بأشهر، وأشرف فيها على عمليات إنشاء معامل للتكرير وإتمام مد أنابيب البترول من السويس إلى القاهرة.
محمود يونس (غيتي)في يوم 23 يوليو/تموز 1956، وبينما كان الرئيس عبد الناصر يلقي خطاب عيد الثورة في موقع الاحتفال بمد خط أنابيب السويس-مُسطُرد، لاحظ حضور المهندس محمود يونس رئيس هيئة البترول آنذاك، وفعاليته في إدارة الهيئة، وقدرته على الإنجاز تحت الضغط، فقرر اصطحابه معه وأفصح له عن نيته تأميم القناة وكلفه بقيادة عملية التأميم.
قبل يوم واحد من التأميم، زار يونس مبنى قيادة الثورة الشهير على النيل، واجتمع بالرجال الذين اختارهم من أجل ليلة "شاء القدر ألا يناموا فيها"، على حد وصف المهندس عبد الحميد أبو بكر في مذكراته عن التأميم، وهو الرجل الثاني بعد محمود يونس في إدارة عملية التأميم وإدارة القناة فيما بعد، وثالثهم محمود عزت عادل.
"كانت خطة التأميم مرتبطة بخطاب ميدان المنشية في ذكرى الثورة عام 1956"
كانت خطة التأميم مرتبطة بخطاب ميدان المنشية. وقد عمل محمود يونس في ساعات حرجة من بعد ظهر ذلك اليوم من أجل تشكيل فريق العملية، بما يضمن السرية والكفاءة والتنسيق التام. وكان لابد من الاستيلاء على كل مباني ومؤسسات إدارة الشركة، والسيطرة الكاملة على فروع الشركة في مدن القناة الثلاث، ثم ضمان تشغيلها بكفاءتها المعهودة دون خلل.
ويروي محمود يونس قصة العملية قائلا: "كنا 3 مجموعات؛ مجموعة رئيسية في الإسماعيلية وأخرى في السويس وثالثة في بورسعيد، وكنت على رأس مجموعة الإسماعيلية. لم يكن أحد في المجموعات الثلاث يعلم سر المهمة غيري أنا والمهندس عبد الحميد أبو بكر والمهندس عزت عادل. وصلنا الإسماعيلية بعد الظهر، وبدأ الرئيس خطابه في المنشية في السادسة مساء، وعندما قال: والآن وأنا أتكلم إليكم، يتجه إخوة لكم من أبناء مصر ليديروا شركة القنال.. دخلت مع المجموعة مبنى الشركة الرئيسي، وأبلغت المسؤولين الثلاثة الكبار قرار التأميم.. تلوته عليهم باللغة العربية وترجمه لهم أحد المترجمين إلى الفرنسية.. ثم قلت لهم إنني مفوض من الحكومة بتسلُّم كل ممتلكات الشركة وإدارتها.. وأنا أطلب من كل موظف أن يقوم بعمله كالمعتاد، وأي محاولة للإخلال بسير العمل سوف تُعرِّض مرتكبها للفصل والجزاء".
لم تكُن لحظة إعلان تأميم قناة السويس مجرد لحظة بسط السيادة الوطنية على القناة أو تتويج لخروج الاستعمار البريطاني، بل يُمكن قراءتها بشكل أعمق بوصفها من اللحظات الفريدة في تاريخ تفكيك الخطاب الاستعماري والاستشراقي، الذي طالما أصرَّ على تخلف المجتمعات التي كانت تحت هيمنته، وأنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، وهي رؤية كان قد عفا عليها الزمن بحلول الخمسينيات بينما هبَّت شعوب العالم الثالث للتحرُّر من الاستعمار، وكان قد تكشَّف لكثيرين أن عقود الاستعمار الطويلة لم تُمكن فقط بفوهات البنادق، بل وبتكريس تهميش السكان المحليين بوصفهم غير قادرين على الإمساك بناصية العلوم الإدارية والمؤسسية الحديثة.
لم يتصور أحد قبل 26 يوليو/تموز 1956 أنه سيأتي يوم تكون فيه قناة السويس تحت الإدارة والسيادة المصرية الكاملة، ليس فقط بسبب المصالح الاستعمارية والعالمية المهيمنة على الشركة العالمية لقناة السويس، بل أيضا بدافع التصوُّر عن عدم قدرة المصريين على السيطرة على هذا الممر المائي العالمي، وهو أحد سرديات الهيمنة التي حرصت الإمبريالية العالمية على الترويج لها مع اقتراب موعد نهاية امتياز قناة السويس، الذي كان من المفترض أن ينتهي يوم 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1968.
وتستمد تلك الرؤية الاستعمارية قوتها من خطاب المسؤولين الاستعماريين الذين نجحوا في الترويج لخطاب الوصاية الغربية، ومفاده أن الدولة الخاضعة للاستعمار لا تمتلك كفاءات إدارية وفنية تُمكِّنها من حكم البلاد حكما جيدا وعادلا، فالمسألة السياسية تُختصر في الكفاءة الإدارية والتقنية للمستعمر المتفوق، وليس في الحق السياسي لأصحاب الأرض ومواطني البلد.
قدم المسؤولون الاستعماريون نصوصا واضحة تَنسب لأبناء جِلدتهم الفضل الأكبر في تطوير البلدان الخاضعة لهم، وكان من أبرز تلك النصوص في مصر ما كتبه اللورد دوفرين، الذي أوفِد مبعوثا بريطانيا خاصا لوضع مشروع إعادة تنظيم الإدارة المصرية بعد الاحتلال البريطاني. وقد عيَّنته حكومة جلادستون، وعهدت إليه بتقديم خطة وبرنامج عملي لإدارة مصر، التي كان قد تم احتلالها للتو بعد إجهاض الثورة العرابية. ومن ثم أصدر اللورد دوفرين تقريره الشهير عام 1883، الذي صار بحق برنامجا مرجعيا، بل وأحد أهم النصوص التأسيسية للوصاية الاستعمارية، إذ عمل على إدارة وإعادة هيكلة المجتمع المصري والحياة السياسية والإدارية في البلاد، بما يربط مصر بالإرادة البريطانية ومصالحها.
وصدر تقرير دوفرين المسمى "مراسلات أخرى بشأن إعادة التنظيم في مصر" كاشفا حِرص الإدارة الاستعمارية الجديدة على بناء آلة سياسية وبيروقراطية أكثر حداثة، مع ضمان ديمومة تلك الآلة، بل وتصوُّر أن أي تهديد قد يجلب الفوضى، أو كما قال: "إنه من الضروري تماما اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع البناء الذي أقمناه من الانهيار بمجرد أن تُرفع عنه يدنا الداعمة، فمثل هذه الكارثة ستكون إيذانا بعودة الفوضى إلى هذا البلد، وتجدد الخلافات بين الدول الأوروبية".
"ينال دوفرين من الشخصية المصرية، حيث يرى أن بها عيوبا واضحة، ويقدم الحداثة الغربية ترياقا لهذه المشكلة"
في لوحة استشراقية ينال دوفرين في تقريره من الشخصية المصرية، حيث يرى أن بها عيوبا واضحة، ويربط بين تلك العيوب والتاريخ المصري كله، وتأتي الحداثة في نظره ترياقا لهذه المشكلات عبر الاتصال بالغرب. أو كما كتب في تقريره: "لقد أسهمت روح العصر المتغيرة، التي أيقظتها اختراعات العلم، والتواصل مع الدول الأوروبية، وغيرها من المؤثرات المحفزة، في غرس مبادئ احترام الذات لدى الفلاح، ومنحه تصورا خافتا لإمكانيات لم تكن تخطر على بال".
أتى المُنقذ البريطاني إذن مانحا المصريين الحرية، وعندئذ فقط ينتقد دوفرين الأصوات الأجنبية الأكثر استشراقا منه للمفارقة، التي كانت تقول "إن الشعب المصري سيكون عاجزا للأبد عن إدارة شؤونه"، حيث يتصور دوفرين أن مصر ليست مؤهلة حاليا لتلك المهمة، ولكنها ستصل إليها عبر الرعاية البريطانية، أو المشورة والمساعدة المتعاطفة كما زعم.
اللورد دوفرين (مواقع التواصل)يبدو الاستشراق واضحا في نصوص دوفرين، التي تصنع صورة نمطية ثابتة عن خصائص السكان، وتاريخ المجتمع المصري الذي يتحول في كلماته إلى مادة للسيطرة، وموضوع للوصاية التي لا يمكن أن تنتهي أبدا، وهو أمر يتكرر في الكثير من كتابات الموظفين الاستعماريين، حتى أصغرهم مكانة وموقعا. ففي تقرير جون سكوت مستشار الحقانية، الذي رفعه عام 1894 إلى المندوب السامي اللورد كرومر، يقول إن "الإشراف الأوروبي يحظى بسلطة وهيبة أكبر في نظر الموظفين المصريين".
"الغرب يصنع الشرق"، كما تقول دراسات الاستشراق، وفي النص السابق للمستشار البريطاني نجد فكرة الوصاية مهيمنة على تصور عمل الجهاز الإداري المصري، فالرقابة الأوروبية هي شرط كفاءة الإدارة ورشادة الجهاز الحكومي. ويمثل أوكلاند كولفن (1838-1906) نموذجا آخر للخطاب الاستعماري الذي يقلل من شأن الكفاءات الوطنية، وقد كان من كبار المسؤولين الاستعماريين في مصر والهند، وشغل منصب المراقب العام في مصر (1880-1882) وعمل مستشارا ماليا للخديوي توفيق.
"كان كولفن مرافقا للخديوي توفيق عند مواجهته أحمد عرابي في مظاهرة عابدين عام 1881"
كان كولفِن مرافقا للخديوي عند مواجهته أحمد عرابي في مظاهرة عابدين عام 1881، وهو الذي نصحه بالاستجابة لمطالب العرابيين منعا لاشتعال الأمور ودرءا لتدهور الموقف، وأصدر كتابا بعنوان "بناء مصر الحديثة" عام 1906 في لندن، أي قبل أن يصدر اللورد كرومر كتابه "مصر الحديثة" بعاميْن. وكان واضحا في كتاب كولفن الإشادة بمنجزات الاستعمار، وكفاءة رجاله في بلد كان راكدا يفتقر إلى المأسسة والكفاءة في نظره، بل إنه تصوَّر صراحة أن "اللورد كرومر هو باني مصر الحديثة، ولولاه ما كان لها أن تتحقق، وسوف يظل اسمه مرتبطا بها إلى الأبد".
في سبيل اعتبار كرومر باني مصر الحديثة، وليس الباشا محمد علي، اعتبر كولفِن أن فترة حكم محمد علي كَرَّست "البؤس المستمر الذي يعاني منه عامة الشعب، وليس من الصعب التنبؤ بأنه منذ اللحظة التي دخلت فيها مصر في عهد محمد علي في حالة استقلال فِعلي، بدأت عناصر التدهور والانحلال بالظهور، التي كانت، مع مرور الوقت، ستؤدي حتما إلى تدمير النظام بأكمله". يُظهِر كولفِن كراهية صريحة لمشروع محمد علي، وهي رؤية كانت متداولة بين المسؤولين والباحثين الإنجليز خلطت بين سلبيات محمد علي الحقيقية، والنزعة الاستشراقية للتقليل من منجزاته الإدارية التي تمَّت خارج المظلة الغربية المُعتادة، رغم استعانته بعدد من الخبراء الأوروبيين في الحقيقة.
أوكلاند كولفن كان من كبار المسئولين الاستعماريين في مصر والهند، وعمل مستشارا ماليا للخديوي توفيق (معرض البورتريه الوطني بلندن)ويستشهد كولفِن بتقرير اللورد روزبيري، وزير الخارجية البريطاني ورئيس الحكومة البريطانية فيما بعد، حيث حرص روزبيري في تقرير صادر عام 1893 على مقاومة الدعوات العالمية التي نادت بريطانيا بالانسحاب من مصر. وقد بدأ تقرير روزبيري بالتأكيد على رعاية المصالح الحيوية، وحماية الأجانب في مصر، وشكَّك التقرير في نفور المصريين من الوجود البريطاني قائلا: "ليس من الواضح إطلاقا أن الشعور الحقيقي، حتى بين السكان المصريين أنفسهم، هو شعور معاد (لبريطانيا)، بل قد يكون في حقيقته شعورا وديا وممتنا".
كان تصوُّر الإدارة الاستعمارية أنه بدون وجودها يعم الفساد والفوضى، وضعف الكفاءة والخبرة، حتى أن اللورد روزبيري استشرف المستقبل المصري بأنه لن يكون مستقلا أبدا، مهما تغيَّرت صور الإدارة السياسية، حيث قال "هناك حقيقة واحدة يمكن الجزم بها بكل يقين، وهي أن مصر لن تتحرر مطلقا، بأي حال من الأحوال، من السيطرة الأوروبية، التي قد تُمارس في المستقبل بصورة أشد صرامة وأكثر وطأة مما هي عليه الآن"، وهي عبارة كاشفة عن توجه استعماري صميم لا يرى إمكانية قيام مشروع وطني مستقل في مصر، ويراها بلدا تابعا لا بد أن يرتبط براع أجنبي.
تأتي تلك الرؤية الاستعمارية من أصول استشراقية تتصور عدم قدرة المجتمع التابع غير الغربي على بناء جهاز إداري وبيروقراطي كُفء، وذلك رغم أن دراسة وافية ومُتعمقة للبناء الإداري المصري قبل الاحتلال البريطاني تجعلنا نقف على دولاب حكومي وإداري قوي ومتماسك، تُدار شؤونه بدقة عبر شبكة من الموظفين ينتشرون في كل مكان داخل الدولة.
اللورد روزبيري (غيتي)وتنقل إلينا الوقائع المصرية مثلا في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 1880 كتاب نظارة الداخلية إلى مديرية الشرقية، الذي جاء فيه ما يلي: "قد علمنا مما كُتب لنظارة الداخلية من مديرية الشرقية بالتلغراف، أن مديرها أخذ جملة أنفار من أهالي مديريته وتوجه بهم إلى جهة شالوفة لإصلاح وترميم ما وقع من التهدم بجسر سكة الحديد.. ولا يخفى أن هذا الإجراء لا ينطبق على القواعد الأساسية المتبعة، ولا يوافق نصوص الأوامر السامية المصرحة بأنه لا يجوز تكليف الأهالي بعمل من الأعمال، إلا إذا كان عائدا عليهم بالمنفعة العمومية، مثل ري مزروعاتهم، وحفظ أراضيهم وبلادهم من غوائل الغرق فقط.. وعلى المديرين والأهالي أن ينتبهوا لمثل هذه القوانين الثابتة ويراعوها حقَّ المراعاة، ويعلموا أنه لا سلطة للمدير أو غيره على أحد من أهالي البلاد إلا في ما يعود إليهم بالمنافع العامة فقط".
ويشير النص أعلاه إلى أن الدولة المصرية (قبل الاحتلال البريطاني) كانت على علم بإجراءات العدالة والمحاسبة ومفهوم الحقوق العامة للمواطنين أو الأهالي كما كان يُطلق عليهم في ذلك الزمان، وإن لم يُطبَّق ذلك فعليا على الأرض في كل الأحوال. ويناقض ذلك رواية "فضائل المحتل وعظيم إحساناته على البلاد المصرية"، حيث كان الركود الشرقي وجهله بكل ما هو حديث، أساس دعاوى الاحتلال عند قدومه إلى الشرق.
اللورد كرومر تباهي بـ"المهمة الحضارية" التي يقوم بها الاحتلال البريطاني في مصر (معرض البورتريه الوطني بلندن)ويأتي المعتمد البريطاني (المندوب السامي) اللورد كرومر، الذي تقلَّد منصبه بين عاميْ 1883-1907، ويضيف نموذجا تأسيسا في الخطاب الاستعماري، إذ إنه من أشهر المسؤولين الاستعماريين في تاريخ الشرق الأوسط لما تركه من أثر في بنية المؤسسات والممارسات السياسية المصرية. وكان كرومر على درجة عالية من التباهي بالمهمة الحضارية التي يقوم بها الاحتلال البريطاني بقوله: "إن الرجل الإنكليزي جاء إلى مصر بفكرة ثابتة مفادها أن لديه مهمة تعيَّن عليه تنفيذها، وأنه في ضوء وجهات نظره وآرائه عن تحقيق العدالة بين الأفراد، والمساواة بين الناس أمام القانون، وتحقيق السعادة لأكبر عدد ممكن من السكان، سيكون من الطبيعي أن يفهم مهمته في هذا الإطار".
"كان كرومر على درجة عالية من التباهي بالمهمة الحضارية المزعومة التي يقوم بها الاحتلال البريطاني في مصر"
وإذا كانت شعارات مثل تحقيق العدالة والسعادة من بين دعاوى الاستعمار، فإنها تنطلق من الشعور بحق الوصاية، وتصوُّر الآخر بأنه عاجز عن تحقيقها بنفسه، وقد لاحظ ذلك الخديوي عباس حلمي الثاني بنفسه، حيث يقول في مذكراته: "بالنسبة لكرومر فإننا أصبحنا كلنا مجرد جماعة من الفلاحين، الذين تنحصر مهمتهم في إنتاجنا لمحصول القطن".
كانت الإنجازات الإدارية التي وصل إليها البريطانيون على حساب السكان المحليين، مدعاة للفخر وتكريسا لهيمنة المصالح الأوروبية والاستعمارية، إذ يقول كرومر إن المُستعمر "صَبَّ نعما لا تُحصى" على رؤوس فلاحي البلاد التي حكمها. وبالتوازي، كان الاستشراق يُغلِّف تلك الهيمنة ويُسوِّغ إقصائها للسكان المحليين، إذ يُصرح كرومر بأن "الشرقي، بطريقة أو بأخرى، يتصرف ويتحدث ويفكر على نحو معاكس تماما للأوروبي"، وأن "المصري يقع في حيص بيص في المسائل المتعلقة بالأرقام والكمية".
اللورد كرومر (يمين) والخديو عباس حلمي الثاني (مواقع التواصل)نجح خطاب كرومر الاستعماري العنصري في تكريس معرفة سلبية عن المصريين وقدراتهم، ولم يكن كرومر يجد غضاضة في أن يذكر صراحة أن "سكان مصر هم في الوقت الحالي عاجزون عن حكم أنفسهم طبقا لمبادئ تفرض نفسها على العالم المتحضر"، ومن ثمَّ تقوم النظرية الاستعمارية على أنه بدون الاحتلال يتفكك الوطن المحكوم وتحل الفوضى، وهو ما اعتبره كرومر حقيقة مجردة.
بيد أنها حقيقة سرعان ما هزَّتها أحداث وثورات وانتفاضات طيلة النصف الأول من القرن العشرين، أفرزت أجيالا وطبقات جديدة فتحت الباب أمام التحرر من الاستعمار وسردياته الاستشراقية، في جهود وصلت إلى ذروتها مع نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، بتفجُّر الاحتجاجات واندلاع حرب فلسطين ونشوب معارك الفدائيين بطول القناة، مقر التمركز العسكري البريطاني الأبرز منذ عام 1936، والتي عادت إلى السيادة المصرية بالكامل يوم 26 يوليو/تموز 1956، وسط توقعات بريطانية فرنسية، لا تختلف كثيرا عن نظرة كرومر قبلها بعقود، مفادها أن الإدارة المصرية في طريقها للفشل الحتمي بدون الأوروبيين، وهو توقع انهار سريعا أمام كفاءة المهندسين والمسؤولين المصريين بقيادة محمود يونس ورفاقه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة