من أكثر النماذج التي تثير فضول علماء النفس الزوجان اللذان يستمران في العيش معا رغم تراجع العلاقة العاطفية بينهما. فقد ينام كل منهما في غرفة منفصلة، وتقتصر الأحاديث على شؤون الأبناء أو ترتيبات الحياة اليومية، بينما تختفي مظاهر القرب العاطفي والحميمية التي كانت تميز العلاقة في بدايتها.
هذا النموذج ليس نادرا كما يبدو، حتى إن بعض المختصين يصفونه بـ"الزواج الفارغ" أو "التعايش الوظيفي". ويطرح هذا الشكل من العلاقات الزوجية سؤالا أكثر تعقيدا من مجرد "سعادة أو تعاسة": هل يمكن أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا يحب فيها شريكه ولا يكرهه؟ أم أن ما يوصف بـ"الحياد العاطفي" ليس سوى تسمية مبسطة لحالة نفسية أكثر تعقيدا؟
يستخدم البعض تعبير "الحياد العاطفي" لوصف حالة تبدو فيها العلاقة الزوجية خالية من المشاعر الواضحة، لا حب قوي ولا كره مباشر، بل نوع من التعايش الهادئ داخل البيت نفسه، واستمرار علاقة شكلية تقوم على الاعتياد والمسؤوليات أكثر من الارتباط الوجداني.
لكن في الأدبيات العلمية الخاصة بعلم النفس والعلاقات، لا يظهر "الحياد العاطفي" بوصفه تصنيفا معتمدا لحالة يعيشها الأزواج. فالباحثون لا يصنفون العلاقات إلى "حب" و"كره" و"حياد"، بل يستخدمون مفاهيم أكثر دقة مثل الانسحاب العاطفي والانفصال الوجداني والتبلد العاطفي، وهي حالات تشير إلى تراجع التعبير عن المشاعر أو كبتها أو إعادة تنظيمها، وليس اختفاءها بالكامل.
وتشير دراسة منشورة في مجلة "بي إم سي سايكولوجي" عن ديناميكيات التعلق وتنظيم المشاعر في العلاقات الحميمة إلى أن الشريك العاطفي لا يتوقف عن كونه جزءا من "نظام تنظيم المشاعر" لدى الفرد، حتى في حالات التوتر الشديد أو تدهور العلاقة.
وتوضح الباحثتان جورجيا كوري ودومينيك شوبي وزملاؤهما، أن تأثير الشريك يستمر في تشكيل الاستجابات الانفعالية، حتى عندما يعتقد أنه لم يعد متأثرا به.
وهذا المعنى يغيّر زاوية الفهم، فالعلاقة لا تنطفئ، بل تستمر آثارها النفسية في العمل بصمت، حتى في لحظات اللامبالاة الظاهرة.
وتشير أبحاث التعلق لدى ماريو ميكولينسر وفيليب شيفر، وهما من أبرز علماء النفس المعاصرين، إلى أن أنماط التعلق تستمر في التأثير على طريقة استجابة الفرد داخل العلاقة، حتى في حالات البرود الظاهري.
فالأشخاص ذوو النمط التجنبي، على سبيل المثال، يميلون إلى كبح التعبير العاطفي عند الضغط، ما يجعلهم يظهرون باردين أو غير مبالين، رغم استمرار التفاعل الداخلي بشكل غير مباشر.
بالتالي، ما يبدو "حيادا" هو في كثير من الحالات انخفاض في التعبير، لا في الإحساس.
أكثر ما يلفت في هذه الحالات ليس تراجع المشاعر فقط، بل استمرار الحياة المشتركة رغم الانفصال العاطفي.
فالزوجان يعيشان تحت سقف واحد، وهناك:
لكن داخل هذا الإطار، تتشكل حياتان منفصلتان نفسيا.
وتشير دراسات في علم العلاقات إلى أن استمرار هذا النمط يرتبط بعوامل متعددة، منها:
وهذه العوامل لا تصنع علاقة عاطفية، لكنها تفسر استمرارها رغم تراجعها الداخلي.
في أبحاث عالم العلاقات جون غوتمن، الذي درس آلاف الأزواج على مدى عقود، لا تُعد كثرة الخلافات المؤشر الأخطر على تدهور الزواج، بل ما يسميه: مرحلة الانسحاب والصمت العاطفي، التي يتوقف فيها الطرفان عن محاولة التأثير في بعضهما. لا نقاشات ولا مبادرات ولا حتى ردود فعل واضحة.
غوتمن يعتبر هذا النمط علامة متقدمة على تدهور العلاقة، لأنه يحوّلها من تفاعل حي إلى نظام إدارة منفصل للحياة. لكن المفارقة أن هذا الصمت لا يعني غياب المشاعر، بل غالبا يعني إنهاكها وتوقف التعبير عنها.
ما يبدو "حيادا عاطفيا" ليس حالة ثابتة بقدر ما هو مرحلة انتقالية في كثير من الحالات.
وفي العلاج الأسري الحديث، خصوصا العلاج المرتكز على العاطفة، الذي طورته سو جونسون، يُنظر إلى هذه المرحلة باعتبارها:
"انقطاع في الاستجابة العاطفية، لا انعدام في الحاجة إلى العلاقة". والفكرة الأساسية هنا أن المشكلة ليست في اختفاء الحب، بل في توقف الإشارات التي تُعيد إنتاجه يوميا.
المدارس العلاجية لا تبدأ من سؤال "هل ما زلنا نحب؟"، بل من سؤال أبسط وأكثر واقعية: هل ما زال بإمكاننا إعادة بناء طريقة تواصل آمنة؟، وتقترح ثلاثة مسارات أساسية:
وتشير مراجعات سريرية منشورة في مجلة "العلاج الزوجي والأسري" إلى أن العلاج المرتكز على العاطفة والعلاج السلوكي للأزواج يحققان تحسنا ملحوظا في حالات الانفصال العاطفي، عندما يُطبّقان بشكل مبكر.
قد تبدو بعض الزيجات مستقرة من الخارج؛ بيت قائم وأبناء وروتين يومي يسير بلا اضطرابات كبيرة. لكن خلف هذا الهدوء قد تتشكل مسافة عاطفية تتسع تدريجيا بين الشريكين، حتى تصبح العلاقة أقرب إلى شراكة لإدارة الحياة منها إلى مساحة للمشاركة الوجدانية.
ولهذا يرى الباحثون أن أخطر ما يواجه العلاقات ليس الخلافات الصاخبة، بل اللحظة التي يتوقف فيها الطرفان عن المحاولة، ويحل الصمت مكان الحوار، ويصبح البقاء معا عادة أكثر منه اختيارا.
عندها لا يعود السؤال: أين ذهب الحب؟ بل ما الذي جعل حضوره يتوارى خلف سنوات من الإرهاق والخذلان وسوء التواصل؟ والأهم: هل ما زالت هناك رغبة في إعادته إلى الواجهة قبل أن يتحول التعايش إلى البديل الوحيد للعلاقة؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة