في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لئن كانت قمة مجموعة السبع جسدت في السابق الجهود المبذولة للحفاظ على النظام الدبلوماسي العالمي، فإن اجتماع هذا العام، الذي يبدأ اليوم الاثنين، يرمز إلى تشرذمه.
هذا ما استهلت به صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريرا لها عن هذا الاجتماع أكدت فيه أن مجموعة السبع تعاني من الفوضى والانقسام بسبب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومواقفه.
وتنطلق هذه القمة في منتجع إيفيان الفرنسي وسط أجواء مشحونة وترقب دولي مشوب بالقلق، في حدث تكاد تجمع الصحافة العالمية على أنه تحول من منصة لصياغة النظام الدبلوماسي العالمي إلى مسرح لاستعراض الانقسامات العميقة.
ورغم أنها تجمع رسميا قادة سبع من أكبر اقتصادات العالم، إلى جانب حشد من القادة الشركاء والضيوف، إلا أن "الرجل الواحد" الذي يهيمن على كواليسها وظلها هو ترمب، الذي تحول سلوكه وحساباته السياسية إلى المحور الأساسي الذي تدور حوله أجندة القمة ومخاوف المشاركين فيها، وفقا لهذه الصحافة.
وثمة قناعة مشتركة تصدرت صفحات الصحف العالمية مثل نيويورك تايمز وبوليتيكو ولاكروا ، مفادها أن سقف التوقعات من قمة إيفيان هبط إلى مستويات غير مسبوقة.
فالهدف الأسمى لهذه القمة، كما ينقل تقرير بوليتيكو عن مسؤول بارز في البيت الأبيض الأمريكي، لم يعد الخروج باتفاقيات إستراتيجية كبرى، بل مجرد "إثبات قدرة الاقتصادات الكبرى على العمل معاً وتجنب الانفجار".
هذه الدبلوماسية التي باتت تُعرف في عهد ترمب بـ "دبلوماسية الحد من الأضرار" وتصدير مشهد متماسك صوريا، تؤكدها أيضاً صحيفة لاكروا التي ترى أن الصور الجميلة للقادة على ضفاف بحيرة ليمان لن تحجب "ابتساماتهم المتوترة".
وتوقعت أن يكون البيان الختامي -إن وجد- "شفافا وباهتا كمياه هذه البحيرة"، وهو ما يتماشى مع ما نشرته نيويورك تايمز بأن القمة التي كانت يوماً رمزاً لتوحيد النظام العالمي، باتت اليوم تجسيداً لتشظيه، حيث يرى حلفاء واشنطن في الديمقراطيات الغربية أن النجاح بات يُقاس بمجرد "حضور ترمب وعدم مغادرته مبكراً" كما فعل في قمم سابقة.
وفي ظل هذا التوجس، تبرز فكرة ناظمة تشير إلى لجوء الإدارة الفرنسية، وبالذات الرئيس إيمانويل ماكرون، إلى أسلوب "الترغيب والمجاملة الشخصية" للتحكم في مزاج الرئيس الأمريكي.
وتكشف نيويورك تايمز وبوليتيكو ولوبوان عن تفاصيل "الهندسة الفرنسية" للقمة، حيث قام ماكرون بتأجيل موعد انطلاقها يوما كاملا ليتسنى لترمب الاحتفال بعيد ميلاده الثمانين في البيت الأبيض وحضور نزالات المصارعة الحرة المقامة هناك.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل صممت باريس "مكافأة" لترمب تتمثل في دعوته لعشاء خاص فاخر في قصر فرساي التاريخي ليلة الأربعاء.
وتشير التقارير إلى أن ماكرون يعلم جيداً ولع ترمب بمظاهر الفخامة والقوة، ويستخدم "أبّهة فرساي" كأداة دبلوماسية لإبقائه في القمة حتى لحظاتها الأخيرة ومنعه من الانسحاب المفاجئ.
لوتان : الدبلوماسية الأوروبية بقيادة باريس ولندن وبرلين لم تعد تطمح لإقناع ترمب بتبني مواقفها، بل بات هدفها هو التأكد من عدم التصادم معه وتطويق سياساته
وتضيف صحيفة لوتان السويسرية بعداً آخر لهذه المحاولات، مبيّنة أن الدبلوماسية الأوروبية بقيادة باريس ولندن وبرلين لم تعد تطمح لإقناع ترمب بتبني مواقفها، بل بات هدفها هو التأكد من عدم التصادم معه وتطويق سياساته، خصوصاً في الملف الأوكراني، لمنعه من القيام بأي "عمل تخريبي" يخدم مصالح الكرملين.
ولا شك أن ملف الشرق الأوسط يفرض نفسه على قمة إيفيان، حيث تؤكد صحيفة ليبراسيون أن الأجندة الفنية للقمة -من معادن حرجة وتحديات الذكاء الاصطناعي- تهاوت وتحول التركيز على وطأة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران وتداعيات إغلاق مضيق هرمز التي خنقت الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، تتفق تحليلات لوفيغارو ولاكروا الفرنسيتين عند فكرة كاشفة: ترمب يصل إلى فرنسا مدفوعاً بـ "نشوة إعلامية" بعد إعلانه المفاجئ عن قرب توقيع اتفاق سلام مع طهران، باحثاً عن مجد شخصي كـ "صانع سلام عظيم".
لكنه خلف هذا الاستعراض، كما ترى الصحيفتان، يصل "مستنزفا وراغبا في التخلص من حرب غير شعبية".
وهنا تبرز المقايضة الأمريكية الحادة التي نقلتها صحيفتا لاريبوبليكا وإيل فاتو كوتيديانو الإيطاليتان وملخصها هو: "عليكم أنتم تفكيك ألغام هرمز".
فالصحيفتان توقعتا أن يطالب ترمب الحلفاء الأوروبيين (فرنسا وبريطانيا وإيطاليا) بدفع "ضريبة" أو "جزية" سياسية وعسكرية عبر تولي تأمين الملاحة البحرية في الخليج وتفكيك الألغام، مقابل تنازلات تجارية وتكنولوجية.
في الوقت الذي تتراجع فيه أوكرانيا في أولويات واشنطن المنشغلة بالشرق الأوسط، تحاول أوروبا إعادة ضبط البوصلة.
وتنقل لوبوان الفرنسية وصحيفة كييف إندبندنت الأوكرانية تحولا لافتا في السردية الغربية للحرب، حيث يرى مسؤولون أمريكيون وأوروبيون أن المكاسب الميدانية لروسيا قد توقفت أو تباطأت، مما يمنح كييف وحلفاءها قوة دفع لرفض أي تنازلات ترابية أو أي إجبار لها على القبول بخطة ربما كان ترمب يسعى لفرضها.
ومع ذلك، فإن حضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في إيفيان، ورغم محاولته المرتقبة لعرض أفكاره مباشرة على ترمب، يصطدم بجدار من الواقعية السياسية.
فبحسب بوليتيكو، يواجه زيلينسكي شكوكا ضخمة في إمكانية تأمين طلبه الملح للحصول على صواريخ باتريوت نظراً للنقص العالمي، في وقت يشير فيه الخبراء إلى أن فكرة قدرة ترمب بمفرده على حل الأزمة الأوكرانية باتت تفقد بريقها ولم تعد مقنعة للنخب الأوروبية والأوكرانية على حد سواء.
وخارج الأسوار الأمنية للمنتجع الذي تحول إلى "مدينة تحت الحصار" -وفق وصف مراسل ليبراسيون- اندلعت شرارة الغضب الشعبي والمناهض للعولمة.
وترصد صحيفة لوتان تنظيم قمة مضادة في جنيف تحت شعار "No-G7 نقيض مجموعة السبع"، تُوجت بمسيرات حاشدة ضمت نحو 60 ألف متظاهر (وفق المنظمين)، واشتباكات عنيفة مع الشرطة التي استخدمت الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه، وسط تنديد حقوقي بـ "العقاب الجماعي".
هذا الغليان في الشارع يوازيه "تسمم" في العلاقات السياسية، حيث تنقل نيويورك تايمز عن خبراء أن سلوك ترمب الحاد وتصريحاته الهجومية، مثل تهديده بالانسحاب من حلف شمال الأطلي ( الناتو) أو الاستيلاء على شبه جزيرة غرينلاند الدانماركية، جعلت التقارب معه ساماً ومكلفاً سياسيا للقادة الأوروبيين أمام شعوبه.
لاكروا: يجب علينا مواصلة التفاوض مع دونالد ترمب مرفوعي الرأس
ولفتت إلى أن ذلك وصل درجة دفعت حتى حلفاءه التقليديين، مثل رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، إلى النأي بنفسها عنه.
كما تجلى هذا الشرخ الدبلوماسي مع بريطانيا، حليف واشنطن التاريخي، عقب تدخل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في الشؤون الداخلية البريطانية، مما جعل الأوساط الفكرية في لندن تصدح مؤكدة أن المملكة المتحدة لديها مشكلة حقيقية مع أمريكا.
من المؤسف، في ظل هذه الظروف -وفقا لافتتاحية لاكروا- أن توافق الرئاسة الفرنسية على استبعاد قضايا مثل ديون الدول الفقيرة والمناخ من جدول الأعمال لإرضاء الرئيس الأمريكي. "بل يجب علينا مواصلة التفاوض مع دونالد ترمب، مرفوعي الرأس"، على حد قول الصحيفة.
وانطلاقاً من تغطيات هذه الصحف العالمية، يمكن القول إن العالم لم يعد يتعامل مع الولايات المتحدة كشريك موثوق أو صمام أمان للنظام الدولي، بل كقوة عظمى متقلبة المزاج تُدار بعقلية الصفقات الفردية واللقطات التلفزيونية.
وبينما يحاول قادة مجموعة السبع الخروج بـ "أقل الأضرار السياسية"، يبقى المشهد الختامي معلقاً بين حذر بحيرة ليمان وأضواء قصر فرساي، في انتظار ما سيقرره رجل واحد هو ترمب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة