آخر الأخبار

غزة.. أزمة السيولة النقدية.. هل تكون العملة الرقمية حلًا؟

شارك

في ورقته العلمية «أزمة السيولة النقدية ومخاطر التحول إلى العملة الرقمية في قطاع غزة: تداعيات الانفصال المالي على النظام المالي الفلسطيني»، الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في يونيو/حزيران 2026، يناقش د. رائد محمد حلس أزمة السيولة النقدية الحادة التي يعيشها قطاع غزة في ظل الحرب والحصار وتدمير البنية المصرفية، وما نتج عن ذلك من اختلالات واسعة في السوق النقدية وارتفاع غير مسبوق في كلفة الحصول على النقد.

كما تتناول الدراسة المقترحات التي ظهرت لمعالجة الأزمة عبر التحول إلى العملة الرقمية، وتحلل ما قد يترتب على هذا الخيار من آثار اقتصادية ومؤسسية وسياسية تتجاوز البعد التقني، وتمس مستقبل النظام المالي الفلسطيني ووحدته بين غزة والضفة الغربية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 مؤسسة المرشد.. "الهيدرا" الأسطورية التي حمت إيران بعد اغتيال خامنئي
* list 2 of 2 الكفة تميل لصالح إيران end of list

أولًا: الجذور والتداعيات

ترى الدراسة أن أزمة السيولة النقدية في قطاع غزة ليست وليدة الحرب الأخيرة فقط، بل تعود جذورها إلى عوامل بنيوية تراكمت على مدى سنوات، أبرزها الاعتماد الواسع على النقد الورقي في المعاملات اليومية، وضعف انتشار أنظمة الدفع الإلكتروني، ومحدودية الثقة بالأدوات المالية الرقمية. غير أن الحرب التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 دفعت هذه الأزمة إلى مستويات غير مسبوقة بعد تعرض البنية المصرفية لأضرار واسعة وتعطل جزء كبير من الخدمات البنكية.

وتوضح الدراسة أن تدمير فروع البنوك وأجهزة الصراف الآلي، وانقطاع الكهرباء والاتصالات، وصعوبة وصول المواطنين إلى حساباتهم المصرفية، أدى إلى تراجع حاد في حجم السيولة المتداولة داخل الاقتصاد المحلي.

كما تفاقمت الأزمة نتيجة استمرار القيود على إدخال الأموال النقدية إلى القطاع، الأمر الذي أدى إلى اختلال دورة النقد وظهور اختناقات واسعة في السوق.

وتحدد الدراسة عدة قنوات كانت تشكل المصادر الرئيسية لتدفق النقد إلى قطاع غزة قبل الحرب، منها شحن الأموال من البنوك العاملة في الضفة الغربية إلى فروعها في غزة، وتحويل رواتب موظفي وكالة الأونروا، والأموال التي كان يدخل بها القادمون من الخارج، إضافة إلى دخول العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل وتحويل دخولهم إلى القطاع. ومع توقف هذه القنوات مجتمعة، انكمش المعروض النقدي بصورة حادة.

إعلان

وقد ترتب على ذلك ظهور مجموعة من التشوهات الاقتصادية، من بينها توسع الاقتصاد غير الرسمي، وارتفاع عمولات السحب النقدي إلى مستويات قياسية، وتزايد ظاهرة اكتناز الأموال خارج الجهاز المصرفي، فضلاً عن ارتفاع تكاليف المعاملات اليومية وتراجع قدرة الأفراد والمؤسسات على إدارة أنشطتهم الاقتصادية بصورة طبيعية.

مصدر الصورة شهداء في غزة استهدفتهم ألة القتل الإسرائيلية (الأناضول)

ثانيًا: التحول إلى العملة الرقمية

في ظل تفاقم أزمة السيولة، برزت خلال المرحلة الأخيرة مقترحات تدعو إلى تبني عملة رقمية أو منظومة مالية رقمية محلية لمعالجة مشكلة النقد المتداول داخل القطاع. وتشير الدراسة إلى أن هذه الطروحات جاءت في سياق النقاشات الدولية المتعلقة بمرحلة ما بعد الحرب وإعادة تنظيم الحياة الاقتصادية في غزة.

وتوضح الدراسة أن أنصار هذا التوجه يرون في العملة الرقمية وسيلة لتجاوز أزمة نقص النقد الورقي، وتسهيل عمليات الدفع والتحويل المالي، والحد من تكاليف تداول الأموال داخل القطاع. كما ينظر البعض إليها باعتبارها مدخلاً لتطوير البنية المالية وإدخال أدوات تكنولوجية حديثة إلى الاقتصاد المحلي.

إلا أن الدراسة تؤكد أن النقاش لا يتعلق بمجرد أداة مالية جديدة، بل بمشروع يحمل أبعادًا سياسية ومؤسسية واسعة، لأن إنشاء منظومة نقدية مستقلة في غزة قد ينعكس مباشرة على العلاقة المالية بين القطاع والضفة الغربية وعلى طبيعة الإشراف النقدي الفلسطيني القائم.

ثالثًا: مخاطر التحول إلى العملة الرقمية

يمثل هذا المحور جوهر الدراسة، إذ يحذر الباحث من التعامل مع العملة الرقمية باعتبارها حلاً تقنيًا محايدًا، ويرى أن المخاطر المحتملة تتجاوز بكثير الفوائد المتوقعة منها.

وتتمثل أولى هذه المخاطر في احتمال تكريس الانفصال المالي بين قطاع غزة والضفة الغربية، بما يؤدي إلى إضعاف وحدة النظام المالي الفلسطيني وخلق مسارين اقتصاديين منفصلين.

كما قد يؤدي هذا التحول إلى تقليص الدور التنظيمي لسلطة النقد الفلسطينية وإضعاف قدرتها على إدارة السياسة النقدية والإشراف على القطاع المالي الفلسطيني ككل.

وتشير الدراسة كذلك إلى مخاطر تتعلق بالسيادة والرقابة، إذ يمكن أن تتحول البنية الرقمية إلى أداة تسمح بمستويات مرتفعة من المتابعة والتحكم الخارجي في النشاط الاقتصادي للسكان.

كما أن الاعتماد على منصات وتقنيات خارجية قد يخلق أشكالًا جديدة من التبعية المالية والتكنولوجية.

وتضيف الدراسة أن إنشاء منظومة مالية رقمية مستقلة قد يطرح إشكالات تتعلق بالحوكمة والشفافية والامتثال للمعايير الدولية، بما في ذلك متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.

رابعًا: معقوات التحول الرقمي

ترى الدراسة أن البيئة الحالية في قطاع غزة لا توفر الشروط اللازمة لنجاح مشروع واسع النطاق للتحول إلى العملة الرقمية، وذلك بسبب حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية الأساسية.

فقطاع غزة يعاني من أزمات مزمنة في الكهرباء والاتصالات والإنترنت، وهي عناصر تعد شرطًا أساسيًا لأي نظام مالي رقمي. كما أن تدمير أجزاء واسعة من البنية الاقتصادية والإدارية يجعل من الصعب ضمان استقرار الأنظمة الرقمية واستمرارية عملها.

إعلان

وتشير الدراسة أيضًا إلى وجود تحديات اجتماعية ومؤسسية، من بينها محدودية الثقافة المالية الرقمية لدى قطاعات واسعة من السكان، وضعف الثقة بالأنظمة الإلكترونية، وتراجع قدرة المؤسسات المالية على تقديم خدماتها بصورة مستقرة في ظل الظروف الراهنة.

وترى الورقة أن تجاوز هذه العقبات يتطلب إعادة بناء البنية التحتية الأساسية أولًا، قبل التفكير في الانتقال إلى أنظمة مالية رقمية متقدمة.

مصدر الصورة الشيكل الإسرائيلي (رويترز)

خامسًا: البدائل الممكنة

بدلًا من الاتجاه نحو إنشاء عملة رقمية مستقلة، تقترح الدراسة مجموعة من البدائل العملية لمعالجة أزمة السيولة النقدية ضمن إطار النظام المالي الفلسطيني القائم.

وتتمثل هذه البدائل في إعادة تفعيل قنوات إدخال النقد إلى قطاع غزة، وإعادة تأهيل البنية المصرفية المتضررة، وتعزيز دور سلطة النقد الفلسطينية في إدارة الأزمة والإشراف على عمليات الدفع والتحويل المالي.

كما تدعو إلى التوسع في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني القائمة بالفعل، وتطوير المحافظ الرقمية والخدمات المصرفية الإلكترونية تحت المظلة التنظيمية الفلسطينية المعتمدة.

وتؤكد الدراسة أهمية اتخاذ إجراءات للحد من الاحتكار واكتناز السيولة، والعمل على تخفيض تكاليف السحب والتحويل المالي، بما يسهم في إعادة تنشيط الدورة النقدية داخل الاقتصاد المحلي.

الخلاصة

تخلص الدراسة إلى أن أزمة السيولة النقدية في قطاع غزة تمثل واحدة من أخطر النتائج الاقتصادية للحرب والحصار وتعطل القنوات المالية التقليدية.

غير أنها تحذر في الوقت نفسه من أن التحول إلى عملة رقمية محلية قد يؤدي إلى تداعيات استراتيجية أوسع من الأزمة نفسها، وفي مقدمتها تكريس الانفصال المالي بين غزة والضفة الغربية وإضعاف المؤسسات النقدية الفلسطينية. ولذلك تدعو الورقة إلى التركيز على إصلاح الاختلالات القائمة وإعادة بناء البنية المصرفية وتطوير أدوات الدفع الحديثة ضمن إطار وطني موحد يحافظ على وحدة النظام المالي الفلسطيني ويمنع نشوء كيانات مالية منفصل

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا