آخر الأخبار

شواطئ مهددة وسكان قلقون.. أزمة بيئية تتفاقم في تونس

شارك
شواطئ تلفظ كائناتها البحرية وتنفر زوارها بسبب التلوث الصناعي

على امتداد السواحل التونسية، يتفاقم خطر التلوث البحري الناتج عن تصريف المياه الصناعية ومياه الصرف الصحي، مخلفاً تداعيات بيئية وصحية واقتصادية متزايدة، وسط تحذيرات من ناشطين وخبراء بيئيين من أن الأزمة بلغت مستويات تهدد التوازن البيئي والحياة البحرية ومصادر رزق آلاف المواطنين.

وعلى حافة شاطئ شبه مهجور في مدينة حمام الأنف بالضاحية الجنوبية للعاصمة تونس، يستعيد جمال المختار بحسرة صورة المدينة التي كانت في الماضي وجهة سياحية بارزة.

ويقول لموقع "سكاي نيوز عربية": "منزلي مطل على البحر وعلى بعد أمتار من الشاطئ، ولكنني وعائلتي لم نسبح هنا منذ سنوات، وحتى نوافذ بيتي لم تعد تطل على مشهد جميل بسبب التلوث والروائح الكريهة المنبعثة من البحر جراء التلوث وسكب مياه الصرف الصحي في شواطئ الضاحية الجنوبية".

ويضيف المختار أن حمام الأنف "كانت جنة في الثمانينيات والتسعينيات، ويأتيها الآلاف من المصطافين من كل جهات البلاد فضلا عن أفواج السياح"، مشيرا إلى أن معالمها السياحية الشهيرة مثل "الكازينو" و"لاسيران" و"دار البي" أصبحت مهجورة وفقدت بريقها بسبب التلوث الذي طال المنطقة الساحلية.

ويحمل المختار النشاط الصناعي مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، موضحا أن "26 منطقة صناعية تسكب مياهها الملوثة في البحر"، الأمر الذي أدى إلى تدهور البيئة البحرية وانعكس سلباً على النشاطين السياحي والترفيهي، كما تسبب في فقدان العديد من العاملين في قطاع الخدمات والسياحة لمصادر رزقهم الموسمية.

كما تأثر قطاع الصيد البحري، إذ بات المستهلكون يعزفون عن شراء الأسماك القادمة من بحر الضاحية الجنوبية بسبب المخاوف من تلوثها.

وتشير معطيات إدارة حفظ صحة الوسط والمحيط بوزارة الصحة إلى تصنيف أكثر من 15 نقطة على مستوى شواطئ الضاحية الجنوبية سنوياً باعتبارها غير صالحة للسباحة وغير آمنة صحياً، نتيجة ما قد تسببه المياه الملوثة من أمراض جلدية وتنفسية، وذلك استناداً إلى تحاليل دورية لجودة المياه.

المصانع في دائرة الاتهام

ولا يقتصر الوضع على حمام الأنف فحسب، إذ تعاني شواطئ رادس و الزهراء منذ سنوات من المشكلة نفسها، حيث تمنع السباحة في العديد من المواقع بسبب تصريف المياه الصناعية ومياه الصرف الصحي عبر الأودية التي تصب في البحر، ما يهدد الصحة العامة والتوازن البيئي.

وفي هذا السياق، قالت رئيسة جمعية الثقافة البيئية بحمام الأنف، ألفة المدب، في تصريحات للموقع، إن الحلول الظرفية التي اعتمدت عبر تحويل المياه الملوثة إلى مناطق أبعد داخل البحر لم تحقق النتائج المرجوة. وأوضحت أن خصوصية خليج تونس، باعتباره منخفضاً، تؤدي إلى عودة المياه الملوثة بسرعة نحو الشاطئ.

ودعت المدب إلى تبني حلول جذرية تنطلق من "إرادة سياسية" لمعالجة مصادر التلوث الصناعي الممتدة من ميناء رادس إلى المنطقة الصناعية ببن عروس وصولا إلى مصانع بير مشارقة بولاية زغوان.

وأكدت أن أزمة التلوث بدأت قبل نحو 30 عاماً وتفاقمت تدريجياً مع توسع النشاط الصناعي وتزايد كميات المياه الصناعية ومياه الصرف الصحي التي يتم تصريفها في البحر، ما جعل المياه غير قادرة على تجديد نفسها طبيعياً.

سلاحف وأسماك نافقة

وترى المدب أن البحر في الضاحية الجنوبية للعاصمة لم يعد متنفساً للسكان، بل تحول إلى مصدر قلق وخطر بعد تلوث أكثر من 33 بالمائة من شريطه الساحلي وانتشار البكتيريا. وأضافت أن البحر يلفظ بشكل دوري عشرات السلاحف والأسماك النافقة نتيجة التلوث المتواصل.

ولا تختلف الصورة في عدد من المناطق الساحلية الأخرى، إذ يتكرر المشهد في بعض شواطئ محافظة نابل، وخاصة قرب مصبات المياه المستعملة في مناطق "العمود" و"المريقب" و"عين قرنز" بمنزل تميم وقليبية، كما تسجل حالات مشابهة في بعض شواطئ ولاية المنستير ومدينة قابس جنوب البلاد، حيث تتشابه الأسباب المرتبطة بتصريف النفايات الصناعية والمياه غير المعالجة في البحر.

وتشير مؤشرات رسمية صادرة عن وزارة البيئة إلى أن نحو 1.2 مليون متر مكعب من المياه المستعملة يتم ضخها سنوياً مباشرة في الأودية والسباخ والبحر، وهو ما يزيد الضغوط على المنظومة البيئية البحرية ويهدد استدامتها.

انتفاضة قابس ضد التلوث

وفي مدينة قابس، نظم أهالي المدينة، بالتزامن مع اليوم العالمي للبيئة، وقفة احتجاجية للمطالبة بتفكيك الوحدات الصناعية الملوثة. ورفع المحتجون على طول شاطئ السلام شعارات تطالب بالحق في بيئة سليمة وهواء نقي وشواطئ نظيفة.

وقال الناشط البيئي خير الدين دبية، في تصريحات للموقع، إن "الجريمة اليومية ضد البيئة في قابس مستمرة منذ أكثر من نصف قرن"، مؤكداً أن التلوث ألحق أضراراً بالغة بالسياحة والفلاحة، فيما لم تثمر الوعود الرسمية المتكررة عن حلول ملموسة.

وأضاف أن النموذج الصناعي القائم على الفسفاط ونشاط المجمع الكيميائي تسبب في أضرار مباشرة للبيئة والإنسان، مشيراً إلى أن التسربات الغازية خلال شهري أبريل ومايو بلغت مستويات خطيرة، خاصة في مناطق بوشمة والنحال وشط السلام، ما دفع السكان إلى الاحتجاج دفاعاً عن صحتهم وصحة أطفالهم.

من جهته، وصف الناشط البيئي إسلام الزرلي الوضع البيئي في قابس بـ"الكارثي"، محذراً من مخاطر الفضلات الكيميائية الصناعية، وعلى رأسها مادة الفوسفوجيبس، التي ترتبط بأمراض خطيرة من بينها السرطان وهشاشة العظام.

وأكد الزرلي أن البحارة فقدوا مصدر رزقهم، كما فقد المواطنون فضاءهم الطبيعي للترفيه، في حين نفقت الطيور المهاجرة والسلاحف بسبب تراكم الفوسفوجيبس الذي غطى أجزاء واسعة من شاطئ السلام. وأضاف أن المجمع الكيميائي بقابس يلقي يومياً نحو 16 ألف طن من الفضلات الصناعية، معتبراً أن ما يحدث يمثل "اغتيالاً واضحاً للبيئة" رغم إقرار السلطات الرسمية بوجود الأزمة واستمرار غياب الحلول الجذرية.

سكاي نيوز المصدر: سكاي نيوز
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا لبنان إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا