آخر الأخبار

قضاء وإعلام وانتخابات.. هل تهتز واشنطن تحت ضغط ترمب؟

شارك

في واشنطن، لم يعد السؤال ما إذا كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يواجه ضغوطا سياسية متزايدة، بل إلى أي مدى بدأت تلك الضغوط تنعكس على سلوكه السياسي وخياراته وخطابه العام.

وبينما يحاول ترمب إظهار قدر من اللامبالاة والثقة حيال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، تكشف سلسلة من المؤشرات السياسية والقضائية والإعلامية واستطلاعات الرأي عن صورة مختلفة لرئيس يبدو فيها أكثر قلقا مما يقرّ به علنا، في وقت تتزايد فيه التحديات أمام إدارته على أكثر من جبهة.

مصدر الصورة الإدارة الأمريكية تسعى للفرض قيود جديدة على عمليات الاقتراع (أسوشيتدبرس)

غطرسة علنية وارتباك داخلي

في مقال تحليلي نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، كشف الكاتب فرانك بروني أستاذ الصحافة والسياسة العامة في جامعة يورك، أن مظاهر "اللامبالاة" التي يبديها ترمب تخفي قدرا كبيرا من التوتر.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 صحافة عالمية: سباق مع الزمن لمحاصرة إيبولا والمهاجرون يصعدون بإسبانيا إلى قمة أوروبا
* list 2 of 2 حرب الحدود والذاكرة.. إسرائيل تفتح جبهة الماضي في جنوب لبنان end of list

فانتخابات التجديد النصفي المقبلة -بحسب المقال- هي "آخر ما يجول بخاطره"، فقد قال خلال اجتماع لمجلس وزرائه "أنا لا أهتم" بها، واصفا الارتفاع القياسي في أسعار الوقود بأنه "مجرد تفاهات"، لكن بروني يرى أن هذا التصريح لا يعبِّر عن سلوكه السياسي على أرض الواقع في الآونة الأخيرة.

ووفق المقال، بذل ترمب جهدا كبيرا وأمضى وقتا طويلا لترتيب المشهد لصالح الجمهوريين، حيث أصدر أوامر صارمة ومارس ضغوطا شديدة على قيادات الحزب في عدد من الولايات لإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، وتحديدا في ولايات رئيسية مثل تكساس وفلوريدا وكارولينا الشمالية.

كما دعم ترمب مرشحين موالين له، وأقصى أو عاقب شخصيات جمهورية لم تلتزم بخطه السياسي، في مؤشر على إدراكه العميق لأهمية الانتخابات المقبلة بالنسبة لمستقبله السياسي.

ويسعى الرئيس بجدية -كما يرى الكاتب- لفرض قوانين اقتراع جديدة تقيد التصويت عبر البريد وتقتضي من الناخبين "إثبات جنسيتهم" الأمريكية للتقليل من فرص فوز الديمقراطيين.

إصرار ترمب على تشديد قوانين التصويت، والدفع نحو فرض قيود على التصويت بالبريد وإلزام الناخبين بإثبات الجنسية عند التسجيل، لا يمكن فهمه إلا في إطار استعداده لمعركة التجديد النصفي

بواسطة الكاتب فرانك بروني

ويقدر الكاتب أن إصرار ترمب على تشديد قوانين التصويت، والدفع نحو فرض قيود على التصويت بالبريد وإلزام الناخبين بإثبات الجنسية عند التسجيل، لا يمكن فهمه إلا في إطار استعداده لمعركة التجديد النصفي.

إعلان

ومن الواضح -طبقا للمقال- أن ترمب وحلفاءه يعتقدون أن هذه التغييرات ستؤدي على الأرجح إلى تقليص أصوات الناخبين الديمقراطيين أكثر من أصوات الجمهوريين.

ويدرك ترمب خطورة الموقف تماما، حيث اعترف صراحة لأعضاء حزبه في لقاء مغلق في بداية العام قائلا "عندما تفوز بالرئاسة، فإنك غالبا ما تخسر الانتخابات النصفية.. يجب أن نفوز بالانتخابات النصفية لأننا إن لم نفعل، سوف يجدون سببا لعزلي.. سيتم عزلي".

ويعتبر بروني أن هذا التصريح يكشف عن حالة قلق حقيقية تتناقض مع خطاب اللامبالاة الذي يتبناه الرئيس حاليا، مضيفا أن "ما يبدو إنكارا في العلن هو في الحقيقة تعبير عن ضيق وخشية من الخسارة".

تراجع شعبية ترمب في ظل حرب إيران

وتزداد أهمية تحليل أستاذ الصحافة والسياسة العامة في ضوء التطورات السياسية الأخيرة، ولا سيما تراجع شعبية الرئيس في استطلاعات الرأي، بما في ذلك تلك التي كانت تعد تاريخيا من أكثر قياسات الرأي تعاطفا معه.

فبحسب تقرير نشرته مجلة نيوزويك ، تراجعت شعبية الرئيس ترمب إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق في استطلاعات الرأي، مدفوعة بشكل أساسي بالاستياء الشعبي من الأوضاع الاقتصادية والحرب المستمرة في إيران.

ووفقا لأحدث استطلاع أجرته مؤسسة "بيغ داتا بول" (Big Data Poll) -وهي المؤسسة المفضلة لترمب والتي طالما منحته أرقاما قوية سابقا- فقد أعرب 39.4% فقط من المستطلعة آراؤهم عن رضاهم العام عن أداء ترمب، مقابل 57.4% من الرافضين لأدائه.

وأوضح مدير المؤسسة ريتش باريس -وهو من الداعمين التقليديين لترمب- أن صبر الناخبين على إدارته والحزب الجمهوري الحاكم قد نفد.

كما أشار المدير إلى الارتفاع في نسبة المشاركين في الاستطلاع الذين أفادوا بأنهم يثقون في الديمقراطيين للتعامل مع "القضايا الانتخابية الأكثر أهمية"، بما في ذلك الاقتصاد وتكاليف المعيشة والسياسة الخارجية.

الملف الأكثر حساسية يتمثل في الحرب مع إيران. فقد أبدى 58.3% من المستطلعة آراؤهم عدم موافقتهم على طريقة تعامل ترمب مع هذه الأزمة، بينما أيد 33.7% فقط سياساته إزاء هذه الحرب

بواسطة مجلة نيوزويك

ومع ذلك, فقد أبدى الناخبون ثقة أكبر في الجمهوريين مقارنة بالديمقراطيين في ملفي الهجرة وأمن الحدود، حيث أفاد 42% منهم بأنهم يثقون في الجمهوريين، مقابل 39.1% أعربوا عن ثقتهم في الديمقراطيين.

أما فيما يتعلق بتكاليف المعيشة، فقد سجل الرئيس واحدة من أسوأ نتائجه، إذ أعرب 66.5% من المشاركين عن عدم رضاهم عن أدائه.

بيد أن الملف الأكثر حساسية يتمثل في الحرب مع إيران، حيث أبدى 58.3% من المستطلعة آراؤهم عدم موافقتهم على طريقة تعامل ترمب مع هذه الأزمة، في حين أيد 33.7% فقط سياساته إزاء هذه الحرب.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة، إذ إن معارضة هذه الحرب لم تقتصر على أنصار الحزب الديمقراطي والمستقلين، بل أحدثت تصدعا فعليا داخل حركة ماغا اليمينة الموالية للرئيس.

وقد انتقد عدد من أبرز رموز تلك الحركة -من أمثال مارجوري تايلور غرين و تاكر كارلسون وكانديس أوينز وميغان كيلي- توجه الإدارة نحو الانخراط العسكري في الخارج، معتبرين ذلك تخليا عن مبدأ "أمريكا أولا"، الذي شكل رافعة ترمب السياسية.

إعلان

وتوحي هذه الانقسامات بأن الضغوط التي يتعرض لها الرئيس لم تعد قادمة فقط من خصومه التقليديين، بل بدأت تظهر أيضا داخل القاعدة المحافظة التي كانت تمثل مصدر قوته الأهم خلال العقد الماضي.

مصدر الصورة مبنى وزارة العدل الأمريكية في العاصمة واشنطن (رويترز)

القضاء والثقة المفقودة

بالتوازي مع الأزمات السياسية، تواجه إدارة ترمب أزمة مصداقية حادة أمام السلطة القضائية، فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا موسعا لمراسلها ماتاثياس شوارتز يوثق فيه تنامي التوتر بين وزارة العدل والقضاة الفيدراليين بسبب ما وصفه عدد من القضاة بنقص الشفافية والمصداقية في أداء محامي الحكومة.

واستعرض التقرير سلسلة من الأحكام القضائية الحادة التي انتقد فيها قضاة فيدراليون سلوك ممثلي وزارة العدل، ففي إحدى القضايا المتعلقة بالحصول على سجلات طبية تخص علاجات التحول الجنسي، وصفت القاضية الفيدرالية ميري ماكلروي (المعينة من قبل ترمب) رواية الحكومة بأنها "مضللة، إن لم تكن كاذبة تماما".

وقالت القاضية إن وزارة العدل "أثبتت أنها غير جديرة بالثقة في كل مرحلة من مراحل هذه القضية"، محذرة من أن النظام القضائي يعتمد على افتراض أساسي يتمثل في صدق ممثلي الحكومة ونزاهتهم.

ويلفت التقرير إلى أن هذه الانتقادات لم تعد حالات فردية، بل باتت تتكرر في ولايات مختلفة، حيث اتهم قضاة مسؤولين حكوميين بحجب معلومات أو تقديم روايات تتعارض مع الوقائع.

ويرى خبراء قانونيون أن الخطر لا يكمن في القضايا المطروحة أمام المحاكم، بقدرما يتمثل في تآكل ما يُعرف داخل النظام الأمريكي بـ"افتراض الانتظام"، أي الثقة التقليدية التي تمنحها المحاكم لمحامي الحكومة الفيدرالية.

ونقلت الصحيفة عن أندرو ميرغن الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة هارفارد ، قوله إن هذا النمط "يعد مظهرا سيئا للغاية لوزارة العدل"، ويهدد "فرضية الانتظام والنزاهة" التي يقوم عليها العمل القضائي.

وأشار الأستاذ في هذا الصدد إلى تراجع كفاءة ونوعية المحامين المتقدمين للعمل بالوزارة بسبب تسييس الثقافة المؤسسية تحت إدارة ترمب.

ومن جهتها، ردت المتحدثة باسم وزارة العدل ناتالي بالداساري، واصفة الانتقادات بأنها "شائنة وغير مبررة"، مؤكدة استمرار الوزارة في الدفاع عن أجندة الرئيس.

ويأتي هذا التوتر في وقت تتبنى فيه إدارة ترمب "نبرة عدائية غير معتادة" تجاه السلطة القضائية، حيث دأب مسؤولون في وزارة العدل على مهاجمة من يصفونهم بـ"القضاة الناشطين" أو "القضاة المتمردين"، مما يزيد من حدة الاستقطاب بين السلطتين التنفيذية والقضائية.

مصدر الصورة بتوجيهات بيت هيغسيث، اعتبرت وزارة الحرب مكتبها الصحفي منطقة أمنية يُحظر على الصحفيين دخوله (غيتي إيميجز)

قيود على الإعلام

أما على صعيد العلاقة مع الإعلام، فتنذر التطورات الأخيرة باتجاه مشابه يقوم على تقليص مساحات التواصل والانفتاح، وقد كشفت صحيفة واشنطن بوست في تقرير حصري لمراسلها سكوت نوفر، أن وزارة الحرب ( البنتاغون) -بتوجيهات من الوزير بيت هيغسيث– اتخذت خطوة غير مسبوقة بتصنيف مكتبها الصحفي "منطقة أمنية مغلقة" ومنعت الصحفيين والمراسلين من دخوله.

وأكد القائم بأعمال المتحدث باسم البنتاغون جويل فالديز، في بيان للصحيفة هذا الإجراء قائلا: "لقد أُعيد تصنيف مكتب الصحافة في البنتاغون كمرفق للمعلومات الحساسة المصنفة بسبب مشاركة محرري الخُطب من مكتب سكرتير الحرب للمرفق".

وأضاف أن "محرري الخطب هؤلاء يتعاملون مع مواد سرية بانتظام ويحتاجون لنظام اتصالات وشبكة معلومات سرية، تُديرها وزارة الحرب الأمريكية، "ونتيجة لذلك، لن يُسمح للصحفيين بدخول مساحات المكتب بعد الآن".

ويعد هذا القرار ضربة قاسية لإرث درجت الإدارات السابقة على اتباعه طيلة عقود مضت، حيث كان المكتب مساحة مفتوحة يتنقل فيها المراسلون العسكريون بحرية، ويلتقون بالمسؤولين دون مرافقين ويطرحون الأسئلة عليهم دون قيود كبيرة، ويعقدون جلسات نقاش غير رسمية.

إعلان

وبموجب الترتيبات الجديدة، لن يتمكن الصحفيون من دخول المكتب أو مقابلة المسؤولين الإعلاميين إلا بمواعيد مسبقة، في خطوة يرى منتقدون أنها تضفي مزيدا من القيود على التغطية الصحفية لشؤون البنتاغون.

وتحت قيادة بيت هيغسيث، فرضت وزارة الحرب قيودا واسعة على حركة الصحفيين داخل المبنى، مما أثار انتقادات منظمات إعلامية تعتبر الإجراءات الجديدة تهديدا للشفافية والحق في الوصول إلى المعلومات.

ونوهت الصحيفة بأن المراقبين لاحظوا أن هذه المعركة مع الإعلام تتزامن مع التحديات التي تواجهها الإدارة في ملفات أخرى، وهو ما يعزز الانطباع بوجود توجه أوسع نحو إحكام السيطرة على تدفق المعلومات في لحظة سياسية حساسة.

وقالت الصحيفة إن التوترات المتراكمة منذ فترة طويلة بين وزير الحرب والصحفيين المعتمدين لدى البنتاغون بلغت ذروتها في أكتوبر/تشرين الأول، عندما سلّم مئات الصحفيين بطاقاتهم الإعلامية بدلا من التوقيع على سياسة صحفية محدّثة تُلزمهم بالتعهد بعدم السعي للحصول على معلومات لم تُصرّح الحكومة بنشرها.

واختتمت واشنطن بوست تقريرها، لافتة الانتباه إلى أن هذا الأسلوب الانغلاقي الصارم في البنتاغون يتناقض بوضوح مع الديناميكية الإعلامية المفتوحة التي لا يزال يتبعها ترمب نفسه ووزير خارجيته ماركو روبيو مع الصحفيين.

ويُستشف من هذه التقارير الصحفية أن الرئيس لا يزال يحتفظ بنفوذ كبير داخل الحزب الجمهوري وقدرة واضحة على التأثير في قواعده الانتخابية، إلا أن تراجع التأييد الشعبي، والانقسامات داخل حركة ماغا، والاحتكاكات المتصاعدة مع القضاء والإعلام، تشكل مجتمعة ضغوطا غير مسبوقة تدفع كثيرين في واشنطن إلى الاعتقاد بأن ترمب دخل بالفعل المرحلة الأكثر حساسية وصعوبة منذ عودته إلى البيت الأبيض.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا لبنان

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا