تقدم المرشح أبيرالدو دي لا إسبريلا، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الجريمة، في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الكولومبية التي جرت مساء الأحد، ليتأهل إلى جولة الإعادة بمواجهة إيفان سيبيدا، حليف الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو، الذي شكك في نتائج الانتخابات.
وبحسب النتائج الرسمية بعد فرز 99.98% من الأصوات، حصل دي لا إسبريلا على 44% من الأصوات، مقابل 41% لسيبيدا، ما حال دون حسم السباق من الجولة الأولى ودفعه إلى جولة ثانية مقررة في يونيو/حزيران الجاري.
ويُعد سيبيدا، وهو سيناتور تقدمي، من أبرز الداعمين لخطة "السلام الشامل" التي أطلقها بيترو، والهادفة إلى التوصل لاتفاقات مع الجماعات المسلحة.
وكان يتصدر استطلاعات الرأي لفترة طويلة قبل الانتخابات، إلا أن دي لا إسبريلا حقق تقدما ملحوظا في الأسابيع الأخيرة مستفيدا من خطابه الأمني وتعهداته بمواجهة العصابات والجماعات المسلحة.
وفي أعقاب إعلان النتائج، شكك سيبيدا وبيترو في سلامة العملية الانتخابية، زاعمين -دون تقديم أدلة- أن مئات الآلاف من الأصوات تعرضت للتلاعب، وأن جهات أجنبية تدخلت للتأثير في النتائج.
وتشير النتائج المتقاربة إلى أن سيبيدا قد يواجه تحديا صعبا في جولة الإعادة، في ظل توقعات بأن يستقطب دي لا إسبريلا أصوات الناخبين الذين دعموا مرشحين محافظين آخرين في الجولة الأولى.
يسعى دي لا إسبريلا، الوافد الجديد إلى الساحة السياسية والمُلقب بـ"إل تيغري" (النمر)، إلى تقديم نفسه بوصفه حليفا للرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومتبنيا لنهجه السياسي.
قال دي لا إسبريلا في خطاب حماسي مساء الأحد، وهو يضرب صدره خلف زجاج مضاد للرصاص أمام أنصاره: "دعوا الولايات المتحدة الأمريكية والأحزاب الديمقراطية تراقب جولة الإعادة هذه. سأقود هذه المعركة؛ سأكون أفضل محارب لكولومبيا".
ودي لا إسبريلا (47 عاما)، محام ورجل أعمال ثري، صرّح بأنه دخل عالم السياسة لمنع "تدمير" كولومبيا على يد اليسار، ويُكن احتراما كبيرا للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، والرئيس السلفادوري نجيب أبو كيلة.
وبأناقته المعهودة، التي أضاف إليها مؤخرا سترة واقية من الرصاص، اشتهر دي لا إسبريلا خلال مسيرته القانونية بالدفاع عن شخصيات كولومبية بارزة، من بينها تجار مخدرات ونجوم كرة قدم.
وقبل ترشحه للرئاسة، عاش دي لا إسبريلا في فلورنسا الإيطالية، حيث كرس جزءا من وقته للأوبرا، وتنقل بطائرات خاصة، ووسع نشاطه التجاري في مجال تجارة الروم والنبيذ.
ولمكافحة عصابات المخدرات في كولومبيا، -أكبر منتج للكوكايين في العالم- يقترح دي لا إسبريلا تحالفا عسكريا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وبناء سجون ضخمة، مع دفاعه في الوقت نفسه عن حق حمل السلاح.
كما وعد دي لا إسبريلا بشن حملة قمع شرسة ضد الجماعات الإجرامية وبناء 10 سجون ضخمة، مرددا بذلك سياسة الحرب على العصابات التي انتهجها رئيس السلفادور أبو كيلة، والتي أدت إلى انخفاض معدلات جرائم القتل، لكنها غذّت اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان.
وفي مقابلة أجرتها معه وكالة الصحافة الفرنسية في فبراير/شباط الماضي قال "أي مجرم لا يستسلم سيُقبض عليه وفقا للقانون".
ويُعرف المرشح، الذي يلقب نفسه بـ"النمر" بميله إلى استخدام الألفاظ النابية وسرعة غضبه، وبدعوته إلى "سحق " اليسار الكولومبي، لكنه خفف من حدة لغته لاحقا. كما أدلى بتصريحات اعتُبرت معادية للمثليين ومتحيزة جنسيا، وكثيرا ما يستخدم عبارات مسيئة.
في المقابل، تمتد المسيرة السياسية لمنافسه إيفان سيبيدا لأكثر من 3 عقود. فقد ظهر للمرة الأولى على الساحة العامة عام 1994، وهو في أوائل الثلاثينيات من عمره، إلى جانب جثمان والده، السيناتور الشيوعي الذي اغتالته جماعات شبه عسكرية. ووقف حينها أمام شاحنة اخترقتها الرصاصات، موجها عبر شاشات التلفزيون نداء للمطالبة بالعدالة.
وقال سيبيدا للصحفيين بنبرة هادئة "لا تدعوا هذه الجريمة تمر دون عقاب"، وذلك في فترة شهدت مقتل أكثر من 5700 من قادة اليسار.
وعاش سيبيدا، البالغ من العمر 63 عاما، سنوات في المنفى متنقلا بين تشيكوسلوفاكيا السابقة وبلغاريا وكوبا وفرنسا.
وبعد عودته إلى كولومبيا، دافع سيبيدا عن ضحايا النزاع المسلح، ولعب دورا محوريا في اتفاق السلام التاريخي عام 2016، الذي أفضى إلى نزع سلاح حركة "فارك"، أكبر الجماعات المتمردة في البلاد آنذاك.
بيد أن خصومه يتهمونه بالارتباط بالحركة نفسها، كما يحمّلونه مسؤولية صياغة خطة "السلام الشامل" التي تبناها الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو.
وخلال حملته الانتخابية، قال سيبيدا "لقد نجوت من الإبادة الجماعية والوصم والاضطهاد المتواصل، وها أنا ما زلت صامدا".
ويُعرف سيبيدا بارتدائه القميص الكاريبي التقليدي، فيما يتجنب ربطة العنق التي يعدّها رمزا للأوليغارشية. كما قاد تحقيقا بشأن صلات الرئيس السابق ألفارو أوريبي بالجماعات شبه العسكرية، قبل أن تصل القضية إلى القضاء، حيث أصبح أوريبي أول رئيس كولومبي يُدان جنائيا العام الماضي.
ورغم أن الحكم أُلغي لاحقا بقرار قضائي، فإن القضية رسخت مكانة سيبيدا بوصفه أحد أبرز خصوم أوريبي السياسيين وأحد رموز اليسار الكولومبي.
ويتعهد سيبيدا بمواصلة الأجندة التقدمية لبيترو، بما في ذلك السعي إلى إبرام اتفاقات سلام مع الجماعات المسلحة، وهي مقاربة يُتوقع أن تتعارض بشكل واضح مع رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه أمريكا اللاتينية.
يرى مراقبون أن الناخبين في جميع أنحاء أمريكا اللاتينية يتخلون بشكل متزايد عن القادة الذين روّجوا لسياسات تقدمية تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للصراع، مثل نقص الفرص المتاحة للشباب والفساد.
وبدلا من ذلك، يتجه الناخبون بشكل متزايد إلى المرشحين الذين يعدون بحملات أمنية قمعية.
ويأتي هذا الاستقطاب الانتخابي في وقت تلعب فيه إدارة ترمب دورا أكثر حزما في أمريكا اللاتينية من أي حكومة أمريكية أخرى منذ عقود، ما يضغط بشكل متزايد على دول مثل كولومبيا والمكسيك والإكوادور للقضاء على الجريمة.
وقال خوان أسيفيدو، عالم الاجتماع البالغ من العمر 62 عاما، وهو يغادر مركز اقتراع في العاصمة الكولومبية صباح أمس: "إن هذه الانتخابات ليست مهمة لنا فحسب، بل هي مهمة لأمريكا اللاتينية بأكملها. الفائز هنا سيحدد للمنطقة ما إذا كانت السياسات التقدمية ستستمر أم ستعود الأمور إلى مسارها الصحيح".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة