"لم يحصل لي ما يحصل لأكثر الناس. لم أبكِ حين رأيت الكعبة!" قالت لي إيمان (اسم مستعار حسب طلبها).
صحفية فلسطينية تجاوزت 30 عاما من عمرها بقليل، جاءت من الضفة الغربية، وتحديدا من الخليل حيث الحرم الإبراهيمي الذي يضم من وضع القواعد من البيت. قضم السجن الإسرائيلي قضمة من عمرها، ومرّت بسنوات من منع السفر. ثم لمّا لاح لها إذن السفر، جاءت حرب إسرائيل على إيران فأرجأت سفرا مهنيا كان مزمعا. أفضى تأجيله إلى أن تجد نفسها في قافلة الحجاج متجهة إلى مكة، في رحلة لم تكن مخططة، وإن كانت مكتوبة.
حين أخذت الحاجة كريمة البطاقة الوطنية لابنتها إيمان في أبريل/نيسان 2025، متجهة إلى وزارة الأوقاف الفلسطينية لتقدم على قرعة الحج في العام القادم، لم تكن واثقة من مصافحة الحظ لها. فثمة 30 ألف فلسطيني في الضفة الغربية والقدس سجلوا في قرعة الحج هذا العام.
كانت خطة الحاجة كريمة خطة مشتاق، فلم تهتم كثيرا بحساب فرص النجاح. كانت قد حجّت قبل 20 عاما، وأرادت أن تجدد العهد بالمسجد الحرام، وهي التي تعاني منع الاحتلال لها من زيارة المسجد الأقصى أولى القبلتين، وهو لا يبعد عن بيتها سوى 40 كيلومترا.
تشترط وزارة الأوقاف الفلسطينية في المتقدمين لقرعة الحج ألا يكون سبق لهم تأدية المناسك. أرادت الحاجة كريمة أن تسجل اسم ابنتها، فإذا ابتسم لها الحظ ستتنازل الابنة للأم، ويتم لها حج هذا العام.
في 5 فبراير/شباط 2026، أعلنت وزارة الأوقاف الفلسطينية عن 6600 حاج من المحافظات الشمالية (الضفة الغربية والقدس). على صفحة الموقع ظهر اسم إيمان الخليل، فابتهجت الحاجة كريمة، وبدأت تعمل على مسار التبديل.
ظلّت المحاولات تدور في فلك الاستبدال طويلاً، واتصلوا بكل من يملك وجاهة عند وزارة الأوقاف، من الوزير ونزولاً لكل من يملك القرار، فلم يُفلح شيء. كان ثمة تشديد جديد في موضوع التصاريح وارتباطها بالأسماء.
"حين لم يُفلح شيء، قلت في نفسي: يبدو أن هذا هو نداء الله سبحانه وتعالى"، قالت لي إيمان.
في 15 أبريل/نيسان قررت إيمان أنها سترافق الحجيج الفلسطينيين في 14 مايو/أيار في رحلتهم. "كان المفروض أن أسافر في نفس الفترة مع العمل إلى تنزانيا، لكن الحرب بين إسرائيل وإيران أجّلت تلك السفرة إلى نهاية يونيو/حزيران".
مدت إيمان يدها إلى خزانة البيت وأخرجت حقيبة مُعدّة لزيارة البقاع المقدسة، كانت قد سبقتها إلى مكة في عمرة لإحدى القريبات.
ما إن ينتشر الخبر في الحيّ أن أحد سكانه سيذهب إلى الحج، تبدأ الامتيازات الاجتماعية. "كل أهالي الحيّ صاروا يحملوني دعواتهم، ويستحلفوني بالله أن أدعو بها أمام الكعبة المشرفة". في تسوّقها رافقتها ابنة عمّها، وأخذت كلما دخلت دكانا لشراء شيء ما تخبر أصحابه بأنها في طريقها إلى الحج؛ حيلة خليلية لكسب خصم للحاجة الصغيرة.
"سافر معي الزعتر والزيت والخبز من فلسطين إلى عمّان إلى مكة، وطعم منه بشر كثير تختلف ألسنتهم وألوانهم. استطاعت الوالدة أن تمدّ مائدة من دار بيتها إلى صحن الحرم"
اتصلت بها صديقتها من نابلس لتعلمها أنها أنجزت قائمة مشتريات ولن تحتاج لشرائها لأنها في طريقها إليها في رام الله: مصحف، ومسبحة إلكترونية، ولباس صلاة أبيض، وحجابات بيضاء. "فكل مرة كانت تخبرني أنها اشترت أغراضا جديدة وبقي شيء لم تجده في السوق، كنت أبكي. حماسة صديقتي للموضوع كانت شيئا مؤثرا في حد ذاته".
حين كانت تجمع أغراضها وفقدت شيئا، اتصلت بأمها فوجدتها تخبز. كانت الوالدة تخبز خبزا لتحمله معها في الرحلة. خبز بالزيت الذي جاء من شمال الضفة الغربية، والزعتر الذي ينبت بجانب بيتهم. "سافر معي الزعتر والزيت والخبز من فلسطين إلى عمّان إلى مكة، وطعم منه بشر كثير تختلف ألسنتهم وألوانهم. استطاعت الوالدة أن تمدّ مائدة من دار بيتها إلى صحن الحرم".
كان من طقوس الوالدة التي حجت قبل 20 سنة، ثم اعتمرت عدة مرات، أن تحمل معها شيئا من أرضها للمسلمين، ليصافحوا أرض المسرى على بُعد. ولم يكن هذا معنى خاصاً تتنبه له الحاجة كريمة وحدها، بل طقس تحرص عليه عجائز فلسطين. في غرفة الفندق التي نزلت فيها إيمان، كانت أربع عجائز من فلسطين، كلٌّ منهن أحضرت شيئا تُضيّف منه الحجاج. جارتها في السرير المجاور امرأة ستينية أحضرت كعكا فلسطينيا ليوم العيد، لتتحف به أهل الموقف.
حج جدّها محمد رحمه الله عام 1958، وحين عاد متضلعا من مناسك العبوديّة، بشّرته زوجته بأنها رُزقت بمولود، فسمّاه عبد الله. كان ذلك والد إيمان.
كان للجد أخ يحمل الاسم ذاته، فصاروا يميّزون بينهما بـ"محمد الصغير" و"محمد الكبير". وبعد حجته تلك اشتهر باسم "الحاج الصغير"، والتصق اللقب بالعائلة لدرجة أنها صارت تُعرف به. فحين يريد أحد من أهل البلد أن يعرف من تكون، يُقال له: حفيدة محمد الحاج الصغير.
"كانت علاقتي بجدي قوية. منه تعلمتُ كيف أبني علاقتي بالأشياء، وكان مدرستي الذوقيّة. في كل مرة أُدعى باسمه، تلمع في ذهني صورة التقطتها معه عام 1995". قالت لي إيمان في مكالمة معها وهي في باحة الحرم المكي. "وها أنا اليوم على خطاه، أحقق اللقب ذاته: الحاجّة الصغيرة".
كان توديع الحاج في فلسطين حدثا يتجاوز الأسرة ليصبح احتفالا تشارك فيه القرية أو الحي بأكمله. تُطلى جدران البيت بالأبيض وتُرسم عليها الكعبة والمسجد النبوي إيذانا بالسفر المبارك، ثم تُقام "السمطة"، وهي وليمة كبرى يجتمع فيها الأهل والجيران ليطلب الحاج منهم المسامحة وبراءة الذمة قبل المغادرة. وفي الليلة الأخيرة يجتمع الرجال للدعاء.
حين يحين وقت الرحيل، يخرج الحاج في "زفة" من التكبير والتهليل يشيّعه فيها أهل البلدة حتى الحافلة، فيما ترتفع أصوات النساء بـ"التحنين"، وهو نمط من الغناء الحزين الجميل يدور حول معاني الشوق للكعبة والحجرة النبوية والتوجع لفراق الحاج. ارتبطت تلك العادات بطبيعة الطريق إلى مكة، كان الحزن غالباً حين كان الطريق مخوفا، ومع تأمينه غلبت معالم البهجة على طقوس التوديع.
قبل الرحلة بساعات، كان المفروض أن تتجمع القافلة أمام مكتب الشركة في وسط دورا جنوب الخليل. لم ينم أحد بعد منتصف الليل. أخذت إيمان غفوة خفيفة فصحت الساعة 3:10 بالضبط، فوجدت رسالة: جيش الاحتلال يقتحم دورا وينتشر في كل المناطق.
في نفس الوقت كان عمها وابنه في الطريق إليها ليأخذاها، وكانت عمتها ستلحق بهم بعدهم. جهّزت أغراضها على عجل وهي تتابع تحركات الجيش في البلد، حتى أرسلت لها ابنة عمها: الجيش واقف أمام بيت عمتها بالضبط. لا تستطيع أن تفتح الباب وتخرج.
تمكّنت هي من الخروج لأن بيتها على أطراف المنطقة، فانطلقت مع عمها وابن عمها إلى مقر الشركة وهم يتابعون على الهاتف ما يجري عند العمة. أحد أقربائها الذي يسكن بجانبها -بينهما أقل من 20 مترا- حين فتح الباب ليودعها، وجد الجندي في وجهه. صرخ فيه وأجبره على إغلاق الباب. كان جيش الاحتلال يعتقل عشرات الشباب من دورا ويحوّل بيت الجيران الملاصق لبيت العمة إلى مركز تحقيق.
"مع حصار الاحتلال للمنزل، صعدت العمة السور وقد تجاوزت الستين من عمرها، ثم شقّت طريقها بين البيوت حتى خرجت من شارع فرعي"
المسافة من بيت العمة إلى مكان تجمع الحجاج لا تستغرق بالسيارة أكثر من 3 دقائق. لكن وجود الجيش جعل هذه الدقائق الثلاث ساعة ونصفا.
حين اتضح أن الوضع قد يطول، كان القرار أن تنطلق القافلة وأن ينتظروا العمة حتى ينتهي الاقتحام. اهتدت العمة إلى حيلة فيها شيء من المخاطرة: في خلفية البيت ساحة، وعلى حائطها سلّم. صعدت العمة السور وهي في 63 عاما من عمرها، وناولتها ابنتها حقيبة السفر من فوق الحائط. ثم شقّت طريقها بين البيوت حتى خرجت من شارع فرعي كانت سيارة الأجرة تنتظرها فيه.
انطلقا من الخليل بعد القافلة بساعة ونصف الساعة، ليدركوا القافلة في آخر لحظة عند جسر الملك حسين بين فلسطين المحتلة والأردن، حين كانت على وشك التحرك من نقطة التفتيش الفلسطينية باتجاه نقطة الاحتلال.
طبيعة الجسور أن تكون حلقة وصل بين ضفتين. بيد أن هذا الجسر يكاد يكسر هذه القاعدة.
ما يميّز تجربة الفلسطيني على جسر الملك حسين عن أي مسافر في العالم أنه لا يمر على نقطة تفتيش واحدة أو اثنتين، بل على ثلاث: تفتيش السلطة الفلسطينية أولاً، ثم الاحتلال الإسرائيلي، ثم الأردن. وأي واحدة منها كانت كافية لإضافة عبء فوق مشقة السفر.
رتّبت وزارة الأوقاف نظاما يخفّف بعض الشيء من عنت الجسر المعتاد، فقررت أن الحجاج لا ينزلون من الحافلة لختم جوازاتهم لا عند الجانب الفلسطيني ولا عند الأردني، إذ يتولى منسق مخصص جمع الجوازات وإعادتها مختومة. "في مطار الملكة علياء، وفي مطار جدة، وحتى عند نقطة الجانب الأردني من الجسر، يمر المسافر بشكل طبيعي"، كما تقول إيمان. "الحقائب تُوضع وتمر، والمسافرون يمرون. أما عند نقطة الاحتلال، فخاتم الزواج نفسه يجب أن يُخلع. كل شيء معدني يُوضع في صندوق، ويمر الإنسان خاليا منه".
"تقول إيمان: كانت تلك المرة الأولى التي أختبر فيها هذا الشعور، أن تمضي في المسافة حرا طليقا، لا شيء يصطدم بمداك البصري، لا حاجز ولا جدار"
"رؤية رجل في السبعين يُجبر على التفتيش الدقيق مؤلمة بحد ذاتها. أما حين يكون هذا الرجل حاجا في طريقه إلى بيت الله، فالمشهد يجمع بين الألم والقهر معاً. والأشد ألما أن مستوى الإهانة ليس ثابتاً، وإنما رهين بمزاج الموظف الإسرائيلي الواقف على النقطة: هل يكتفي بتفتيش عابر، أم يقرر أن يُهين؟ هذا التذبذب بين الإجراء والإذلال هو ملخص لكل عبور فلسطيني على الجسر".
فالحج بالنسبة لكثير من الفلسطينيين حلم يُنتظر لسنوات. تأكل سنوات الانتظار من أعمارهم، وحين تأتي القرعة أخيراً يكون كثيرون قد بلغوا سنا تُثقل فيه مشقة الحج الجسدية كاهلهم. وبعد كل هذا، يصل بعضهم إلى الجسر لترده مجنّدة إسرائيلية في عمر أحفاده بحجج أمنية، أو بغير حجة أحيانا.
ثمة فلسطينيون لا يصلون حتى إلى الجسر. فقد أعلنت وزارة الأوقاف في غزة أن أكثر من عشرة آلاف فلسطيني من القطاع حُرموا الحج خلال سنوات الحرب الثلاث، وأن منهم 71 توفوا وهم ينتظرون. تبلغ حصة غزة السنوية نحو 2500 حاج، لكن منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بات السفر مستحيلاً. في مارس/آذار 2026، اتُّخذ قرار استثنائي بتحويل حصة غزة من الحجاج إلى القدس والضفة، قرار وصفته الوزارة بأنه "مؤقت"، لكن مؤقّته يدخل عامه الثالث. إيمان تعرف أن فرحتها برحلة الحج، في الطرف الآخر من الجغرافيا الفلسطينية، لوعة من لم يستطيعوا حتى الحلم بالجسر.
لم تجرب إيمان وهي في عقدها الرابع الطيران من قبل. ليس لأنها لم تسعَ إلى ذلك، بل لأن السجن أخّر كل شيء. بعد الاعتقال صدر بحقها منع من السفر، ثلاث سنوات أو خمس، لا تتذكر بالضبط. خرجت من السجن عام 2017، وكان المنع واضحاً حتى عام 2020 أو عام 2021، ثم اكتشفت عام 2023 أنه رُفع فجأة. كانت هناك مرافعات في المحاكم، ولما وصل الأمر إلى رفع الملف للمحكمة العليا رفضت المضي فيه، لأنها كانت تعرف أنه استنزاف مادي بلا نتيجة، فتركته. في عام 2023 سافرت أول مرة إلى الأردن فقط للتأكد من أنها تستطيع قطع الجسر.
أبهرها مطار الملكة علياء بضخامته، وهو بالتأكيد ليس الأضخم في العالم، لكن بالنسبة لفلسطينية تعيش داخل الضفة الغربية، لا تذكر أنها رأت ما يشبهه في مباني الضفة. "كان عندي فضول حقيقي لتجربة الطائرة. كنت أتساءل: هل سأخاف؟ أم ستكون تجربة ممتعة بالنظر إلى الأرض من أعلى؟"
"للفلسطيني علاقة مختلفة بالطائرات، فهو يعرف جيداً الطيران الحربي لجيش الاحتلال. الطيران الذي يُلقي قنابل ولا يحمل المسافرين"
عمّان هي بوابة العالم لفلسطينيي الضفة، ومن مطارها يطل على كل العالم. تقول إيمان: "وأنا في صالة صعود الطائرة، تذكرت ياسر مرتجى، المصور والصحفي الفلسطيني الشاب من قطاع غزة، الذي ارتقى شهيدا برصاص جيش الاحتلال في أبريل/نيسان 2018. كان يحلم بأن يركب الطائرة وأن يُصوّر غزة من السماء".
أول مرة ترى مدينة على السماء. أول مرة ترى الأرض على ذلك الارتفاع. "وحتى على مستوى الإيمان، كان التفكّر في خلق السماوات والأرض من نافذة الطائرة مختلفاً تماماً. زاوية النظر تتغير، فتتغير معها الرؤية كلها".
يعاني الفلسطينيّ من فقر مصنوع في الجغرافيا، لا تفرضه الطبيعة بل يهندسه الاحتلال الإسرائيلي بأدوات ممنهجة. الضفة الغربية بأكملها، من أقصى جنوبها في الخليل إلى أقصى شمالها في جنين، لا تتجاوز 120 كيلومترا، لكن الحواجز العسكرية وجدار الفصل العنصري والطرق الالتفافية الاستيطانية تحوّل هذه المسافة القصيرة إلى رحلة قد تستغرق سبع ساعات.
ولهذا حين تُخبر أحداً من الخليل عن جنين، فلا تستغرب حين يقول لك: "أوف، شو بعيدة!"، ليست بعيدة في الحقيقة، لكن الاحتلال يُعيد رسم الجغرافيا في الأذهان حتى يتبناها أصحابها. مطار غزة الدولي لا يبعد عن بيت عائلة إيمان أكثر من 40 دقيقة بالسيارة، لكنه لم يعد مطاراً ولا الطريق إليه مفتوح. وشرفة بيت ابن عمها شمال القدس تُطلّ على مطار قلنديا، الذي أغلقه الاحتلال منذ أجيال.
قالت إيمان "لم أكن أتوقع أنه يمكن أن تصلي العصر في عمّان وتصلي العشاء في مكة". حين خرجت برا من الأردن في رحلة العمرة، أدهشها أن الحافلة تسير مئات الكيلومترات دون أن يوقفها أحد، سوى لراحة قصيرة. "كانت تلك المرة الأولى التي أختبر فيها هذا الشعور: أن تمضي في المسافة حرا طليقا، لا شيء يصطدم بمداك البصري، لا حاجز، ولا جدار".
"الشخص الذي يحمل جوازا بريطانيا، القدسُ أقرب إليه فعلياً من ملايين الفلسطينيين الساكنين في الضفة الغربية، بسبب الإغلاق وعزل المسجد الأقصى"
وتتساءل: "كم تأخّر الفلسطيني، على مستوى حرية الحركة، عن بقية العالم؟ الطيران المدني تطوّر في مطلع القرن العشرين، لكن هذا الحق البديهي لم يصلني إلى الآن".
حين كانت أمها عائدة من العمرة عبر الجسر، تأخّر جوازها فجلست تنتظر. وبجانبها عائلة من أصول آسيوية مقيمة في إنجلترا. أخبرتها الزوجة أنهم قدِموا قُبيل رمضان إلى فلسطين خصيصاً ليُحرموا من المسجد الأقصى ثم يتوجهوا للحج. "وقفت أمام هذه الفكرة مشدوهة: إنسان غير فلسطيني داخل حدود فلسطين يتحرك بيسر وسلاسة لا نعرفها". البريطاني الحامل جوازا بريطانيا، القدسُ أقرب إليه فعلياً من ملايين الفلسطينيين الساكنين في الضفة الغربية، بسبب الإغلاق وعزل المسجد الأقصى.
في مطار جدة، حين نزلت إيمان من الطائرة وسط حشد من الحجاج القادمين من أصقاع الأرض، شعرت بشيء لم تشعر به من قبل. "فجأة انتقلت من بيئة شبه مغلقة إلى مكان تمشي فيه كل خطوة وبجانبك إنسان من عالم آخر، بثقافة أخرى، بلغة أخرى، بطباع أخرى".
تمتلئ الذاكرة الفلسطينية بالإسرائيليين الذين تصفهم الخطابات الوطنية بـ"شذاذ الآفاق"، حيث جُلبت مجموعات بشرية ليُعاد توطينها لسرقة الأرض. "هذه كانت المرة الأولى التي أشعر فيها أن تنوع الألسن واختلافها لصالحي وليس في صالح عدوي".
في الواقع، تذوب سرديات النأي عن فلسطين والتي تظهر على مواقع التواصل ويذكيها الاحتلال. كان لطف الناس حين يعرفون أنها من فلسطين ملموساً في كل محطة. أول ما نزلت من الطائرة ودخلت المطار، كانت موظفات الجوازات يتحققن من ملفات التطعيمات لكل حاج. ولما جاء دورها وعرفن أنها من فلسطين، كان في كلامهن وتعبيرهن لطف غامر وترحيب وحفاوة بالغة. وحين أوقفها شرطي عند الخروج من الفندق يسأل عن بطاقة نسك، ما إن قرأ "فلسطين" حتى أشار للسائق: "الطريق كله لكم، أكملوا".
تعدد الأعراق صار واقعا منذ هبوطها في مطار جدة وحتى دخولها إلى صحن الطواف. وراح يتشكّل في ذهنها معنى: "اختلاف الناس على امتداده يعرّفني معنى الألوهية. كل هؤلاء الناس لهم حوائج، وجاؤوا لطلبها لربنا".
في أول صباح في الحرم، بعد الفجر في فترة الضحى، جلست إيمان في صحن الحرم والكعبة أمامها، وفتحت دفتر مذكراتها تكتب.
ذهنها كان يتأمل في قصة خباب بن الأرت مع النبي صلى الله عليه وسلم — حين جاءه خباب وقال: "ألا تستنصر لنا؟" بصوت تخنقه آلام التعذيب. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "والله ليُتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
هذا الحدث نفسه جرى، وهذا الحديث بعينه قيل على بُعد أمتار من المكان الذي كانت تجلس فيه. في هذا المكان جهر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته، وأوذي وعُذِّب أصحابه، وكُذِّب وهو الصادق الأمين. في هذا المكان نفسه، يوم الفتح، قال لقريش: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
"هذا المكان كان لُبّ الدعوة الإسلامية ولُبّ التاريخ كله الذي أنتمي إليه كإنسانة مسلمة وأحاول أن أبني حياتي من خلاله"، هكذا قالت لي إيمان.
علاقتها بالمسجد الأقصى بدأت من الطفولة، من سنواتها الأولى قبل أن تبلغ الخامسة ربما. أما تعمّق تلك العلاقة فكان في فترة الجامعة، حين كانت تسكن في أبو ديس شرق القدس. "البيت الذي كنت أسكنه -حين أتطلع منه إلى الشارع- كنت أرى بالعين المجردة المسجد الأقصى أمامي".
"تقول إيمان: أنظر إلى إدارة السعودية للمسجد الحرام بعيون من يريد أن يتعلم ما يكفي لإدارة المسجد الأقصى حين تتحرر فلسطين"
كان أهالي أبو ديس يحكون دائماً أنهم قبل الجدار كانوا يمشون إلى المسجد الأقصى ويدخلون من باب الأسباط. كان هذا قديماً. أما اليوم فأصبح مستحيلاً بسبب جدار الفصل العنصري الإسمنتي الذي يبلغ ارتفاعه 8 أمتار، وقطع الاتصال الجغرافي تماماً، إضافة إلى الحواجز العسكرية المحصنة ونظام التصاريح الصارم. تحوّلت تلك المشية القصيرة إلى طريقٍ التفافيةٍ معقدةٍ ومستحيلةٍ لمعظم السكان، ليصبح الأقصى قريبا في المسافة وبعيدا في الواقع.
"تعلمت أشياء كثيرة من نساء مقدسيات في طريقة حياتهن وإدارتهن لبيوتهن وعلاقاتهن الاجتماعية. تعلمت ذلك كله في ساحات المسجد الأقصى قبل أن أتعلمه منهن حين دخلت بيوت بعضهن".
حين جاءت إلى مكة، جاءت ومعها تصوّر مشابه لحالة الأقصى: المسجد الحرام في المركز فلا بد أن ثمة هوية اجتماعية مشابهة. لكن المفارقة في مكة المكرمة أن معالم المدينة الحقيقية لا تظهر بسهولة. فالحرم في المركز، وحوله الفنادق والأسواق وحركة الحجاج، لكن أهل مكة الأصليين يحتاجون جهداً أكبر لاكتشافهم. اضطرت ذات مرة لاستقلال سيارة أجرة من الفندق إلى الحرم، فصادفت سائقا اسمه منصور، درس التاريخ، فأشبع فضولها وهو يحكي لها عن الحياة الاجتماعية لأهل مكة الأصليين.
"ثمة فكرة تسكنني منذ دخلت الحرم" تقول إيمان. "كنت دائماً أتأمل كيف يُدار المسجد الحرام كمؤسسة: تنظيم المصليات، وصيانة زمزم، والنظافة، والأمان، وتشغيل الكوادر، وإدارة الحشود، والتوسعات وطريقتها". كان خيالها يذهب إلى المستقبل فتقول في نفسها: حين تتحرر فلسطين، لا بد من الاستفادة من هذه الخبرة التشغيلية لإدارة الأقصى.
مصلون يؤدون صلاة عيد الأضحى في المسجد الأقصى بالقدس المحتلة، 27 مايو/أيار 2026 (رويترز)لكن المقارنة بين المسجدين ليست مقارنة بين إدارتين، بل بين مسجد يملك أصحابه حق صيانته ومسجد يمنع الاحتلال أصحابه حتى من ترميم حماماته. فإسرائيل تتحكم فعلياً في كل ما يتعلق بالمسجد الأقصى، رغم الترتيبات التي وقع عليها الإسرائيليون مع الأردن، يتحكمون فيمن يدخل ومن يُمنع، ومتى يُفتح ومتى يُغلق، وأي جدار يُرمَّم وأي جدار يبقى متداعياً. دورات المياه في الأقصى وضعها سيئ جدا لأن سلطات الاحتلال تمنع أعمال الترميم والبناء داخل الحرم الشريف وتعتبرها تغييراً للوضع القائم. "لم أتخيل يوماً النظام المعمول به في الحرم المكي حيث دورات المياه تحت الأرض كلياً. هذا وحده يحل المسألة"، قالت إيمان.
لكن حلاً كهذا يستلزم حفراً وبناءً وسيادة، وهذه كلها أشياء يصادرها الاحتلال.
زميل إيمان في العمل الذي حجّ هو وزوجته، حين التقيا قبل أيام بعد صلاة العشاء في صحن الحرم، وجدا نفسيهما يتناقشان في النقطة ذاتها. كان يقول لها: "أنا كنت أفكر أنه بس نحرر الأقصى، نأخذ هذه الأشياء من السعوديين ونطبقها لندير هذا المكان بالكميات الهائلة من البشر التي ستأتي إليه". والحقيقة أن الأقصى بعد تحريره سيحتاج إلى منظومة تشغيلية لا تقل تعقيداً عن منظومة الحرم المكي، لأن ملايين المسلمين الذين يمنعهم الاحتلال اليوم من الوصول إليه سيتوافدون عليه فرادى وجماعات.
"أنظر إلى المسجد الحرام بعيون من يريد أن يتعلم ما يكفي لإدارة المسجد الأقصى حين نتحرر". هكذا تقول إيمان.
تقطع إيمان يوميا كيلومترين في طريقها من الفندق إلى الحرم، عبر شارع إبراهيم الخليل. "كانت الشمس حارة جداً اليوم وأنا أسير إلى الحرم، ومع ذلك كان اسم الشارع يدعوني أن أمد خيالي عودةً إلى بلدي. ماذا لو كانت حال فلسطين مختلفة اليوم، أما كان بوسع الحاج الذي يقضي مناسكه ثم يزور المدينة أن يواصل السير فيزور الأقصى ومسجد إبراهيم الخليل في الخليل؟".
كان الناس في الزمن الماضي يزورون الحرمين الشريفين ثم يتوجهون لتقديس حجّهم في القدس، في رحلة روحية متكاملة. ذكرتُ لها ذلك، فعادت إليّ بقصة.
"أعرف عائلة تسكن في دورا، جنوب غرب الخليل. جدّها الأول أفغاني الأصل، رحل للحج، ثم عاد عبر القدس حيث ‘قدّس حجّته’ كما تقول الناس، ليستقر بعدها عند مقام النبي نوح في دورا، ناذرا نفسه لخدمة ذلك المقام. تزوّج وأنجب، وأبناء العائلة الذين هم اليوم في الخمسينيات والستينيات هم الجيل الثالث، فيما يبلغ أبناؤهم سن الزواج ليكونوا الجيل الرابع".
في صبيحة يوم عرفة كانت إيمان قد جمعت كل أمنياتها وكتبتها في الدفتر لتدعو بها.
حين عاد جدّها محمد من الحج عام 1958 حمل لقبه معه: "الحاج الصغير"، وحملت العائلة بعده الاسم أجيالاً. اليوم تعود حفيدته من المكان ذاته، تحمل اللقب ذاته. لكنها لا تحمل مولوداً تسمّيه كما فعل الجد، بل تحمل دفتراً فيه أمنيات، وحقيبة فيها بقايا زعتر، وخبرة عن إدارة الحشود وبناء حمامات تحت الأرض تصلح لمسجد تدعو أن يتحرر قريبا.
ستعود الحاجّة الصغيرة إلى الخليل وعلى هاتفها صور كثيرة التقطتها في صحن الحرم، في المكان ذاته الذي وقف فيه خباب المتألم يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تستنصر لنا؟".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة