آخر الأخبار

في غزة.. أضحى بلا أضاح وخيام لا يدخلها العيد

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة- في موكب من المركبات الخاصة كانت عائلة بارود بكبارها وصغارها تتحرك في أعياد مضت، منذ ساعات الفجر تجوب شوارع مخيم الشاطئ، تمرّ على بيوت الأقارب، ثم تتشارك الأضحية التي تُقسَّم حصصاً بين أبناء العائلة.

يلتقطون في نهاية كل جولة صورة العائلة السنوية التي كانت طقساً ثابتاً يقومون به كل عيد ثم يرسلونها إلى أقربائهم في الخارج.

لكن اليوم في عيد غزة ما بعد الإبادة يجلس ولاء بارود أمام النسخة الأخيرة من تلك الصورة، يحملها بين يديه كذكرى وحيدة لزمن انقضى.

أكثر من نصف العائلة شهداء

من بين 22 وجهاً ملؤوا الإطار، غاب 13، معظمهم من حملة الشهادات العليا الذين استشهدوا في استهدافات متتابعة طالت العائلة خلال حرب الإبادة التي قُتل فيها أكثر من 80 شهيداً.

وبينما كانت العائلة تتجمع في صورة واحدة، يتجمع ما تبقّى منها اليوم في عزاء شقيقهم بهاء بارود الذي استشهد قبل أيام في استهداف إسرائيلي، تاركاً العائلة في عيد يبدأ بعزائه، ويكتمل في المستشفى الذي لا يزال يرقد فيه ابنه المصاب.

يقول ولاء للجزيرة نت "لم تتوقف الحرب عن التهام أحبتنا، ولم نتوقع أبداً أن نفتح عزاء في هدنة"، ويختم: "نحن عالقون بين زمنين وغارقون في الذكريات الموجعة".

مصدر الصورة المسنة شمعة الزوربتلي أرملة تقضي العيد على الرصيف مع ابنتها بلا أضاح أو شعائر (الجزيرة)

لا ننتظر المناسبات

وبينما يعيش ولاء وعائلته الفقد في عزاء، تعيش الحاجة شمعة الزوربتلي فقدها في خيمة صغيرة على الرصيف، لا يحجبها عن المارة سوى قطعة قماش معلّقة، وقد اجتمع عليها فقد الزوج والبيت معاً. سألتها الجزيرة نت عن أجواء العيد، فبدت وكأنها تسمع السؤال للمرة الأولى، وقالت بتعجب: "العيد لا يدخل الخيام يا بنتي".

فهي معزولة داخل خيمتها بلا كهرباء ولا هاتف ولا تلفاز ولا إنترنت، حتى أنها لا تعرف الأيام أو تترقب المناسبات.

عرضتْ عليها مراسلة الجزيرة نت مقطعاً مصوراً لحجاج بيت الله الحرام وهم يؤدّون المناسك، لم تستطع حبس دمعها ثم قالت: "لم أدخل بيت الله يوماً.. أمنيتي أن أحج!". ثم استدركت على ما قالته: "لكن أي حج هذا وأنا مش لاقية آكل!".

إعلان

تستعيد السبعينية تفاصيل عيدها في حي الشجاعية، حين كانت في مثل هذه الأيام تتردد إلى السوق لكسوة الأحفاد وجلب الحلوى وصناعة الكعك، لكنها اليوم تصفه بأنه "عيد الشهداء، حيث يمر بلا بهجة وبفائض من الفقد والحزن".

تشير إلى حذائها المهترئ، ثم تمسك بثوبها البالي وتقول: "ما عندي غيره سوى واحد، أغسله ثم أرتدي الآخر".

مصدر الصورة محمد عبيد يستقبل العيد وحيداً في خيمته، بعد أن أفقدته الحرب زوجته وقدميه ومنزله في حيّ الشجاعية (الجزيرة)

"طحنتنا الحرب"

في الخيمة التي تجاورها، يجلس العجوز محمد عبيد على كرسي متحرك عند مدخل خيمته المنصوبة على الرصيف أيضاً، بقدميه المبتورتين وجسده المثقل بالكبر والمرض، يحمل بين يديه مصحفاً يملأ وقته بقراءته.

يفتتح حديثه للجزيرة نت بقوله: "كنتُ عزيزاً، أملك بيتاً من أربعة طوابق في حي الشجاعية، وأتحرك بين الناس بثقة رجل اعتاد الوفرة".

لكن تغيّر كل شيء حيث استشهدت زوجته، وبُتِرت قدماه، وأصبح يقيم داخل خيمة لم يكن يتخيّل يوماً أن تكون آخر ما تبقّى من حياته.

يقول: "العيد اليوم مثل أي يوم، لا شيء يختلف" ثم يتحسس مكان قدميه ويقول بحنق: "لقد طحنتنا الحرب، كنت أذبح الأضاحي وأوزّعها على الجيران في الشجاعية، اليوم الناس هي التي توزّع وتتصدق عليّ".

مصدر الصورة حرب الإبادة طالت أغلب رؤوس الماشية في غزة (الجزيرة)

لا أضاحي هذا العيد

لكن هذا التحول من ذبح الأضاحي إلى غيابها لا يتوقف عند الأفراد فقط، بل يمتد إلى انهيار منظومة كاملة كانت تُدار عبر المؤسسات والجمعيات الخيرية.

يقول منسق مشاريع الأضاحي في مؤسسة "رؤية" الخيرية كرم خالد للجزيرة نت إن موسم الأضاحي في غزة هذا العام متوقف بالكامل، مع إغلاق المعابر وشحّ المواشي وارتفاع أسعارها بشكل جنوني وغير مسبوق.

ويشير إلى أن المؤسسة قبل الحرب كانت تذبح في كل موسم ما بين 300 و400 رأس من العجول والخراف، قبل أن يتراجع العدد بشكل حاد خلال الحرب، ثم إلى توقّف شبه تام هذا العام.

ويضيف أن سعر الخروف داخل السوق المحلي قفز إلى ما بين 4500 و6000 دولار، مقارنة بنحو 350 دولاراً قبل الحرب، وهو ما جعل تنفيذ الأضاحي بالطريقة التقليدية أمراً خارج القدرة المالية للمؤسسات والمواطنين معاً.

ويؤكد أن إغلاق المعابر وتقييد التحويلات المالية القادمة من الخارج زاد من تعقيد المشهد، وأدى إلى تعطّل جزء كبير من مشاريع التبرعات المرتبطة بالأضاحي.

مصدر الصورة أسواق غزة تستقبل عيد الأضحى بأجواء خافتة وحركة شراء محدودة مقارنة بأعوام ما قبل الإبادة (الجزيرة)

لحوم مجمدة

أمام هذا الواقع، تقول المؤسسة إنها اتجهت إلى بديل اضطراري يتمثل في توزيع اللحوم المجمدة بدل الأضاحي الحية، رغم ارتفاع تكلفتها، حيث جرى تخصيص نحو 10 أطنان من اللحوم لتوزيعها على الأسر خلال أيام العيد، في محاولة لتخفيف غياب شعيرة الأضحية.

ويُترجم هذا الانهيار في منظومة الأضاحي مباشرة إلى واقع السوق، حيث تغيّرت أنماط الشراء هذا الموسم بشكل واضح، لصالح اللحوم المجمدة والمبردة بدل الأضاحي الحية التي باتت خارج القدرة الشرائية لمعظم العائلات.

في السوق، يوضح تاجر اللحوم محمد النجار للجزيرة نت أن الإقبال على الأضاحي الحية تراجع بشكل كبير، مقابل اعتماد متزايد من قبل المؤسسات والجمعيات على اللحوم المجمدة كمصدر بديل للتوزيع خلال العيد.

إعلان

ويشير إلى أن نحو 80% من اللحوم المجمدة المتوفرة في السوق مصدرها إسرائيل، وغالباً ما تكون من منشأ أرجنتيني أو أوروغوياني، بينما يأتي نحو 20% من مصر على شكل قطع كبيرة قد تصل إلى 5 كيلوغرامات، وتعود أصولها في الغالب إلى البرازيل.

ويؤكد أن الأضاحي الحية أصبحت شبه غائبة عن المشهد، بعدما وصل سعر كيلو الخروف الواحد إلى نحو 300 شيكل (نحو 100 دولار)، ما دفع معظم الجهات إلى شراء كميات كبيرة من اللحوم المجمدة بدلاً منها.

انحسار الاستعدادات

وفي موازاة تراجع الأضاحي، ينعكس المشهد ذاته على حركة الأسواق التي بدت هذا الموسم أكثر خفوتاً من أي وقت مضى، مع تراجع واضح في القدرة الشرائية لدى المواطنين، وانحسار مظاهر الاستعدادات التقليدية للعيد.

وفي جولة للجزيرة نت في أسواق غزة كان واضحاً أن إقبال الناس على الشراء هذا العام ضعيف جداً مقارنة بالسنوات السابقة، إذ يكتفي كثير من الأهالي بالحد الأدنى من الاحتياجات، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وشحّ السيولة.

يقول التاجر أمجد أكرم وهو صاحب محل لبيع الملابس المخصصة للأطفال في حي الرمال: "إن إدخال البضائع إلى قطاع غزة أصبح مكلفاً بشكل غير مسبوق، ما انعكس مباشرة على أسعار الملابس في الأسواق".

وفي تفاصيل ذلك أوضح أن تكلفة الشحن ارتفعت إلى نحو 8 أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، إذ كانت تكلفة شحن كرتونة الملابس الواحدة لا تتجاوز 250 شيكلاً (نحو 85 دولاراً أمريكياً)، بينما وصلت اليوم إلى نحو 2000 شيكل (نحو 670 دولاراً أمريكياً)، وهو ما يرفع أسعار البيع بشكل كبير في السوق المحلي.

مصدر الصورة نساء في مخيمات النزوح يحاولن صناعة أجواء لاستقبال العيد من خلال عمل الكعك(الجزيرة)

صدمة الأسعار

ويشير أكرم إلى أن القدرة الشرائية لدى المواطنين تراجعت بشكل حاد، في ظل أولويات مختلفة باتت تتركز على تأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية أكثر من شراء الملابس.

ويقول إن هذا الموسم يختلف تماماً عن المواسم السابقة، إذ يدخل الزبائن للاستفسار عن الأسعار فقط، ثم يغادرون في حالة صدمة من الارتفاع، دون إتمام عمليات الشراء.

وهكذا يمرّ عيد الأضحى الأول منذ وقف إطلاق النار في غزة، بلا مشهد واحد مكتمل للفرح، ولا تفصيل واحد يُنبّه إلى قدوم العيد، سوى أصوات التكبيرات التي تنبعث من مخيمات اللجوء أو من سيارات تجوب شوارع المدينة بمكبّرات الصوت.

أما عدا ذلك، فالناس غرقى في فقر مدقع وفقد لا يتوقف، وفي محاولاتهم الشاقة لترميم حياة محطّمة، أبادت إسرائيل ملامحها على مدار عامين كاملين.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا