أعلن المسؤولون في البيت الأبيض أن كيفن وارش سيؤدي اليمين الدستورية رئيسا لمجلس الاحتياط الفدرالي (البنك المركزي الأمريكي) أمام الرئيس دونالد ترمب يوم الجمعة (22 مايو/أيار 2026)، وذلك بعد أن صادق مجلس الشيوخ على تعيينه رسميا بأغلبية ضيقة، عكست بصورة واضحة الانقسام الحزبي الأكبر في تاريخ التعيينات لهذه المؤسسة النقدية الضخمة، التي يصفها البعض بأنها البنك المركزي للبنوك المركزية الكبرى حول العالم.
وانتهت ولاية جيروم باول كرئيس للبنك الفدرالي رسميا يوم الجمعة الماضي (15 مايو/أيار 2026)، ولكن مسيرته مع البنك لم تنتهِ، حيث تم تعيينه رئيسا مؤقتا لتصريف الأعمال وإدارة البنك الفدرالي حتى يسلم الشعلة رسميا إلى وارش يوم الجمعة.
وعلى غير عادة الرؤساء السابقين، صرح باول بأنه لن يغادر البنك؛ موضحا أنه سيمارس حقه القانوني في البقاء كعضو داخل مجلس محافظي البنك الفدرالي حتى تنتهي ولايته بالمجلس رسميا في يناير/كانون الثاني 2028.
وأكد باول أن بقاءه كعضو يهدف لحماية استقلالية البنك المركزي، ولحين انتهاء التحقيقات الجنائية التي فتحتها إدارة ترمب ضده بشكل كامل، إلا أن بعض المحللين أوضحوا أن خطوة رئيس البنك المنتهية ولايته تهدف لتأخير تعيين بديل، سيكون على الأرجح "متماشيا" مع رغبات ترمب، والتي وقف لها باول كثيرا بالمرصاد.
ويواجه رئيس مجلس الاحتياط الفدرالي الجديد، كيفن وارش، اختبارا اقتصاديا وجيوسياسيا معقدا فور تسلمه منصبه، إذ تتشابك وعوده السابقة مع معطيات الصراع العسكري المستمر مع إيران، لتلقي بظلالها مباشرة على الأسواق والسياسات النقدية في العالم العربي، ومنطقة الخليج.
وقبل ترشيح ترمب لوارش، كان الأخير يُعرف برؤيته المؤيدة لخفض أسعار الفائدة، خاصة بعد تقديمه نظرية اقتصادية تقوم على أن طفرة "الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي" كفيلة بكبح جماح التضخم بشكل طبيعي، مما يسمح للفدرالي بخفض الفائدة بقوة، دون القلق من اشتعال الأسعار.
ولكن الخطط "الترمبية الوارشية" الرامية لخفض الفائدة بعد الإطاحة بباول مباشرة تبخرت بعد بدء الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، حيث قفزت أسعار النفط فوق 110 دولارات للبرميل في أكثر من مناسبة، خاصة مع تعقد أمور الملاحة داخل مضيق هرمز، بالإضافة إلى تعطل الإنتاج في المنشآت النفطية في بعض كبرى الدول المصدرة للنفط في المنطقة.
وأدى هذا المشهد، بالتزامن مع الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، إلى دفع التضخم الأمريكي للصعود مجددا إلى 3.8%، أي ما يقارب ضعف مستهدف الفدرالي البالغ 2%.
ومع تبدل الأحوال، اضطر وارش لتغيير خطابه؛ ورغم ميله الفكري لخفض الفائدة، واستخدام العديد من أدوات التيسير الكمي، تشير توقعات خبراء "وول ستريت" إلى أنه سيُبقي على أسعار الفائدة ثابتة ومقيدة عند مستواها الحالي بين 3.50% و3.75% دون أي خفض خلال عام 2026، بل تزداد احتمالات اضطراره لرفع الفائدة لاحقا إذا واصل التضخم اشتعاله.
ونظرا لربط الكثير من دول المنطقة والعالم عملاتها بالدولار الأمريكي، فإن ثمة تحديات كثيرة تواجه هذه الدول ومدى قدرتها على إدارة السياسة النقدية بصورة فعالة، الأمر الذي يعني أن أي قرار يتخذه وارش سينتقل تلقائيا إلى أسواق المنطقة عبر عدة قنوات.
وبسبب ربط العملة بالدولار، تضطر البنوك المركزية لرفع أو تثبيت أسعار الفائدة بالتزامن مع قرارات البنك الفدرالي، لمنع خروج رؤوس الأموال، ومحاربة أي ضغوط تضخمية محلية.
ويؤدي استمرار معدلات الفائدة على ارتفاعها لفترات ممتدة إلى بقاء تكلفة الاقتراض للشركات والأفراد في بعض دول المنطقة والخليج مرتفعة، وهو ما قد يؤدي إلى إبطاء نسبي في نمو القطاعات غير النفطية، كالإنشاءات والتطوير العقاري والتمويل.
أيضا تخلق البيئة الحالية مفارقة فريدة لأسواق الخليج؛ فمن ناحية، تحقق الميزانيات الخليجية فوائض مالية ضخمة بفضل ارتفاع أسعار النفط الناجم عن استمرار الحرب، وتوقف إمدادات مضيق هرمز.
ومن ناحية أخرى فإن الفائدة المرتفعة التي سيبقي عليها "وارش" تسحب السيولة من أسواق الأسهم المحلية لصالح السندات والودائع البنكية الآمنة ذات العوائد المرتفعة، مما يحد من المكاسب القياسية لأسواق المال (البورصات) العربية.
وأدى الاضطراب الاقتصادي الإقليمي الناجم عن حرب إيران إلى زيادة التكلفة التشغيلية للتجارة ومخاطر الشحن البحري. ودفع هذا الوضع بعض القوى الاقتصادية الكبرى بالمنطقة، للسعي للحصول على خطوط مقايضة مباشرة وعاجلة للدولار (Swap Lines) من الفدرالي الأمريكي؛ لضمان استمرار التدفقات النقدية والسيولة النقدية الأجنبية بالأسواق في ظل حالة عدم اليقين العسكري.
ولم يقتصر التأثير الاقتصادي السلبي للحرب على دول الخليج الغنية، إذ ربما تكون الدول العربية غير النفطية، بين أكبر المتضررين اقتصاديا من سياسات وارش المتريثة في ظل الحرب.
ومع الأخذ في الاعتبار أن استمرار ارتفاع الفائدة الأمريكية يعطل عودة "الأموال الساخنة" والاستثمارات الأجنبية إلى السندات المحلية للدول العربية، تزداد صعوبة استدامة ديون هذه الدول الخارجية، في وقت تزداد فيه كلفة فاتورة استيراد الطاقة، ويتصاعد ضغط النقد الأجنبي لديها، في أثر مباشر ومتوقع لارتفاع أسعار النفط العالمية الناتج عن المواجهات المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط.
لم تأت رياح "مضيق هرمز" بما اشتهت السفن دول المنطقة، وكان أبرز انعكاساتها السلبية اقتصاديا. وبعد أن غلبت التوقعات المتفائلة بخفض الفائدة قبل شهور، وبينما كانت الاقتصادات المحلية ترتب أوراقها على هبوط ناعم لتكلفة الاقتراض، تأتي سياسات "وارش" المتريثة لتجد البنوك المركزية العربية نفسها مجبرة مرة أخرى على مجاراة البنك الفدرالي والتمسك بالفائدة المرتفعة، وإن كرهت، عملا بالمبدأ القائل: "حشرٌ مع الناس عيد".
لن يكون أمام المقترض أو المستثمر العربي اليوم سوى تأجيل خطط التوسع التمويلي الكبرى حتى تتضح الرؤية الجيوسياسية.
وإلى أن يقرر الفدرالي الأمريكي فك عقدة الفائدة وإضاءة الضوء الأخضر، يتعين علينا جميعا أن نتذكر أن ضغط المصاريف وترشيد الإنفاق هما الملاذ الآمن؛ وكما يقول المصريون فإن "القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود"، خاصة إذا كان ذلك اليوم مليئا بأخبار ناقلات النفط، وتغريدات ساكن البيت الأبيض!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة