منذ عقود، ارتبط مضيق هرمز في المخيلة العالمية بالنفط، وبالسؤال المتكرر عما إذا كانت إيران قادرة على تهديد تدفق الطاقة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم. لكن طهران تلوّح الآن بورقة ضغط أكثر ارتباطا بالاقتصاد الحديث: الكابلات البحرية التي تحمل حركة الإنترنت والبيانات المالية والخدمات السحابية بين آسيا وأوروبا والخليج.
فمع تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، طرح مسؤولون ومشرعون إيرانيون فكرة فرض رسوم على كابلات الإنترنت البحرية التي تمر عبر أعماق مضيق هرمز. ولم تدخل الفكرة حتى الآن حيز التنفيذ، لكنها تكشف اتجاها في الخطاب الإيراني نحو توسيع مفهوم “السيادة” على المضيق من ناقلات النفط والسفن التجارية إلى البنية التحتية الرقمية العابرة للحدود.
وتكمن أهمية هذا التهديد في أن الكابلات البحرية هي العمود الفقري للاتصالات الحديثة، إذ تنقل ما يقارب 99 في المئة من حركة الإنترنت العالمية، بحسب الاتحاد الدولي للاتصالات التابع للأمم المتحدة. فهي تربط المصارف ومراكز البيانات والحكومات وشركات الطاقة والاتصالات. وأي محاولة لفرض رسوم عليها أو تعطيل صيانتها أو إخضاعها للضغط السياسي قد تفتح جبهة جديدة في صراع هرمز، لا يكون النفط وحده مركزها، بل تدفق البيانات نفسه.
وقال المتحدث العسكري الإيراني إبراهيم ذو الفقاري، في منشور على منصة إكس ، إن بلاده تعتزم فرض رسوم على كابلات الإنترنت البحرية. وقدّر مصطفى طاهري، عضو لجنة الصناعات في البرلمان الإيراني، العائدات المحتملة من هذه الرسوم بما يصل إلى 15 مليار دولار سنويا.
وأشارت تقارير نشرتها وكالتا “تسنيم” و”فارس” الإيرانيتان، منتصف أبريل، إلى إمكانية مراقبة تدفقات البيانات عبر هذه الشبكات البحرية، في تصعيد لفظي ينقل النقاش من رسوم محتملة إلى سؤال أكثر حساسية: هل تستطيع إيران فعلا التأثير في حركة البيانات العابرة للمضيق؟
ولا توجد حتى الآن مؤشرات على أن شركات تشغيل الكابلات أو دول الخليج بدأت دفع رسوم من هذا النوع. لكن مجرد طرح الفكرة، حسبما يرى خبراء تحدثوا لـ”الحرة”، يضع الحكومات الخليجية وشركات الاتصالات أمام احتمال جديد، وهو أن يصبح أمن الإنترنت جزءا من معادلة الردع في مضيق هرمز، إلى جانب أمن الطاقة والملاحة.
وتُظهر خريطة الكابلات البحرية في المنطقة خطورة التهديد. فمضيق هرمز لا يربط الخليج ببحر عُمان كممر للطاقة فحسب، بل تمر عبره أو قربه شبكات اتصالات تصل دول الخليج بجنوب آسيا وأوروبا وشرق أفريقيا، بينها كابلات مثل AAE-1 وشبكة فالكون، إضافة إلى مشاريع جديدة تعمل شركات خليجية على تطويرها.
وأي اضطراب في هذه الشبكات لن يكون محليا بالكامل. فالبيانات التي تعبرها تخص مصارف وشركات طاقة ومنصات تجارة وخدمات حكومية ومراكز بيانات في أكثر من بلد. وقد يظهر الأثر في صورة بطء في الخدمات الرقمية، أو اضطراب في بعض المعاملات العابرة للحدود، أو ارتفاع في تكلفة تشغيل شبكات الاتصالات إذا اضطرت الشركات إلى إعادة توجيه حركة البيانات عبر مسارات بديلة.
لكن تحويل هذه الورقة إلى أداة ضغط فعلية ليس أمرا سهلا. فالكابلات البحرية تملكها وتديرها عادة اتحادات من شركات دولية وإقليمية، وتخضع مساراتها واتفاقات تشغيلها وصيانتها لترتيبات قانونية وتجارية معقدة. لذلك، فإن أي محاولة إيرانية لفرض رسوم مباشرة أو مراقبة حركة البيانات أو تعطيل الصيانة ستواجه على الأرجح اعتراضات قانونية ودبلوماسية واسعة، خصوصا من دول الخليج التي قد ترى في الخطوة محاولة لفرض سيادة إيرانية على ممر دولي.
ويرى خبراء تحدثوا لـ”الحرة” أن قبول دول الخليج بدفع رسوم على الكابلات البحرية يبدو مستبعدا، لأنه قد يمنح إيران سابقة على بنية رقمية ترتبط مباشرة بالمصارف والطاقة والاتصالات والأنظمة الحكومية.
وبحسب هؤلاء الخبراء، فإن الرد الخليجي المرجح سيكون قانونيا ودبلوماسيا وأمنيا، من خلال الاعتراض على أي إجراء من هذا النوع، وتعزيز حماية البنية البحرية، وتسريع البحث عن مسارات بديلة للكابلات.
ويقول الكاتب والمحلل السياسي، فيصل الشمري، إن السيناريو الأكثر ترجيحا لا يتمثل في قطع الكابلات بشكل مباشر، بل في استخدام ما يسميه “الضغط الرمادي”، مثل تعطيل أعمال الصيانة أو مضايقة سفن الإصلاح أو الضغط على الشركات المشغلة.
وهذا النوع من التصعيد، بحسب الشمري، قد لا يرقى إلى مواجهة عسكرية، لكنه قادر على إرباك الأسواق ورفع كلفة التأمين والتشغيل. وتختلف ورقة الكابلات عن ورقة النفط. فالنفط سلعة تملكها الدول وتتحكم في إنتاجها وتصديرها، أما الكابلات البحرية فهي شبكة دولية مترابطة، تمتد عبر حدود ومياه وموانئ وشركات متعددة. لذلك، فإن أي اضطراب واسع فيها لن يطال دولة واحدة، بل قد ينعكس على دول الخليج وإيران والأسواق العالمية في الوقت نفسه.
ويقول أمجد أرناؤوط، مؤسس شركة MarkCognition المتخصصة في حلول الذكاء الاصطناعي، إن الخطر العملي يبدأ إذا انتقل الخطاب من التهديد السياسي إلى إجراءات تمس الصيانة أو حركة سفن الإصلاح. ففي هذه الحالة، قد تضطر شركات الاتصالات إلى إعادة توجيه حركة البيانات عبر مسارات بديلة وشراء سعات إضافية بتكاليف أعلى.
وقد يمتد الأثر، بحسب أرناؤوط، إلى المصارف والجهات الحكومية والشركات التي تعتمد على مراكز بيانات خارجية أو خدمات سحابية عابرة للحدود. أما المستخدم العادي، فقد لا يواجه انقطاعا كاملا للإنترنت، بل بطئا في تصفح المواقع الدولية، وتراجعا في جودة مكالمات الفيديو، واضطرابا في بعض منصات البث والتطبيقات التي تعتمد على خوادم خارج المنطقة.
ويرى الخبير الاقتصادي، خلفان الطوقي، أن فرض رسوم على الكابلات البحرية يبدو صعب التطبيق من الناحية العملية، بسبب كثافة الشبكات العابرة للمنطقة وتشابك ملكيتها وتشغيلها. ويشير إلى أن سلطنة عمان وحدها ترتبط بنحو 20 كابلا بحريا، إلى جانب الكابلات المرتبطة ببقية دول الخليج والمسارات العابرة للبحر الأحمر.
لكن الطوقي يقول إن المشكلة لا تتعلق بإمكان التطبيق فقط، بل بما قد يعنيه ذلك سياسيا وقانونيا. ففرض رسوم أو قيود على بنية تحتية تمر قرب مضيق هرمز قد يُفسر، وفق تقديره، على أنه محاولة لفرض سيطرة على ممر مائي دولي، ما قد يفتح أزمات أوسع من ملف الاتصالات نفسه.
وإذا تحولت التهديدات إلى إجراءات فعلية، يرى الخبراء أن قطاعات الاتصالات والمصارف والخدمات الحكومية واللوجستيات والتجارة الإلكترونية قد تكون بين الأكثر تعرضا للضغط. وقد ترتفع التكاليف التشغيلية على شركات الاتصالات ومزودي الخدمات، قبل أن تنتقل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى الشركات والمستهلكين.
أما قطاع الطاقة، فيقول أرناؤوط إن عملياته الأساسية لن تتوقف على الأرجح بسبب اضطراب في كابلات الإنترنت، لأن الأنظمة الحيوية تعتمد عادة على شبكات خاصة ومحمية. لكن تبادل البيانات التجارية والتشغيلية، والتنسيق مع الأسواق والشركات الدولية، قد يتأثر إذا شهدت المنطقة اضطرابا واسعا في الاتصال.
وبذلك، فإن دول الخليج، حتى لو رفضت دفع أي رسوم، قد تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع التهديد بوصفه مؤشرا على هشاشة أوسع في البنية الرقمية العابرة للحدود. فالمنطقة التي بنت جزءا من قوتها الاقتصادية على موقعها الجغرافي وموانئها ومراكزها المالية، تواجه الآن سؤالا جديدا: هل يمكن أن يصبح الموقع ذاته مصدر تعرض رقمي؟
ويرى الخبراء أن ذلك قد يدفع الحكومات الخليجية إلى تسريع خطط تنويع مسارات الكابلات البحرية، وزيادة نقاط الهبوط، وتوسيع مراكز البيانات المحلية والإقليمية، وتعزيز الروابط البرية، بحيث لا تعتمد حركة البيانات على ممر استراتيجي واحد، مهما كانت أهميته.
وفي هذا السياق، يطرح البعض سؤالا عن إمكان أن توفر خدمات الإنترنت الفضائي، مثل “ستارلينك”، بديلا في حال تعرضت الكابلات البحرية لضغط أو اضطراب. لكن الخبراء يرون أن هذا الاحتمال محدود.
فخدمات الإنترنت الفضائي قد تكون مفيدة في الطوارئ، أو لربط مواقع حساسة ومراكز عمليات وسفن وفرق ميدانية، لكنها لا تستطيع أن تحمل وحدها الحجم الهائل من البيانات الذي تعبره الكابلات البحرية يوميا بين البنوك والحكومات ومراكز البيانات وشركات الاتصالات وملايين المستخدمين.
ويقول أرناؤوط إن الدور الحقيقي لهذه الخدمات هو منع العزلة الكاملة في حالات الأزمات، لا استبدال البنية البحرية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي. فالكابلات البحرية صممت لنقل كميات ضخمة ومستقرة من البيانات بين القارات، بينما تبقى خدمات الإنترنت الفضائي طبقة دعم إضافية، لا بديلا مباشرا.
لذلك، فإن النقاش الذي فتحته إيران لا يتعلق بستارلينك ولا برسوم مفترضة وحدها. إنه يتعلق بتحول أوسع في طبيعة الصراع حول هرمز. فالمضيق الذي يعتبر شريانا للطاقة، يبدو الآن جزءا من معركة أشمل على البيانات والبنية التحتية الرقمية والسيادة في عالم مترابط.
وبينما تقدم إيران طرحها باعتباره دفاعا عن حقوقها وسيادتها، ترى دول الخليج وشركات الاتصالات أن أي محاولة لفرض رسوم أو قيود على الكابلات البحرية قد تعني إدخال الإنترنت نفسه في لعبة الضغط الجيوسياسي. وبذلك، لا يعود السؤال مقتصرا على احتمال تهديد ناقلات النفط في مضيق هرمز، بل يمتد إلى ما إذا كان تدفق البيانات عبره قد يصبح جزءا من الصراع.
المصدر:
الحرة