في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في تصعيد يعكس حجم التوتر المتنامي بين واشنطن وطهران، رسمت حلقة "نقاش الساعة" على شاشة الجزيرة مشهداً إقليمياً شديد التعقيد، بدا فيه الشرق الأوسط واقفاً على حافة جولة حرب جديدة قد تمتد من إيران إلى غزة ولبنان والخليج.
وبين تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن "عقارب الساعة تدق" وأن إيران "لن يتبقى منها شيء" إذا لم تقدم تنازلات سريعة، وتحذيرات الضيوف من أن أي مواجهة مقبلة ستكون "أكثر تدميراً وطحناً" من سابقاتها، انشغل النقاش بمحاولة الإجابة عن سؤال واحد: هل ما زالت المنطقة أمام فرصة للتفاوض، أم أن الحرب أصبحت أقرب من أي وقت مضى؟
مقدم البرنامج عبد القادر عياض افتتح الحلقة بالتأكيد أن المنطقة تعيش مرحلة عد تنازلي تتصاعد فيها التهديدات الأمريكية بالتوازي مع تبادل الرسائل غير المباشرة بين طهران وواشنطن عبر وسطاء إقليميين، بينما تستغل إسرائيل – بحسب ما طرح في النقاش – هذا المناخ لتوسيع عملياتها العسكرية في غزة ولبنان وربطها بالمواجهة مع إيران.
السفير الأمريكي السابق جوي هود رأى أن رسائل ترمب الأخيرة ليست موجهة إلى إيران بقدر ما هي موجهة إلى الصين وروسيا، باعتبارهما الطرفين القادرين على المساعدة في حل المعضلة النووية الإيرانية.
واعتبر أن واشنطن تريد من بكين وموسكو الضغط على طهران للتخلص من اليورانيوم عالي التخصيب، بما يسمح للطرفين الأمريكي والإيراني بالخروج بصيغة لا غالب ولا مغلوب.
وبحسب هود، فإن الرئيس الأمريكي يسعى إلى تحقيق سردية انتصار تمكنه من القول إنه منع إيران من امتلاك قدرات نووية، في حين تستطيع طهران الادعاء بأنها لم تستسلم بالكامل. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الخيارات العسكرية الأمريكية لم تستنفد بعد، مؤكداً أن الولايات المتحدة لم تستخدم كامل قوتها العسكرية حتى الآن، وأن التصعيد لا يزال ممكناً.
في المقابل، اعتبر محجوب الزويري، الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط، أن البحث عن الحل في مواقف واشنطن أو طهران وحدهما بحث في المكان الخطأ، مشيراً إلى أن الأزمة تعكس صداماً بين مدرستين متناقضتين:
وأوضح الزويري أن الإيرانيين ينظرون إلى العقوبات الاقتصادية باعتبارها التهديد الأكبر، وربما أخطر من العمل العسكري نفسه، لأن اليوم التالي لأي حرب يجب – من وجهة نظرهم – أن يكون خالياً من العقوبات كي تستطيع الدولة إعادة الإعمار ومعالجة تداعيات الحرب داخلياً. لذلك، فإن طهران ترفض أي اتفاق لا يضمن رفعاً حقيقياً للعقوبات، معتبرة أن أي اتفاق لا يحقق ذلك سيكون بمثابة هزيمة سياسية واقتصادية.
أما الدكتور حسن أحمديان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران، فذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن الرسائل الأمريكية الأخيرة تحمل مضموناً "استسلامياً" بالنسبة لإيران، وأن طهران ترى أن أي تراجع أمام إدارة ترمب سيؤدي إلى تآكل تدريجي لسيادتها.
وأشار أحمديان إلى أن الوقت لا يعمل ضد إيران كما يعتقد البعض، بل ضد الولايات المتحدة، مستدلاً بتصاعد الضغوط الأمريكية ومحاولات حشد الصين وروسيا والتهديد المستمر بالحرب.
وبرأيه، فإن واشنطن تدرك أن الرد الإيراني المحتمل هو ما يقيد خياراتها العسكرية، ولذلك لم تقدم حتى الآن على تنفيذ تهديداتها القصوى.
وأكد أحمديان أن الحرب لم تتوقف أساساً، بل تحولت إلى أشكال متعددة من الضغوط الاقتصادية والأمنية والاستخباراتية، مضيفاً أن أي مواجهة عسكرية جديدة ستكون "أكثر طحناً" من السابقة، وأن طهران لن تتعامل معها بالمنطق نفسه الذي حكم الجولات الماضية.
لقاء مكي الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات، بدا أكثر تشاؤماً، إذ اعتبر أن جولة جديدة من الحرب حتمية، بسبب الهوة الواسعة بين مطالب الطرفين وعدم قدرة الوسطاء – بمن فيهم الباكستانيون والصينيون – على ردمها.
وقال إن إيران تدرك منذ البداية أن الحرب ستعود، ولذلك كثفت تهديداتها خلال الأشهر الماضية، موضحاً أن طهران تخشى أن يؤدي تسليم اليورانيوم عالي التخصيب إلى فتح الباب أمام هجوم أمريكي أكبر في المستقبل، وربما تدخل بري مباشر.
ولفت مكي إلى أن إدارة ترمب تتعرض لانتقادات داخلية متزايدة بعد ما وصفه البعض في الإعلام الأمريكي بـ"الفشل" في التعامل مع الصين وإيران، ما يدفع الرئيس الأمريكي – بحسب رأيه – إلى محاولة استعادة هيبة الردع الأمريكي عبر تصعيد جديد قد يكون أكثر شراسة.
وفي السياق ذاته، رأى وسام سعادة أستاذ الفكر السياسي، أن إيران تتصرف على أساس أن أي حرب مقبلة لن تختلف كثيراً عن سابقاتها، وأن واشنطن وتل أبيب لن تتمكنا من تحقيق ما عجزتا عن تحقيقه في الجولات الماضية، وهو ما يجعل طهران أقل استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية.
لكن سعادة حذر من أن هذا الجمود في المفاوضات قد يقود فعلاً إلى الحرب، خصوصاً مع تزايد الضغوط الإسرائيلية على الإدارة الأمريكية للتحرك سريعاً ضد إيران.
العميد إلياس حنا الخبير العسكري والاستراتيجي، اعتبر أن الولايات المتحدة لم تعد القوة المنفردة المهيمنة على العالم، بل أصبحت الصين لاعباً رئيسياً يفرض توازناً جديداً في النظام الدولي.
وأشار إلى أن الحرب الأخيرة أظهرت حدود القوة الأمريكية، وأثبتت أن الدول الأضعف قادرة على الصمود لفترات طويلة، مؤكداً أن شكل الحروب المستقبلية سيتغير بالكامل نتيجة تطور تقنيات الطائرات المسيرة والحروب غير التقليدية.
كما كشف أن إيران استعدت لأي سيناريو بري محتمل عبر توزيع آلاف المسيرات داخل أراضيها، مشيراً إلى أن الذهاب إلى الحرب يفرض على ترمب تحقيق نصر فعلي هذه المرة، وهو أمر بالغ الصعوبة.
النقاش توسع أيضاً إلى احتمال استخدام أسلحة غير تقليدية، بعدما أثار بعض الضيوف مسألة السلاح النووي التكتيكي واحتمال لجوء واشنطن إليه إذا فشلت الخيارات التقليدية.
السفير جوي هود أكد أن الرئيس الأمريكي سبق أن نفى نيته استخدام السلاح النووي، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن ترمب معروف بتناقض تصريحاته، وأن هناك خيارات كثيرة بين الوضع الحالي واستخدام السلاح النووي.
أما أحمديان، فاعتبر أن لدى إيران وسائل ردع تمنع الولايات المتحدة من الذهاب إلى هذا الخيار، ملمحاً إلى امتلاك طهران أسلحة لم تستخدمها بعد، وفق ما قاله مسؤولون إيرانيون سابقاً.
في المقابل، رأى العميد إلياس حنا أن استخدام السلاح النووي تحكمه آليات معقدة للغاية داخل المؤسسة الأمريكية، وأن اللجوء إليه ليس قراراً سهلاً أو سريعاً، مستشهداً بعدم استخدام روسيا لهذا السلاح خلال الحرب المستمرة مع أوكرانيا منذ أكثر من أربع سنوات.
الحلقة ناقشت كذلك تأثير الحرب المحتملة على الخليج ومضيق هرمز، حيث رأى بعض الضيوف أن إيران قد تلجأ إلى استهداف منشآت الطاقة إذا تعرضت لهجوم جديد، بينما اعتبر آخرون أن دول الخليج باتت تمتلك قدرات دفاعية متطورة تجعلها قادرة على حماية نفسها وربما المشاركة عسكرياً في أي مواجهة واسعة.
وفي محور آخر، ناقش الضيوف العلاقة بين التصعيد ضد إيران وما يجري في غزة ولبنان. وأكد عدد منهم أن إسرائيل تنظر إلى كل هذه الساحات باعتبارها جبهة واحدة بدأت منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتهدف من خلالها إلى إعادة تشكيل المنطقة أمنياً وسياسياً بما يضمن تفوقها الاستراتيجي.
محمد الشرقاوي أستاذ تسوية النزاعات الدولية وعضو لجنة خبراء الأمم المتحدة سابقاً، اعتبر أن إسرائيل فرضت هذه الحروب على المنطقة بأكملها، من غزة إلى لبنان واليمن والعراق وصولاً إلى إيران، بهدف القضاء على كل القوى التي تعتبرها تهديداً لها.
وأضاف أن وجود ترمب في البيت الأبيض منح إسرائيل غطاء غير مسبوق، وجعل الإدارة الأمريكية أكثر انسجاماً مع الرؤية الإسرائيلية تجاه المنطقة.
المصدر:
الجزيرة