غزة- لم تعد المسنة حنان الهمص (65 عاماً) تتابع أو تكترث بما يبث من أخبار حول سفر حجاج غزة هذا العام، بعدما أعلنت الجهات الرسمية الفلسطينية فشل تسيير موسم الحج لسكان القطاع للعام الثالث على التوالي.
ورغم أن الهمص كانت واحدة من قرابة 3000 مواطن وقع عليهم الاختيار ضمن قوائم الحجاج المقرر سفرهم منذ عام 2024، فإن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة وسيطرة جيش الاحتلال على معبر رفح وإغلاقه حال دون سفرهم منذ ذلك الحين.
ومع بدء مغادرة الحجاج الفلسطينيين من محافظات الضفة الغربية المحتلة إلى السعودية، يعيش أهالي غزة مشاعر مضاعفة من الحرمان، وسط مخاوف متزايدة من ضياع أدوار آلاف المسجلين، لا سيما كبار السن والمرضى الذين ينتظرون أداء الفريضة منذ سنوات طويلة، حتى إن العشرات منهم رحلوا عن الدنيا دون أن يحققوا حلمهم ويؤدوا مناسكهم.
تقول الهمص -بينما كانت تجلس في خيمة أقامتها فوق أنقاض منزلها المدمر في شمال قطاع غزة– إن الاحتلال لم يكتفِ بتدمير منزلها فوق رؤوسهم في الأيام الأولى من الحرب وقتل ابنها وتركهم دون مأوى، بل ضاعف إجرامه وعقابه وحرمها من السفر إلى مكة المكرمة لأداء شعيرة الحج المقدسة التي تنتظرها منذ عشرات السنين.
وتشير في حديثها -للجزيرة نت- إلى أنها دأبت على متابعة الجهود المبذولة لحج سكان غزة منذ سيطرة الاحتلال على معبر رفح وإغلاقه في مايو/أيار 2024، لكنها في كل عام كانت تصاب بانتكاسة مع فشل المحاولات أمام الرفض الإسرائيلي.
وتأمل المسنّة أن يحالفها الحظ وبقية المسجلين على قوائم الانتظار، بأن تتهيأ الظروف لزيارة الأراضي السعودية العام القادم وتقضي فرضاً حاولت مراراً، ولكنها لم تستطع إليه سبيلاً حتى الآن.
ورغم إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لم تتمكن وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في غزة من البدء بإجراءات موسم الحج لعام 2026 بسبب استمرار إغلاق معبر رفح، وعدم السماح بالسفر إلا لفئات محدودة من المرضى، كما يقول مدير عام الحج والعمرة في الوزارة، رامي أبو ستيتة.
وأوضح أبو ستيتة -للجزيرة نت- أن ترتيبات موسم الحج تتطلب إجراءات مبكرة ومعقدة، تشمل استئجار مساكن للحجاج في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتوقيع عقود النقل الجوي والبري داخل السعودية ومصر، ولا يمكن إنجازها دون فتح رسمي وواضح للمعبر.
وأشار إلى أن نحو 3 آلاف حاج من غزة كانوا يؤدون مناسك الحج سنوياً، بما يشمل البعثات الإدارية والإرشادية، إلى جانب مكرمة خادم الحرمين الشريفين المخصصة لذوي شهداء القطاع، وتضم 500 حاج.
وفي ضوء منع الاحتلال مغادرة الحجاج، نوّه أبو ستيتة إلى أن حصة غزة من الحج تُمنح حالياً لمواطنين من أبناء القطاع المقيمين في مصر ودول أخرى، فيما تذهب الأعداد المتبقية إلى حجاج الضفة الغربية والقدس.
وبيّن أن آلاف الغزيين كانوا ينتظرون أداء فريضة الحج بشغف كبير، إلا أن الحرب وإغلاق المعابر حرمهم ذلك، موضحاً أن 71 مواطناً من المسجلين والمقبولين للحج توفوا وهم ينتظرون دورهم للسفر، الأمر الذي خلّف آثاراً نفسية صعبة لدى عائلاتهم وذويهم الذين كانوا يأملون أن يؤدوا هذه الرحلة الإيمانية قبل وفاتهم.
وبذلت وزارة الأوقاف خلال السنوات الثلاث الماضية، جهوداً كبيرة لتسيير موسم الحج من قطاع غزة، عبر اتصالات مكثفة أجرتها اللجنة المشتركة للحج والعمرة بالتعاون مع جمعية أصحاب شركات الحج، إضافة إلى توجيه نداءات لعلماء الأمة والمؤسسات ذات العلاقة للتدخل في ملف حجاج غزة، إلا أن جميع تلك الجهود لم تنجح حتى الآن.
والخميس قال المتحدث باسم وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بغزة، أمير أبو العمرين، إن آلاف المواطنين يتطلعون لأداء الفريضة أسوة بالمسلمين في جميع أصقاع الأرض، بعد أن اجتازوا قرعة الحج منذ عام 2013، وانتظروا لسنوات طويلة دورهم لأداء الشعيرة العظيمة.
وأعرب في مؤتمر صحفي -عقدته الوزارة في غزة- عن استنكاره لاستمرار حرمان قرابة 10 آلاف فلسطيني من الحج على مدار الأعوام الثلاثة الأخيرة، مؤكداً أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحق في حرية العبادة الذي تكفله الشرائع السماوية، والقوانين الدولية لحقوق الإنسان.
ودعا أبو العمرين إلى التدخل العاجل من المجتمع الدولي والسعودية ومصر لضمان تمكين حجاج غزة من السفر، والعمل الفوري على فتح المعابر لأغراض إنسانية ودينية بعيداً عن أي اعتبارات سياسية.
من جهته أرجع رئيس جمعية شركات الحج والعمرة في غزة، محمد الأسطل، تعطُّل حج الغزيين هذا العام إلى رفض الاحتلال الإسرائيلي تقديم أي ضمانات تتعلق بخروج الحجاج وعودتهم إلى قطاع غزة.
وأوضح -للجزيرة نت- أن قطاع الحج والعمرة والسياحة والسفر كان من أوائل الجهات التي تعطلت مع بداية الحرب بسبب إغلاق المعابر، حيث تعرض نحو 90% من مكاتب وشركات الحج والعمرة في غزة والبالغة 78 شركة، للتدمير الكامل أو الجزئي جراء العدوان.
ويعتمد نشاط تلك الشركات الرئيسي على موسمي الحج والعمرة وما يتبعهما من خدمات السفر المختلفة، ما جعلها تتعرض لخسائر كبيرة بعد توقف المواسم منذ اندلاع الحرب. وأضاف أن استمرار إغلاق المعابر ووقف المواسم تسبب في فقدان أكثر من 1500 موظف مصدر دخلهم.
وأمام فشل سفر حجاج غزة، لجأت الجهات المعنية إلى خطة بديلة تمثّلت في فتح باب التسجيل أمام أهالي غزة المقيمين في مصر ودول العالم المختلفة، بشرط أن يكونوا من حملة الهوية الفلسطينية ومن سكان القطاع، كما يقول الأسطل، حيث استكمل قرابة 720 حاجاً إجراءات السداد والسفر، بينهم 422 شخصاً يقيمون في مصر، بينما يتوزع باقي الحجاج على دول عدة.
وبحسب الأسطل فإن ضيق الوقت وعدم إمكانية استكمال ترتيبات سفر حجاج القطاع دفع الجهات المختصة إلى تحويل جزء من حصة غزة إلى حجاج الضفة الغربية والقدس مؤقتاً، موضحاً أن نحو 1800 اسم جرى نقلهم هذا العام ضمن اتفاق رسمي يقضي بتعويض قطاع غزة بهذه الأعداد خلال الموسم المقبل، بقرار من لجنة الحج ومجلس الوزراء في رام الله.
والأسبوع الماضي بدأ تفويج حجاج بيت الله الحرام من الضفة الغربية وعددهم نحو 6600 حاج، والقدس وعددهم نحو ألف حاج، وأراضي الـ48 وعددهم نحو 4400 حاج، ووصل بعضهم إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة