في محافظة خوزستان جنوب غربي إيران، لم يعد أحد التجار يبدأ يومه من مكتبه أو مستودعه، بل من الطريق المؤدي إلى مناطق قريبة من الحدود العراقية. هناك، حيث تصل إشارة شبكات الهاتف العراقية، يستخدم شريحة اتصال عراقية لمتابعة زبائنه خارج البلاد، والرد على الرسائل، وتنسيق أعماله التجارية.
يقول التاجر، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، إن انقطاع الإنترنت الدولي جعله عاجزا عن التواصل المنتظم مع عملائه، وإن شراء شريحة عراقية لم يكن خيارا مريحا، بل حلا اضطراريا لتقليل خسائر عمله. فالتجارة مع الخارج، كما يوضح، لا تحتمل انقطاعا طويلا في الرسائل ولا تأخرا في متابعة الأسعار والشحنات.
قصة هذا التاجر تختصر ظاهرة بدأت تتسع في بعض المناطق الحدودية الإيرانية، حيث يلجأ مستخدمون إلى شرائح اتصال عراقية للوصول إلى الإنترنت الدولي عبر مسارات غير رسمية، في ظل استمرار القيود والانقطاعات.
نقل موقع "سيتنا" الإيراني المتخصص في أخبار الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أن مناطق حدودية، لا سيما في خوزستان والمناطق المتاخمة للعراق، تشهد زيادة في بيع شرائح تابعة لمشغلين عراقيين، بينها "زين" ومشغلون آخرون.
وبحسب الموقع، تدخل هذه الشرائح إلى إيران عبر طرق غير رسمية، وتباع بأسعار أعلى من أسعارها المعتادة، مستفيدة من حاجة المستخدمين إلى اتصال خارجي مستقر. وفي بعض النقاط القريبة من الحدود، يستطيع المستخدمون التقاط إشارة الشبكات العراقية من دون عبور الحدود، لتتحول السيارة أو المقهى أو جانب الطريق إلى مكتب مؤقت لمن يحتاج إلى إرسال رسالة أو متابعة عمل.
ولا تبدو هذه السوق مجرد تجارة صغيرة مرتبطة بالمناطق الحدودية، بل مؤشرا على انتقال أزمة الإنترنت من مستوى الاستخدام الفردي إلى مستوى أوسع يمس العمل والمعيشة. فبعدما كان الالتفاف على القيود يتم غالبا عبر تطبيقات كسر الحجب، صار بعض المستخدمين يبحثون عن شبكة بديلة خارج الإطار المحلي نفسه.
تتزامن هذه الظاهرة مع تحذيرات داخلية من الخسائر الاقتصادية لانقطاع الإنترنت. فقد أعلن وزير الاتصالات الإيراني ستار هاشمي أن الخسارة اليومية التي تصيب نواة الاقتصاد الرقمي تبلغ نحو 500 مليار تومان (نحو 2.78 مليون دولار) يوميا، وتشمل أساسا المشغلين والقطاع الشبكي، في حين تصل الخسارة اليومية على مستوى الاقتصاد الكلي إلى نحو 5 آلاف مليار تومان (27.8 مليون دولار).
وباحتساب هذا الرقم على مدى 60 يوما، تصل الخسائر التقديرية إلى نحو 300 ألف مليار تومان (1.67 مليار دولار). كما قال الوزير إن نحو 10 ملايين شخص يعملون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أنشطة مرتبطة بالاقتصاد الرقمي، ما يجعل استمرار الانقطاع تهديدا لمصادر دخل شريحة واسعة من الإيرانيين.
ومن جهة القطاع الخاص، قدّر رئيس لجنة الشركات المعرفية في غرفة تجارة إيران أفشين كلاهي الخسائر المباشرة لانقطاع الإنترنت بما بين 30 و40 مليون دولار يوميا، بينما قد تصل الخسائر غير المباشرة إلى 70 أو 80 مليون دولار يوميا.
واستند الاقتصادي الإيراني موسى غني نجاد إلى هذه الأرقام في افتتاحية بصحيفة "دنياي اقتصاد" أمس الاثنين، معتبرا أن حجب الوصول إلى الإنترنت العالمي لا يسبب خسائر اقتصادية كبيرة فحسب، بل يضر أيضا بالانسجام الوطني. وانتقد غني نجاد الحديث عن "الإنترانت" و"الإنترنت الطبقي"، معتبرا أن ذلك ينتقص من حق الإيرانيين في الوصول إلى المعلومات.
في المقابل، تطرح شرائح الاتصال الأجنبية تحديات واضحة أمام الجهات المنظمة في إيران. فاستخدام خدمات مشغلين خارج الإطار الرسمي المحلي يجعل الرقابة وإدارة حركة البيانات أكثر تعقيدا، وقد يفتح الباب أمام سوق رمادية يصعب ضبط أسعارها ومسارات دخولها.
ويرى خبراء في قطاع الاتصالات أن التعامل مع الظاهرة لا يمكن أن يكون أمنيا أو تنظيميا فقط، لأن جذورها مرتبطة بحاجة عملية لدى المستخدمين. فالتاجر الذي يذهب إلى الحدود لالتقاط إشارة شبكة عراقية لا يبحث بالضرورة عن تحدي السلطات، بل عن استمرار عمله.
وتمنح الجغرافيا الحدودية لخوزستان بعدا خاصا لهذه الظاهرة، إذ يسمح القرب من العراق بالتقاط إشارات بعض الشبكات العراقية في نقاط محددة، ما يجعل الحدود منفذا تقنيا بديلا في لحظة انقطاع.
وبينما لم يتضح بعد كيف ستتعامل الجهات التنظيمية مع اتساع استخدام الشرائح الأجنبية، تكشف الظاهرة عن معادلة بسيطة: كلما طال تعطل الاتصال الرسمي بالعالم، زاد بحث المستخدمين عن بدائل غير رسمية. وفي هذه الحالة، لا يعود الإنترنت خدمة رقمية فحسب، بل شرطا لاستمرار العمل والمعيشة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة