آخر الأخبار

هل يضع قرار ترمب بسحب القوات أوروبا في مواجهة "اليتم الدفاعي"؟

شارك

يحمل قرار الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترمب سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا وزنا أكبر من رقمه. ففي قراءات نشرتها صحف أمريكية وبريطانية، لا يبدو الخفض، قياسا بعشرات آلاف الجنود الأمريكيين المنتشرين في ألمانيا وأوروبا، انقلابا كاملا في خريطة الانتشار العسكري بقدر ما يبدو رسالة سياسية إلى الحلفاء قبل الخصوم.

فالقرار، في رمزيته الأوسع، يعيد أوروبا إلى السؤال الذي ظلت تؤجله منذ نهاية الحرب الباردة: ماذا يبقى من أمن القارة إذا تراجع الضامن الأمريكي، أو لم يعد راغبا في أداء دوره التقليدي بوصفه قوة تردع روسيا، وتطمئن ألمانيا، وتمنع توازنات أوروبا القديمة من الانفلات؟

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 مدمرة أمريكية في مومباي.. كيف استُخدم مقطع قديم لإشعال التوتر مع إيران؟
* list 2 of 3 مالي تعتقل عسكريين بتهم التخطيط والمشاركة في هجمات على عدة مدن
* list 3 of 3 أزمة "الأرض المحصنة".. هل يتغلب الاستنزاف الطويل على الحسم السريع بحرب إيران؟ end of list

وجاء القرار، بحسب ما عرضته وول ستريت جورنال وتايمز ، بعد أيام من تصريحات حادة للمستشار الألماني فريدريش ميرتس انتقد فيها طريقة إدارة واشنطن للحرب مع إيران، قائلا إن الولايات المتحدة تبدو من دون إستراتيجية خروج واضحة، وإن طهران "أهانت" أمريكا في مسار التفاوض.

ولم يتأخر رد ترمب طويلا؛ إذ هاجم ميرتس علنا، ثم لوّح بمراجعة الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا، قبل أن يعلن البنتاغون أن لواء أمريكيا سيُسحب خلال فترة تمتد بين 6 و12 شهرا.

وكما توحي معظم التغطيات الغربية، لم يبد القرار ثمرة مراجعة دفاعية هادئة، بقدر ما بدا عقوبة سياسية لحليف قال علنا ما يردده كثيرون في أوروبا همسا: إن واشنطن في عهد ترمب لم تعد شريكا مضمون السلوك، وأن التزاماتها الدفاعية باتت عرضة للمزاج الرئاسي ولحسابات الغضب والرضا في البيت الأبيض .

رقم صغير ورسالة كبيرة

نظريا، تشير وول ستريت جورنال إلى أن سحب 5 آلاف جندي لا يقلب وحده ميزان القوة في أوروبا. فألمانيا لا تزال تحتضن واحدة من أكبر الشبكات العسكرية الأمريكية خارج الولايات المتحدة، وفي مقدمتها قاعدة رامشتاين، التي تمثل عقدة لوجستية مركزية في عمليات واشنطن من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية. كما أن الرقم يمثل نحو 14 أو 15% فقط من الوجود الأمريكي في ألمانيا، وهو أقل كثيرا من خطط خفض أوسع حاول ترمب تنفيذها في ولايته الأولى.

إعلان

لكن المسألة، كما تنقل الصحيفة عن محللين ألمان وغربيين، لا تُقاس بعدد الجنود وحده, بل بسياقه السياسي والعسكري. فالقرار يأتي فيما تخوض أوروبا سباقا بطيئا ومكلفا لإعادة بناء قوتها العسكرية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وفيما تتسع الفجوة بين حاجتها إلى القدرات الأمريكية المتقدمة وبين رغبة واشنطن في تحويل مواردها نحو ساحات أخرى، وفي مقدمتها المحيطان الهندي والهادئ.

القرار لا يبدو نهاية للتحالف الأطلسي، لكنه علامة على بداية مرحلة تضطر فيها أوروبا إلى التفكير كقوة كبرى قبل أن تمتلك أدوات القوة الكبرى.

وتلفت وول ستريت جورنال خصوصا إلى أن القرار تزامن مع تراجع واشنطن عن نشر كتيبة متخصصة في تشغيل صواريخ بعيدة المدى، من بينها توماهوك و"دارك إيغل" فرط الصوتية، في ألمانيا.

وهنا، بحسب خبراء أمنيين تحدثوا للصحيفة، يتجاوز الخفض العسكري رمزيته العددية، لأنه يترك ثغرة في الردع التقليدي لا تملك أوروبا بديلا جاهزا لها. فالقارة قد ترفع الإنفاق، وتزيد أعداد الجنود، وتسرّع برامج التسليح، لكنها لا تستطيع أن تمتلك بين ليلة وضحاها ما تراكم لدى الولايات المتحدة من قدرات في الصواريخ بعيدة المدى، والدفاع الجوي، والقيادة والسيطرة.

لذلك تضع الصحيفة القرار ضمن مسار أوسع من التآكل التدريجي في العلاقة العابرة للأطلسي؛ علاقة لا تنهار بضربة واحدة، بل تتصدع على مراحل: خفض قوات هنا، وإلغاء نشر صواريخ هناك، وتأجيل تسليم أسلحة بسبب استنزاف المخزون الأمريكي في الشرق الأوسط، ثم تعريفة جمركية جديدة تضرب الاقتصاد الألماني، أي الخزان المالي الذي تراهن عليه برلين لتمويل نهضتها الدفاعية.

مصدر الصورة قاعدة رامشتاين الجوية في ولاية راينلاند بالاتينات الألمانية من أبرز مراكز الانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا (غيتي)

أوروبا بلا مظلة مضمونة

أما في مقال رأي بصحيفة نيويورك تايمز ، فيذهب الباحث الليتواني ليناس كويالا إلى أن الوجود الأمريكي في ألمانيا لم يكن يوما شأنا ألمانيا خالصا. فمنذ تأسيس حلف شمال الأطلسي ، قامت المعادلة الأمنية الأوروبية على ثلاث ركائز متداخلة: إبقاء روسيا خارجا، وأمريكا داخلا، وألمانيا مندمجة في بنية غربية تمنع عودة توازنات القوة التي مزقت القارة في الماضي.

ويذكّر الكاتب بأن هذه المعادلة، التي بدت لعقود كأنها من ثوابت النظام الدولي، تعود اليوم إلى الاختبار. فالوجود الأمريكي في ألمانيا، كما يقول، لم يكن لحماية برلين وحدها، بل لطمأنة بولندا ودول البلطيق، ولضمان ألا تتحول القوة الألمانية إلى هاجس أوروبي، ولإبقاء فرنسا وبريطانيا وبقية الحلفاء داخل شبكة قيادة لا تنقلب إلى تنازع بين العواصم الكبرى.

وبعبارة أخرى، وفق قراءة كويالا، كانت واشنطن تؤدي وظيفة "ممتص الصدمات" داخل أوروبا: تردع موسكو، وتحتوي مخاوف الأوروبيين من بعضهم، وتمنح الدول الصغيرة يقينا بأن أمنها لن يُترك رهينة تراتبية قارية ترسمها القوى الأكبر.

المشكلة ليست في سحب 5 آلاف جندي وحدهم، بل في احتمال أن تصبح الحماية الأمريكية قابلة للمراجعة كلما أغضب زعيم أوروبي البيت الأبيض.

لكن ترمب، كما يفهم المحلل من القرار، يضرب هذا الدور من داخله. فهو لا يطالب الأوروبيين فقط بزيادة الإنفاق الدفاعي، وهو مطلب أمريكي قديم لا يخص إدارته وحدها، بل يربط الحماية الأمريكية بسلوك الحلفاء السياسي، وبمدى انضباطهم خلف حروبه وتعريفاته ومواقفه. وهنا يتحول الحلف من التزام إستراتيجي طويل الأمد إلى علاقة مشروطة: من يدفع أكثر، أو يؤيد أكثر، أو يصمت أكثر، يستحق الحماية أكثر.

إعلان

وهذه، بحسب ما تعكسه تصريحات مسؤولين أوروبيين في أكثر من تغطية، هي النقطة الأشد إقلاقا للأوروبيين، حتى وهم يحاولون الظهور بمظهر الواثق.

فقد قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، كما نقلت وول ستريت جورنال وتايمز، إن خفض القوات كان متوقعا، وإن أوروبا مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها. غير أن الإقرار بهذه الحقيقة لا يعني أن القارة باتت جاهزة لها. فبين إعلان زيادة الإنفاق وبناء قوة قادرة فعلا على سد الفراغ الأمريكي سنوات طويلة، وخلال هذه المسافة الزمنية قد تجد روسيا في هشاشة الحلف ما يغريها بالاختبار.

مصدر الصورة يربط ترمب الحماية الأمريكية للحلفاء بمدى التزامهم السياسي والمالي، لا فقط بعضوية الناتو (رويترز)

ألمانيا تكبر.. وأوروبا تقلق

ويقود الكاتب في نيويورك تايمز النقاش إلى مفارقة أكثر حساسية: أوروبا تحتاج إلى قوة ألمانيا، لكنها تخشى في الوقت نفسه أن تعود ألمانيا إلى موقع الثقل العسكري المركزي في القارة. فبرلين، تحت ضغط الحرب في أوكرانيا وتراجع اليقين الأمريكي، شرعت في تحول تاريخي في سياستها الدفاعية.

ويشير الكاتب إلى حديث وزير الدفاع الألماني عن بناء "أقوى جيش تقليدي في أوروبا"، وإلى عمل الحكومة على زيادة الإنفاق وتسريع المشتريات العسكرية، بما يضع ألمانيا على مسار قد يجعلها القوة العسكرية التقليدية الأكبر في القارة بحلول نهاية العقد.

هذا التحول، في قراءة الكاتب، ضرورة لا مفر منها من زاوية الردع. فلا تستطيع أوروبا أن تطالب واشنطن بالبقاء إلى الأبد، ثم تتردد في بناء قوتها الذاتية.

لكنه، في المقابل، يوقظ ذاكرة أوروبية عميقة. فالقارة التي صممت نظامها بعد الحرب العالمية الثانية بحيث تُدمج القوة الألمانية داخل أوروبا وحلف الأطلسي، تجد نفسها الآن أمام ألمانيا أكبر إنفاقا، وأثقل وزنا، وأكثر مركزية، في لحظة تتراجع فيها الولايات المتحدة تدريجيا عن دور الضابط الخارجي للتوازن.

تجد أوروبا نفسها بين قوتين غير مكتملتين: ألمانيا تملك المال والصناعة والطموح العسكري، وفرنسا تملك الردع النووي، لكن أيا منهما لا يعوض الضمانة الأمريكية كاملة.

ومن هنا، يقرأ المقال الحساسية الفرنسية المتصاعدة تجاه ملف الردع النووي. فباريس، التي تقدم نفسها بوصفها القوة النووية الأوروبية الأبرز بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تريد أن تذكّر برلين وبقية القارة بأن القوة التقليدية الألمانية ليست وحدها ما يصنع الأمن الأوروبي.

وفي الوقت ذاته، لا تعرض فرنسا مظلة نووية بديلة تماما عن المظلة الأمريكية؛ فهي تتحدث عن بعد أوروبي لمصالحها الحيوية، لكنها تحتفظ وحدها بقرار استخدام السلاح النووي.

وهكذا، كما يخلص الخط التحليلي في نيويورك تايمز، تجد أوروبا نفسها بين قوتين غير مكتملتين: ألمانيا تملك المال والصناعة والطموح العسكري التقليدي، وفرنسا تملك الردع النووي والسيادة الإستراتيجية، لكن أيا منهما لا يستطيع منفردا أن يعوض الضمانة الأمريكية التي جمعت لعقود بين الردع والقوة والقيادة السياسية والانتشار العالمي.

مصدر الصورة جاء القرار بعد انتقادات حادة من المستشار الألماني فريدريش ميرتس لطريقة إدارة واشنطن للحرب مع إيران، ما زاد التوتر بين برلين وواشنطن (الفرنسية)

واشنطن المنقسمة

ولا يقتصر القلق من قرار ترمب على الأوروبيين. فبحسب نيوزويك وديلي بيست ، عارض جمهوريون بارزون في لجان القوات المسلحة بالكونغرس خفض الوجود الأمريكي في ألمانيا، محذرين من أن تقليص القوات قبل اكتمال قدرات الردع الأوروبية يبعث برسالة خاطئة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وتشير نيوزويك إلى أن رئيسي لجنتي القوات المسلحة في مجلسي الشيوخ والنواب، السيناتور روجر ويكر والنائب مايك روجرز، عبّرا عن قلقهما من القرار، معتبرين أن مصلحة الولايات المتحدة لا تقتضي سحب هذه القوات من القارة، بل نقلها إلى شرق أوروبا لتعزيز الردع على الخطوط الأمامية للحلف.

إعلان

وهذا الاعتراض مهم لأنه يكشف أن الخلاف لم يعد بين أوروبا وترمب وحدهما، بل داخل المؤسسة الأمريكية نفسها. فهناك، كما يظهر من موقف المشرعين الجمهوريين، من يرى أن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا ليس خدمة مجانية للحلفاء، بل استثمار في النفوذ الأمريكي، وفي منع حرب أوسع وأكثر كلفة. ومن هذا المنظور، فإن سحب القوات من ألمانيا بدل إعادة تموضعها شرقًا يضعف الردع بدل أن يعيد توزيع العبء بذكاء.

الوجود الأمريكي في ألمانيا لم يكن لحماية برلين وحدها، بل لطمأنة شرق أوروبا، وضبط توازنات القارة، ومنع عودة تنافساتها القديمة.

لكن ترمب ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة. ففي خطابه، كما تعكسه تغطيات الصحف الأمريكية والبريطانية، تبدو أوروبا قارة مدينة لأمريكا، ومقصرة في الدفاع عن نفسها، ومنافسة تجارية تستفيد من المظلة الأمريكية ثم تنتقد واشنطن عند أول خلاف.

لذلك لم يكن مستغربا، وفق ما نقلت نيوزويك وتايمز، أن يلمّح إلى إمكان مراجعة الوجود الأمريكي في إيطاليا وإسبانيا أيضا، وكأن القرار الألماني ليس نهاية المسار، بل فاتحته.

وهنا يكمن مصدر القلق الأوروبي الحقيقي: ليس في سحب 5 آلاف جندي وحدهم، بل في احتمال أن تكون هذه الخطوة نموذجا لما هو آت. فإذا أصبح الوجود الأمريكي في أوروبا قابلا للتقليص كلما أغضب زعيم أوروبي البيت الأبيض، فإن الردع الأطلسي يفقد أهم عناصره: القدرة على التنبؤ والثبات.

مصدر الصورة تخشى عواصم أوروبية أن يؤدي تراجع الوجود الأمريكي إلى إضعاف الردع الأطلسي في لحظة تتصاعد فيها المخاوف من روسيا (رويترز)

الحرب الإيرانية وظل أوكرانيا

وزادت الحرب على إيران هشاشة المشهد. فبحسب وول ستريت جورنال وتايمز، لم تفتح الحرب شرخا سياسيا بين واشنطن وبرلين فحسب، بل أرهقت أيضا المخزونات الأمريكية من الذخائر والقدرات التي تحتاجها أوروبا نفسها.

وقد أُبلغت دول أوروبية، وفق تايمز، بأن بعض التسليمات العسكرية قد تتأخر إلى حين تعويض النقص في مخازن البنتاغون، ما يضع القارة أمام معضلة مركبة: تريد أن تتسلح سريعا، لكنها ما زالت تعتمد على المورد الأمريكي نفسه الذي تستنزفه حرب أخرى.

ومن جهة أخرى، تخشى عواصم أوروبية، كما توضح تايمز، أن يقرأ بوتين هذا الارتباك بوصفه فرصة هامة. فروسيا لا تحتاج بالضرورة إلى هجوم شامل على الناتو كي تختبر الحلف؛ يكفي أن تلمس أن التزام واشنطن لم يعد تلقائيا، وأن أوروبا موزعة بين إعادة التسلح والخوف من كلفته، حتى يصبح الردع أقل صلابة وأكثر قابلية للاختبار.

وفي هذا السياق، نقلت الصحف عن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك قوله إن الخطر الأكبر على المجتمع العابر للأطلسي ليس أعداءه الخارجيين، بل تفكك الحلف من الداخل.

وتختصر هذه العبارة، كما تبدو في مجمل التغطيات، جوهر المأزق الأوروبي الراهن: أوروبا لا تواجه روسيا وحدها، بل تواجه احتمال أن يغدو انقسامها الداخلي وانسحاب أمريكا التدريجي أخطر من أي تهديد خارجي مباشر.

مصدر الصورة يرى مشرعون جمهوريون أن نقل القوات الأمريكية شرقا كان سيعزز الردع، بدل سحبها من القارة في توقيت حساس (غيتي)

بلدات تعيش على الحلف

وتضيف غارديان إلى الصورة بعدا إنسانيا من بلدة لاندشتول الألمانية، الواقعة في قلب أكبر تجمع عسكري أمريكي خارج الولايات المتحدة. فهناك، لا يظهر القرار في صورة أرقام على خريطة انتشار عسكري، بل كصدمة اجتماعية واقتصادية لبلدات عاشت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على إيقاع الوجود الأمريكي.

وتنقل الصحيفة عن سكان محليين قولهم إن الجنود الأمريكيين لم يكونوا مجرد قوة أجنبية عابرة، بل جزءا من نسيج الحياة اليومية: في مدارس، ومطاعم، وعائلات مختلطة، ووظائف، وعلاقة طويلة صنعت هوية أمريكية-ألمانية خاصة.

وتشير غارديان إلى أن لاندشتول تستضيف أكبر مستشفى أمريكي خارج الولايات المتحدة، وأن شبكة واسعة من الموردين والعاملين الألمان تعتمد اقتصاديا على الوجود العسكري الأمريكي.

أمريكا ترمب قد تبقى في الناتو، لكنها تريد ناتو مختلفا؛ أقل ضمانا، وأكثر مشروطية، وأقرب إلى صفقة سياسية قابلة للمراجعة.

وفي حين لا يغير هذا البعد الإنساني جوهر القرار، إلا أنه يذكّر بأن التحالفات لا تعيش في البيانات الرسمية وحدها. فالوجود الأمريكي في ألمانيا كان، لعقود، أكثر من قاعدة عسكرية؛ كان حضورا اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا يربط الولايات المتحدة بأوروبا من أسفل، كما يربطها بها من أعلى عبر الناتو والقيادة المشتركة.

إعلان

وحين يشعر سكان تلك المناطق بأن العلاقة "تحت التهديد"، فإن ذلك يعكس انتقال الشك من مستوى النخب إلى مستوى الحياة اليومية. لم تعد المسألة سؤالا عن إستراتيجية بعيدة، بل عن وظائف وعائلات ومدارس ومدينة اعتادت أن ترى الأمريكيين جزءا من عالمها.

في بلدات ألمانية اعتادت الوجود الأمريكي منذ عقود، لا يبدو القرار عسكريا فقط، بل صدمة اجتماعية واقتصادية تمس الحياة اليومية (أسوشيتد برس)

اليتم الدفاعي

لذلك، وفي الخلاصة التي تجمع بين ما عرضته نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال وتايمز، يبدو قرار ترمب كأنه يدفع أوروبا نحو حالة يمكن وصفها بـ"اليتم الدفاعي": ليست قارة بلا قوة، لكنها قارة اعتادت أن تعيش تحت مظلة أبعد منها وأقوى منها، ثم وجدت نفسها فجأة مطالبة بأن تنضج دفاعيا على عجل.

والمشكلة، كما تبرزها هذه القراءات، أن النضج الدفاعي لا يُستدعى بالخطابات. فرفع الميزانيات لا يعني فورا امتلاك الردع، وتضخم الدور الألماني لا يصنع تلقائيا وحدة أوروبية، والردع الفرنسي لا يعوض كامل المظلة الأمريكية، والاعتماد على المشتريات من واشنطن لا يؤسس استقلالا إستراتيجيا حقيقيا.

في المقابل، لا تستطيع أوروبا العودة إلى الطمأنينة القديمة. فالرسالة التي التقطتها الصحف الغربية من قرار ترمب وصلت بوضوح: أمريكا ترمب قد تبقى في الناتو، لكنها تريد ناتو مختلفا؛ حلفا أقل ضمانا، وأكثر مشروطية، وأقرب إلى صفقة سياسية قابلة للمراجعة.

وقد يندم الأمريكيون لاحقا، كما كتب ليناس كويالا في نيويورك تايمز، على إضعاف أحد أهم استثماراتهم الإستراتيجية في أوروبا؛ فالوجود العسكري هناك لا يحمي الأوروبيين وحدهم، بل يمنح واشنطن نفوذا عالميا، وعمقا لوجستيا، وقدرة على إدارة الأزمات من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا.

لكن أوروبا، كما توحي التغطيات، لا تستطيع أن تبني أمنها على احتمال أن تعود واشنطن إلى رشدها.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا