آخر الأخبار

صناعة الجواسيس في غزة.. كيف يتكون الدافع؟

شارك

حين يقترب الباحث ضياء نعيم الصفدي من موضوع التخابر في دراسته الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، فإنه لا يتعامل مع الجريمة باعتبارها واقعة قانونية صرفة، بل يضعها في إطار أوسع يربط بين الحرب بوصفها بيئة ضاغطة، والمجتمع بوصفه ساحة مفتوحة للاختراق، والفرد بوصفه الحلقة التي يمكن أن تتحول – تحت شروط معينة – إلى أداة تعمل من داخلها ضدها.

هذا الإطار ضروري، لأن التخابر في صورته المعاصرة لم يعد مجرد نقل معلومات من طرف إلى آخر، بل أصبح نمطًا من الاندماج الجزئي في منظومة العدو، حيث تتقاطع الإرادات وتتداخل الأدوار، ويتحول الفاعل الفردي إلى جزء من عملية أكبر منه.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 المسارات المحتملة إذا انهارت مفاوضات السلام بين واشطن وطهران
* list 2 of 2 لبنان.. التفاوض من أجل التفاوض end of list

في هذا السياق، يصبح تعريف التخابر أكثر تعقيدًا من المعنى الشائع للتجسس. فكما يقدمه الصفدي، هو علاقة تواصل واعٍ ومقصود بين شخص وجهة معادية، تهدف إلى تمكين هذه الجهة من تحقيق أهدافها أو الإضرار بالمجتمع الذي ينتمي إليه ذلك الشخص.

التعريف هنا لا يقف عند الفعل الظاهر، بل يتجاوزه إلى البنية التي يقوم عليها حيث القصد، والاستمرارية، والتداخل مع مشروع الطرف الآخر. بهذا المعنى، لا يكون التخابر مجرد «فعل» يقع وينتهي، بل «دور» يُمارس ويُعاد إنتاجه داخل شبكة من العلاقات.

ما تكشفه الدراسة هو أن الحرب الأخيرة على غزة دفعت هذا الدور إلى مستويات أكثر خطورة. فالتخابر لم يعد محصورًا في تزويد الاحتلال بمعلومات عامة أو آنية، بل انتقل في بعض حالاته إلى المشاركة الميدانية، حيث يسهم المتخابر في تحديد الأهداف، ورصد التحركات، بل وتوجيه الضربات بشكل غير مباشر. هذا التحول النوعي يعني أن الاختراق لم يعد أفقيًا يمر عبر قنوات الاتصال فقط، بل أصبح عموديًا يخترق بنية الفعل نفسه، ويعيد تشكيله من الداخل.

غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس ماذا يفعل المتخابر، بل كيف يصل إلى هذه النقطة. وهنا تبرز القيمة التحليلية للدراسة، لأنها تفكك الدوافع دون أن تسقط في التبسيط. فالتخابر لا ينشأ من سبب واحد، بل من تفاعل معقد بين ضغوط اقتصادية، وهشاشة نفسية، وظروف اجتماعية، وآليات استقطاب منظمة تمارسها الجهة المعادية بوعي ودقة.

مصدر الصورة معظم الغارات التي يقوم بها الكيان ضد أهداف وأشخاص في غزة ترجع إلى رصد وبلاغات من العملاء (رويترز)

الدوافع… كيف يُصنع الاستعداد

المدخل الاقتصادي يظل حاضرًا بقوة في تفسير الظاهرة، إذ يشير الصفدي إلى أن الفقر والبطالة يفتحان الباب أمام الإغراء، ويجعلان العرض الذي يقدمه الاحتلال يبدو كفرصة في بيئة تضيق فيها الخيارات.

إعلان

غير أن الاكتفاء بهذا التفسير يُخفي أكثر مما يكشف، لأن المال في كثير من الحالات لا يعمل كسبب كافٍ، بل كبوابة أولى. فهناك أفراد لا يدفعهم العوز وحده، بل يدخلون في علاقة تبادلية مع الجهة المعادية، يقدّرون فيها ما سيحصلون عليه مقابل ما يقدمونه.

في هذه اللحظة تحديدًا، يتحول التخابر من استجابة لحاجة إلى ما يشبه الصفقة. الفرد هنا لا يرى نفسه منساقًا بقدر ما يرى نفسه فاعلًا يختار، حتى لو كان اختياره محكومًا بظروف ضاغطة.

هذه النقلة من «الاضطرار» إلى «المفاوضة» هي ما يمنح الظاهرة بعدًا أكثر خطورة، لأنها تعني أن بعض حالات التخابر تقوم على حسابات عقلانية، لا على انكسار أخلاقي مفاجئ. وهنا تصبح المواجهة أكثر تعقيدًا، لأنك لا تتعامل فقط مع الفقر، بل مع تصورات عن المصلحة، ومع استعداد نفسي لتبرير الفعل داخل الذات.

إلى جانب العامل الاقتصادي، تبرز العوامل النفسية بوصفها مسارًا آخر قد يقود إلى النتيجة ذاتها. فالإحباط، والشعور بالعجز، والرغبة في الانتقام، يمكن أن تتحول إلى أرضية خصبة لعملية الاستقطاب. الفرد الذي يشعر بأنه مُهمَّش أو مقهور قد يجد في العلاقة مع الجهة المعادية شكلًا من أشكال التعويض، أو وسيلة لاستعادة إحساس بالقدرة.

في هذه الحالات، لا يبدأ التخابر بوصفه خيانة واعية، بل يتشكل تدريجيًا، عبر تفاعل بين حاجة نفسية وعرض خارجي يستجيب لها.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالدراسة تشير إلى دور الظروف الاجتماعية في تعميق الهشاشة. التفكك الأسري، وضعف الروابط، والشعور بالعزلة، كلها عوامل تقلل من مناعة الفرد، وتجعل اختراقه أكثر سهولة. لكن الصفدي يميز بوضوح بين الفهم والتبرير، مؤكدًا أن هذه العوامل تفسر السلوك دون أن تضفي عليه شرعية. هذا التمييز ضروري، لأنه يسمح بقراءة الظاهرة بعمق دون الوقوع في تبريرها أو التخفيف من خطورتها.

ومن الزوايا اللافتة أيضًا مسألة الوعي. فضعف الوعي، سواء كان معرفيًا أو سياسيًا أو دينيًا، يخلق فراغًا يمكن أن تملأه روايات مضللة، أو تصورات مشوهة عن العلاقة مع العدو. في المقابل، يشير الصفدي إلى أن وجود وازع ديني ووطني قوي يمثل أحد أهم العوائق أمام التجنيد، لأن هذا الوازع يعيد تعريف الفعل داخل ذهن الفرد، ويمنع تحويله إلى مجرد معاملة أو صفقة.

مصدر الصورة ياسر أبو شباب قائد لمجموعة من العملاء وقد قامت المقاومة بتصفيته (الجزيرة)

خريطة المجموعات المتورطة

القسم الأكثر حساسية في الدراسة هو ذلك الذي يعرض النماذج الميدانية للمجموعات التي عملت مع الاحتلال داخل قطاع غزة، حيث لا يكتفي الباحث بالإشارة إلى وجود متخابرين، بل يقدّم صورة دقيقة عن تشكيلات محددة، بنطاقات جغرافية وأدوار واضحة، بما يكشف أن التخابر لم يعد سلوكًا فرديًا، بل بنية عمل منظمة.

في جنوب قطاع غزة، وتحديدًا في رفح، تبرز مجموعة يُشار إليها بالرمز (ك.ش)، ويقدَّر عدد عناصرها بنحو ثلاثمئة شخص، ما يجعلها من أكبر التشكيلات التي تناولتها الدراسة. أهمية هذه المجموعة لا تعود فقط إلى حجمها، بل إلى طبيعة عملها، إذ قامت بإنشاء نقطة اتصال ميدانية استخدمت كمركز لرصد التحركات ومتابعة النشاط داخل المنطقة. هذا الموقع، بحكم قربه من الحدود، أتاح لها مراقبة دقيقة للمجال الحيوي، وجمع معلومات تتعلق بالأشخاص والحركة اليومية، وتحويلها إلى بيانات قابلة للاستخدام العملياتي. ومع تطور نشاطها، لم تعد مهمتها مقتصرة على الرصد، بل أصبحت جزءًا من شبكة أوسع تتقاطع فيها الأدوار الاستخباراتية والعسكرية.

إعلان

في جنوب خان يونس، وضمن نطاق يمتد إلى مناطق خزاعة وعبسان والقرارة، تظهر مجموعة أخرى تُعرف بالرمز (ج.أ)، ويبلغ عدد عناصرها نحو أربعين مسلحًا. هذه المجموعة تقدم نموذجًا مختلفًا من حيث الحجم، لكنها لا تقل أهمية من حيث الوظيفة. فقد انخرطت في العمل الاستخباراتي الميداني المباشر، حيث تولّت جمع المعلومات من داخل البيئة المحلية، ونقلها، ومتابعة تحركات الأشخاص داخل المنطقة بشكل مستمر. هذا النمط من العمل أتاح لها بناء معرفة تفصيلية بالحركة اليومية، بما منح الاحتلال قدرة على التعامل مع المعطيات الميدانية بدقة أعلى، مستفيدًا من كون المعلومات صادرة من داخل النسيج الاجتماعي نفسه.

في شرق مدينة غزة، تبرز مجموعة ثالثة تحمل الرمز (ر.ج)، وتعمل في نطاق يرتبط بالمناطق الشرقية والحدودية. المعطيات التي تعرضها الدراسة تشير إلى تورط هذه المجموعة في جمع معلومات ميدانية دقيقة تتعلق بالتحركات والنشاط داخل هذه المناطق الحساسة. موقعها الجغرافي جعل المعلومات التي توفرها ذات قيمة استخباراتية عالية، لأنها تتصل مباشرة بخطوط التماس، وتتيح للاحتلال قراءة آنية لما يجري في بيئة يصعب الوصول إليها بوسائل تقليدية.

أما في شمال قطاع غزة، فتظهر مجموعة رابعة يُشار إليها بالرمز (أ.م)، تعمل داخل مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة. خصوصية هذه المجموعة تكمن في طبيعة البيئة التي تنشط فيها، حيث يتيح الاندماج داخل نسيج حضري مكتظ إمكانية الرصد والتخفي في آن واحد. وقد تولّت هذه المجموعة جمع ونقل معلومات تتعلق بالتحركات الميدانية والبنية التنظيمية لبعض الفاعلين داخل المنطقة، بما يخدم الأهداف الاستخباراتية للاحتلال. خطورة هذا النمط لا تتوقف عند حدود المعلومات، بل تمتد إلى أثره على المجتمع، إذ يسهم في تقويض الثقة وإحداث حالة من الشك داخل بيئة يفترض أنها حاضنة للتماسك.

مصدر الصورة غلاف الدراسة

الأثر الأعمق… تفكيك الثقة

إذا كان التخابر في ظاهره يهدد الأمن عبر المعلومات أو المشاركة في العمليات، فإن أثره الأعمق يتجلى في ما يفعله بالنسيج الاجتماعي. فوجود احتمال دائم للاختراق يولد حالة من الشك، ويضعف الثقة بين الأفراد، ويجعل العلاقات أكثر هشاشة.

في بيئة كهذه، لا يقتصر الضرر على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى القدرة على التماسك، وهي القدرة التي تُعد شرطًا أساسيًا لأي مجتمع يواجه ضغطًا خارجيًا.

هنا يتحقق هدف استراتيجي يتجاوز بكثير ما يمكن أن تحققه ضربة عسكرية. فحين يفقد المجتمع ثقته بنفسه، يصبح أكثر قابلية للتفكك، وأقل قدرة على إنتاج رد فعل منظم. هذا البعد هو ما يجعل التخابر، كما يقدمه الصفدي، أداة حرب بحد ذاته، لا مجرد جريمة تُرتكب في سياق الحرب.

خلاصة

تقدم دراسة ضياء نعيم الصفدي قراءة ترى في التخابر ظاهرة مركبة، تتشكل عند تقاطع الحاجة والضغط والاختيار. فهو ليس دائمًا نتاج الفقر وحده، ولا مجرد تعبير عن انحراف أخلاقي مفاجئ، بل قد يكون نتيجة مسار يتدرج فيه الفرد من الهشاشة إلى التورط، ومن التبرير إلى المشاركة. وفي هذا المسار، تلعب الجهة المعادية دورًا نشطًا في الاكتشاف والاستقطاب وإعادة التشكيل.

بهذا المعنى، لا يمكن مواجهة التخابر عبر القانون وحده، رغم ضرورته، بل تتطلب المواجهة بناء مناعة اجتماعية، وتعزيز الوعي، وإعادة ترميم الروابط التي تجعل الفرد أقل قابلية للتحول إلى أداة. فالمعركة هنا لا تُخاض فقط على مستوى الأمن، بل على مستوى المعنى أيضًا: كيف يرى الفرد نفسه، وإلى أي جماعة ينتمي، وما الذي يعتبره حدًا لا يمكن تجاوزه.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا