هديل غبّون
عمّان، الأردن ( CNN )-- ينظر مسؤولون أردنيون وسوريون إلى التفاهمات الأخيرة بين عمّان ودمشق حول إدارة موارد حوض نهر اليرموك، كمحطة استراتيجية على طريق تعزيز استدامة الموارد المائية المشتركة بين البلدين.
في وقت خرج فيه الاجتماع الثالث للجنة الفنية الأردنية السورية في عمّان مؤخرًا، بنتائج ملموسة بعد أشهر من توقف عملها.
وشكلت الرسالة التي نقلها وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، للعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، من الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، حول استعداد سوريا لتقاسم المياه مع الأردن، توجيهًا رسميًا يصدر للمرة الأولى منذ بدء المشاورات بين الجانبين حول ملف المياه وحقوق المملكة المائية، بموجب اتفاقية العام 1987.
وفي هذا السياق، قال معاون وزير الطاقة السوري لشؤون الموارد المائية، أسامة أبوزيد، إن عمّان ودمشق قطعتا شوطًا كبيرًا في ملف حوض نهر اليرموك، عبر رسم خارطة طريق لمسار التفاهمات حول إدارة أكثر عدالة وإنصافًا لمياه حوض النهر المشترك بين الأردن وسوريا.
وأوضح أبو زيد، في حديث لـ CNN بالعربية، من عمّان، حيثيات الوضع القائم مع عدم التزام النظام السابق بالاتفاقية، قائلا إن "النظام السابق تسبب في تعطيل عمل اتفاقية العام 1987 نتيجة سياسات انعزالية"، وأن حوض نهر اليرموك تعرض خلال السنوات الماضية لتأثيرات كبيرة نتيجة التغيرات المناخية وتراجع الهطولات المطرية والثلجية، لافتًا أن نسب امتلاء السدود السورية وصلت في فترات سابقة "إلى الصفر تقريبًا"، قبل أن تتحسن هذا العام لتصل إلى نحو 16–17%، بحسبه.
وتواجه سوريا تحديات مركبّة، في ضمان استدامة تزويد الأردن بحصصه المائية من حوض نهر اليرموك، في وقت كشفت فيه بيانات أردنية، حصلت عليها CNN العربية، عن تراجع حاد في مخزون سد الوحدة الأردني، إلى مليون متر مكعب فقط هذا العام، مقارنة بنحو 19 مليون متر مكعب عام 2021، و17 مليونًا في 2022، ثم 12 مليونًا في 2024، وصولًا إلى 4 ملايين في 2025.
وفيما يتعلق بحصة الأردن المائية من الحوض، والتي تتراوح بين 180-200 مليون متر مكعب سنويًا، بموجب الاتفاقية، أكد أبو زيد ، تزويد سوريا للأردن ببعض الكميات منذ بداية العام.
وأضاف: "هناك إطلاقات مياه وجهت من سوريا إلى الأردن خلال الربع الأول من هذا العام، ويجري حاليًا دراسة إطلاقات أخرى وفق حصص محددة"، مشيرًا إلى أن هناك تحديات فنية تتمثل في طول قنوات الجر وارتفاع الفاقد المائي، ما يستدعي العمل على اختيار المسارات الأقصر والأقل فاقدًا.
وبشأن اتفاقية 1987 وبعض الدعوات لمراجعتها، قال المسؤول السوري: "أنا مع بقاء هذه الاتفاقية ولكنها تحتاج إلى معالجة بعض القضايا المستجدة مثل سنوات الجفاف"، لافتًا أن توافقات اللجنة الفنية الأردنية السورية أفضت إلى الذهاب نحو "دراسة المخزون المائي بشكل سنوي وتحديد الحصة المائية لكل بلد"، واعتبر أن "هذا هو الحل الأمثل".
وأضاف المسؤول السوري موضحًا: "الحصص الثابتة لا تنصف البلدين بسبب سنوات الجفاف وتباين الهطولات المطرية، تم الاتفاق على أن يتم إعداد تقرير بالمخزون، بشكل سنوي ورفعه إلى الإدارة العليا لتحديد حصة كل بلد ويتم إن شاء الله التوافق عليه، وإرسال المياه بما يحقق الفائدة للبلدين".
وانعكس التوسع خارج إطار الاتفاقية، إلى تراجع حصة الأردن من مياه اليرموك إلى أقل من 20% من الحصة التي كانت متوقعة تاريخيًا، فيما أشارت دراسة بحثية أجراها مركز دبلوماسية المياه ضمن مبادرة السلام الأزرق في الشرق الأوسط في 2019، إلى أن اتفاقية العام 1987 قد ركزت بشكل أساسي على "تقاسم المياه السطحية" و"بناء السدود".
واقتصرت الاتفاقية على بناء سد واحد، هو سد الوحدة على الجانب الأردني، و25 سدًا صغيرًا ومتوسطًا على الروافد العليا لنهر اليرموك في سوريا، إلا أن الواقع أظهر بناء 17 سدًا إضافية خارج الاتفاق في الأراضي السورية.
كما أغفلت الاتفاقية حسب الدراسة، الإدارة المشتركة للمياه الجوفية، وهو ما تسبب في ثغرات قانونية وتطبيقية لاحقًا، نجم عنها حفر أكثر من 10 آلاف بئر مياه جوفية في سهل حوران في سوريا، تم حفر قرابة 60% منها بشكل غير قانوني، ما حوّل نهر اليرموك من دائم الجريان إلى نهر يعتمد على الأمطار الموسمية.
وفي هذا السياق، قال أبو زيد إن مشكلة الآبار العشوائية تم إيقاف حفرها فورًا، وأن العمل بدأ على التوجه نحو تقنيات الري الحديثة وتركيب عدادات ذكية لضبط الاستهلاك وحماية الموارد الجوفية، وأضاف: "الآبار العشوائية التي حُفرت سابقا تشكل تحديًا سوريًا وأردنيًا. الخطة المستقبلية للمعالجة هو ضبط الاستهلاك منها بالحدود الدنيا حتى لا يقع ضرر كبير على المزارعين السوريين لأن هذه الآبار دخلت في نطاق الاستثمار".
وفي الإطار ذاته، نفى أبو زيد في حديثه للموقع، بحث مد قناة مياه من سوريا إلى سد الكرامة الأردني ضمن اجتماعات اللجنة الفنية، فيما أكد أن سيطرة إسرائيل على بعض روافد الصب لحوض نهر اليرموك في منطقة الجولان، كانت من بين النقاشات الرئيسية حول تصورات المعالجة المستقبلية.
وأطلقت اللجنة الفنية الأردنية السورية المشتركة في 22 أبريل/ نيسان، منصة المياه الأردنية السورية وهي منصة بيانات موحدة مخصصة لإدارة بيانات الموارد المائية في حوض اليرموك بدعم من الولايات المتحدة، سعيًا لاتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة تضمن تنسيقًا أكثر سلاسة وشفافية، بعد قرابة 4 أشهر فقط من التوافق بشأنها.
واعتبر وزير المياه الأردني، رائد أبو السعود، المنصة، التزامًا مشتركًا بتعزيز حوكمة قطاع المياه وتطوير التعاون المؤسسي وترجمة للتقدم النوعي الذي تشهده العلاقات الأردنية السورية من خلال التنسيق الفني في إدارة الموارد المائية المشتركة.
وأكد أبو السعود في تصريحات صحفية، بأن هذا التعاون من شأنه أن يسهم في مواجهة "تحديات شح المياه" في المنطقة، وأشار إلى أن المنصة تعد نموذجًا عمليًا للتعاون في دعم الاستدامة المائية.
وكانت مصادر أردنية صرحت في فبراير/شباط الماضي، نقلا عن قناة المملكة الرسمية، عن إعداد الحكومة الأردنية خطة بديلة لاتفاقية 2021 لشراء الحصص الإضافية للمياه من إسرائيل التي انتهت العام الماضي ولم يتم تجديدها، فيما وقعت الحكومة الأردنية الأسبوع الماضي، الاتفاقية الفنية النهائية لمشروع الناقل الوطني.
ويعد الناقل الوطني، الأضخم من حيث البنية التحتية المائية، يهدف تحلية 300 مليون متر مكعب سنويًا من مياه خليج العقبة ونقلها إلى عمّان عبر خط أنابيب بطول 450 كيلومترًا، وبكلفة 5.8 مليار دولار لتعزيز واستدامة الأمن المائي في البلاد التي تبلغ حصة الفرد السنوية فيها من المياه 61 مترًا مكعبًا فقط.
وتوافقت عمّان ودمشق أيضًا، على إطلاق مشروع تحديث "الدراسة الهيدروسياسية" لحوض نهر اليرموك التي أجريت في 2019، بالشراكة مع "مبادرة السلام الأزرق"، وبدعم من الوكالة السويسرية للتنمية والتعاون ( SDC ).
وقال المهندس مفلح العلاوين، المستشار الإقليمي في مجال التعاون المائي ضمن المبادرة، إن الدراسة الجديدة التي بدأ الإعداد لها ستنجز خلال عام، بمشاركة فرق بحثية من الأردن وسوريا، وبتوجيه من وزارتي المياه والري الأردنية والطاقة السورية، وبدعم من مؤسسات دولية من بينها جامعة جنيف ومركز دبلوماسية المياه الإقليمي.
وأضاف العلاوين، لـ CNN بالعربية، بأن الهدف من الدراسة "لا يقتصر على إنتاج المعرفة”، بل "رحلة تعلّم وبناء فهم مشترك وأرضية تعاون بين الجانبين الأردني والسوري"، مؤكدًا أن التوجه هو نحو "الإدارة المشتركة والمستدامة للحوض، وليس فقط تقاسم المياه العادل".
وبيّن العلاوين، أن الدراسة السابقة اعتمدت بشكل كبير على صور الأقمار الصناعية بسبب محدودية الوصول إلى البيانات من منطقة أعلى الحوض لدى الجانب السوري، لافتًا أن المرحلة الحالية "تختلف بوجود انخراط مباشر من الجهات المعنية في البلدين".
وأشار إلى أن التحديات لا تقتصر على الجوانب الفنية، بل تشمل أيضًا أبعادًا جيوسياسية وهيدروسياسية في دراسة واقع الحوض، في ظل تعقيدات إقليمية وعدم استقرار في المنطقة، مؤكدًا أن معالجة قضايا المياه في الأحواض المشتركة "لا يمكن أن تتم بمعزل عن هذه العوامل".
ورأى الباحث العلاوين، "بأن الجهود تنصب على جعل حوض نهر اليرموك نموذجًا إقليميًا في إدارته"، خاصة في ظل غياب اتفاقيات مائية مستدامة في المنطقة، لأن معظم الاتفاقيات "ركزت على الحصص ولم تركز على إدارة الأحواض".
المصدر:
سي ان ان