في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تعرّضت مالي لهجوم هو الأعنف منذ سنوات، هزّ العاصمة باماكو وامتد إلى مدن إستراتيجية في الشمال والوسط، ولم يكن الأمر مجرد عملية عسكرية عابرة، بل هجوما منسّقا كشف هشاشة السلطة العسكرية، وأعاد إلى الواجهة سيناريوهات الانهيار التي عرفتها البلاد عام 2012.
وأجمعت صحف فرنسية عدة على أن الضربة كانت موجعة، إذ أدت إلى قتل وزير الدفاع ساديو كامارا، وإصابة شخصيات عسكرية بارزة مثل الجنرال موديبو كوني، مع اختفاء شبه تام لرئيس المرحلة الانتقالية أسيمي غويتا، وتقدّم ميداني لخصوم الدولة في أكثر من جبهة.
كما تشير معطيات ميدانية إلى أن غويتا نُقل إلى مكان آمن تحت حماية القوات الخاصة، ما يعكس حجم الارتباك داخل السلطة.
وتكشف مجلة جون أفريك عن مصدر أمني مالي، قوله إن كامارا قُتل في تفجير انتحاري نفذته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وأن جميع المصلين في المسجد المجاور لقوا حتفهم في الانفجار، باستثناء الإمام.
وترى صحيفة لوموند أن حجم الهجمات وتزامنها يكشفان عن "ضربة غير مسبوقة" أربكت السلطة العسكرية، بينما تعتبر لوفيغارو أن ما جرى يمثل استهدافا مباشرا لـ"قلب النظام"، في إشارة إلى اتساع نطاق العمليات لتشمل مراكز القرار نفسها.
لونوفيل أوبس: تحالف الضرورة بين الجهاديين وحركة أزواد فرضته عداوة مشتركة للسلطة، رغم التناقض الجذري بين مشروع إسلامي جهادي وآخر انفصالي قومي
وتكاد الصحف الفرنسية تجمع على أن الحدث الأبرز هو التحالف العلني بين جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد.
فبحسب لونوفيل أوبس ، يشكّل هذا التنسيق "تحالف ضرورة" فرضته عداوة مشتركة للسلطة، رغم التناقض الجذري بين مشروع إسلامي جهادي وآخر انفصالي قومي. أما موقع ميديابارت فيرى أن هذا التقارب، الذي ظل غير معلن سابقا، بلغ مرحلة التنفيذ العملي الواسع خلال هجمات 25 أبريل/نيسان الحالي.
ويعزز تقرير جون أفريك هذا التقييم، إذ يشير إلى أن هذا التنسيق لم يعد مجرد تقارب ظرفي، بل تحوّل إلى إستراتيجية سياسية وعسكرية مشتركة، حيث أعلن الانفصاليون استعدادهم للتعاون مع أي طرف يسعى إلى تغيير السلطة في باماكو، في مؤشر على انتقال التحالف من الميدان إلى مستوى الخطاب السياسي.
وفي تفاصيل الهجوم، تشير لوفيغارو إلى أن العمليات بدأت بضربات دقيقة استهدفت منازل كبار القادة في مدينة كاتي، معقل الجيش، حيث قُتل وزير الدفاع في هجوم انتحاري. وتؤكد المعطيات الميدانية أن الانفجار دمّر منزله بالكامل وأوقع عددا كبيرا من الضحايا، بينهم مدنيون، مما يعكس طبيعة الهجوم العنيفة واتساع نطاقه.
وتؤكد لوموند أن المعارك استمرت حتى اليوم التالي، مع وجود مسلحين في محيط العاصمة، بينما تفيد تقارير ميدانية بأن بعض المدن، مثل موبتي، سقطت مؤقتا بيد الجماعات المسلحة قبل انسحابها منها بعد نهب مخازن السلاح، في تكتيك يعكس مرونة عملياتية متقدمة.
ويحمل هذا الحدث، وفقا لليبراسيون، رمزية مزدوجة، إذ كانت المدينة الوحيدة التي أعلن المتمردون عزمهم على الصمود فيها، حيث وعد المتحدث باسم جبهة تحرير أزواد الوطنية في حديث لصحيفة ليبراسيون مساء السبت بأن جماعته احتلت كيدال لتبقى فيها وأنها لن تنسحب.
ويعتقد أندرو ليبوفيتش، وهو باحث في معهد كلينغندايل، أن "وضع كيدال سيتغير بشكل دائم"، مضيفا أنه سيكون "من الصعب الآن تصور هجوم مضاد من قبل الجيش المالي على المدى القريب" على هذه المدينة التي تبعد عن باماكو نحو 1300 كيلومتر.
بل يذهب الباحث أبعد من ذلك، مؤكدا أن سقوط كيدال يمثل "نقطة تحول إستراتيجية".
وتتفق لوفيغارو مع هذا التقييم، مؤكدة أن سقوط هذه المدينة بيد الطوارق، ستكون له تداعيات هائلة في باماكو.
وتذكر بأن مصير هذه المدينة ظل مصدر استياء بين الماليين منذ سقوطها الأول عام 2012، وأن استعادتها عام 2023 من قبل المجلس العسكري بقيادة فاغنر مثّلت انتصارا حاسما للنظام المالي وبرهانا على فعالية التعاون مع موسكو.
أحد الدبلوماسيين: إذا تأكد سقوط كيدال، فسيكون ذلك، إلى جانب مقتل ساديو كامارا، ليس مجرد ضربة للمجلس العسكري، بل فقدانا لشرعيته.
وتؤكد مصادر ميدانية أن السيطرة على المدينة جاءت بعد اتفاق سمح بخروج عناصر روسية كانت متمركزة هناك، مما يعكس تعقيد التوازنات على الأرض.
ويضيف هذا الدبلوماسي: "هذا الأمر مُثير للدهشة، لا سيما وأن هجوم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم يكن ليُفاجئهم"، وتبرز لوفيغارو أن تقارير عديدة أشارت الأسبوع الماضي إلى وجود استعدادات داخل صفوف الجماعة لشن غارات.
وتلفت الصحيفة إلى نبرة الاستياء التي سادت قناة "ريبار" على تطبيق تيليغرام، والمعروفة بقربها من فاغنر، نتيجة "فقدان القيادة المالية السيطرة تماما" و"الفشل الذريع للاستخبارات".
أما بشأن القدرات العسكرية للجماعات المسلحة، فتشير لوفيغارو إلى أن تنسيق الهجمات على مدن متباعدة مثل غاو وموبتي وسيفاري يعكس مستوى غير مسبوق من التنظيم، وهو ما تؤكده أيضا تقارير ميدانية تشير إلى استخدام تكتيكات متنوعة، من الهجمات الانتحارية إلى السيطرة المؤقتة على المدن ونهب ترسانات الجيش.
ما جرى في مالي ليس مجرد هجوم واسع، بل لحظة تحوّل قد تعيد تشكيل موازين القوى
في المقابل، تبرز مسألة الدور الروسي كأحد عناصر الضعف في المشهد. فوفق لوموند (Le Monde)، دخلت قوات "أفريكا كور" في مفاوضات مع المهاجمين في بعض المناطق، بينما تشير معطيات ميدانية إلى أن هذه القوات اضطرت إلى الانسحاب من بعض المواقع، ما يطرح تساؤلات حول فعاليتها كحليف أمني.
وفي ظل هذه التطورات، تشير لونوفيل أوبس إلى أن رد فعل السلطة بدا "دفاعيا وضعيفا"، خاصة مع غياب الرئيس عن المشهد وتأخر التواصل الرسمي. كما أن الحصيلة الرسمية المحدودة للضحايا تثير شكوكا، بالنظر إلى حجم الهجمات واتساعها الجغرافي.
وانطلاقا من هذه التغطيات يمكن القول إن ما جرى في مالي ليس مجرد هجوم واسع، بل لحظة تحوّل قد تعيد تشكيل موازين القوى.
وبينما يفرض "التحالف المستحيل" نفسه كقوة ميدانية وسياسية ناشئة، يبقى السؤال مفتوحا، كما تلمّح إليه ليبراسيون ولونوفيل أوبس حول مدى قدرة هذا التحالف الهش على الاستمرار، أو ما إذا كان سيتكرر سيناريو 2012 حين انهار سريعا بعد تحقيق أهدافه الأولى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة