في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
على النقيض من الدور المكثف الذي مارسه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري في المفاوضات الإيرانية قبل عقد، يغيب الوزير الحالي ماركو روبيو عن مسار الأزمة الراهنة.
وبرز هذا الغياب حين تولى جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي إدارة 21 ساعة من المفاوضات في إسلام آباد، في حين كان روبيو يرافق الرئيس دونالد ترمب لحضور مباراة للفنون القتالية المختلطة في ميامي.
ومع استعداد واشنطن لجولة محادثات جديدة، يستمر تفويض هذه المهام الدبلوماسية إلى شخصيات مقربة من ترمب، كصهره جاريد كوشنر وصديقه ستيف ويتكوف.
ويدفع هذا الغياب لوزير الخارجية في ملف دولي حساس إلى التساؤل: هل انتهى الدور التقليدي لوزارة الخارجية في عهد ترمب أم أن غياب روبيو يُعَد خيارا سياسيا مدروسا للابتعاد عن هذا الملف؟
يفسر بيتر روف، الكاتب في مجلة نيوزويك ، هذا المشهد عبر شاشة الجزيرة بالقول إن ترمب "رئيس غير تقليدي" يعتمد على خلفيته في عالم الأعمال لتسيير شؤون الدبلوماسية.
ويميل ترمب -وفق روف- إلى "خصخصة" السياسة الخارجية وإسنادها إلى أشخاص يثق بهم شخصيا، مثل ويتكوف وكوشنر، اللذين يقودان الآن جهود التفاوض ليس فقط مع إيران بل في أوكرانيا والشرق الأوسط وروسيا.
يحمل ماركو روبيو لقبا لم يحمله أحد قبله منذ عهد هنري كيسنجر في السبعينيات، فهو يجمع بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي. هذا الوضع المزدوج جعل رواد الإنترنت يطلقون عليه تهكما لقب "وزير كل شيء"، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز .
وبحسب تحليل لصحيفة فايننشال تايمز ، فإن روبيو لم يقم سوى بـ71 يوما من السفر منذ توليه منصبه، وهو المعدل الأقل لأي وزير خارجية أمريكي في هذا القرن، لكنَّ فريق روبيو يدافع عن هذا الغياب الخارجي المستمر.
ويقول المتحدث باسم الخارجية الأمريكية تومي بيغوت لصحيفة نيويورك تايمز إن وجود روبيو في البيت الأبيض جعل مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية "يعملان بتناغم تام افتقدته الإدارات السابقة لعقود".
ويبرر روبيو نفسه هذا البقاء بأنه لم يعد بحاجة إلى السفر، لأن قادة العالم يأتون إليه في واشنطن، مما يمكنه من عقد لقاءات تدمج دورَيْه معا في غرفة واحدة.
وترى إيما آشفورد من مركز "ستيمسون" أن روبيو يفضّل بوضوح البقاء قريبا من الرئيس ترمب، الذي يبدو مندفعا ويتخذ قرارات مصيرية في أي لحظة. وتضيف أن هذا الوضع أدى فعليا إلى أن "منصب وزير الخارجية يبدو شاغرا"، وهو ما يضر بقدرة أمريكا على ممارسة الدبلوماسية.
خلف التبريرات الإدارية، تبرز حسابات سياسية براغماتية، إذ يُنظر إلى روبيو بأنه أحد الطامحين الجديين للترشح للرئاسة في عام 2028، تماما مثل غريمه داخل الإدارة نائب الرئيس جيه دي فانس.
ورغم أن بيتر روف استبعد عبر الجزيرة وجود صلة بين غياب روبيو وانتخابات 2028 (مشيرا إلى تصريح روبيو بأنه سيدعم فانس ولن يترشح ضده)، فإن تحليل فايننشال تايمز يميل إلى قراءة مختلفة، تربط بوضوح بين هذا النأي المتعمد عن أزمات الشرق الأوسط والطموحات الرئاسية المبكرة.
ويرى ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، أن روبيو "ربما أدرك بالفعل أن ملف إيران خاسر تماما، وكلما قل ارتباطه به كان ذلك أفضل له".
ويشير مساعد جمهوري سابق إلى أن نجاح مفاوضات إيران سيكون انتصارا هائلا لـ"فانس" (الذي تُظهره الاستطلاعات مرشحا محتملا لعام 2028)، لكنه يتساءل "ماذا لو فشلت المحادثات؟ حسنا، حينئذ يكون جيه دي فانس قد فشل، وهذا يمثل نقطة إيجابية خالصة لروبيو"، وفقا لـ"فايننشال تايمز".
ولعل هذا ما يفسر تركيز روبيو جهوده في مناطق آمنة يمكنه تحقيق انتصارات فيها، وتحديدا في أمريكا اللاتينية ( فنزويلا و كوبا ونيكاراغوا)، مبتعدا قدر الإمكان عن الشرق الأوسط، ومحافظا على ولائه الثابت لترمب، وهو ما انعكس على حظوظه التي قفزت في استطلاع مؤتمر العمل السياسي المحافظ (CPAC) الأخير من 3% إلى 35%.
غياب روبيو عن طاولة المفاوضات مع إيران قد لا يكون مجرد صدفة أو نتيجة لانشغاله في البيت الأبيض، بل يبدو تقاطعا بين أسلوب ترمب الذي يهمّش الدبلوماسية المؤسسية لصالح مبعوثيه الشخصيين، وحسابات سياسية يرى مراقبون أنها تجعل النأي بالنفس عن أزمات الشرق الأوسط المعقدة خيارا أقل كلفة لمستقبل روبيو الرئاسي المحتمل، تاركا منافسيه يغوصون في الرمال الإيرانية المتحركة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة