في الظاهر، تبدو القصة قصة صلب، لكن في الحساب الصناعي، هي قصة سيارات أيضا. فالهجوم على منشآت الفولاذ أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم يضرب قطاع المعادن بوصفه قطاعا قائما بذاته فقط، بل يصيب واحدة من أهم حلقات التصنيع في بلد ما تزال فيه السيارات من أكبر الصناعات غير النفطية وأكثرها تشابكا مع الموردين والتجميع والسوق المحلية.
وحين يختل تدفق الصلب المسطح، لا يظهر الأثر أولا في خامات المصانع، بل في خطوط الإنتاج التي تعتمد على الصفائح واللفائف قبل أي شيء آخر.
صناعة السيارات في إيران ليست صناعة هامشية، إذ تظهر بيانات المنظمة الدولية لمصنعي السيارات أن البلاد أنتجت في 2024 نحو 1077839 مركبة، لكن هذا الرقم يبقى أدنى بكثير من ذروة تاريخية بلغت نحو 1.6 مليون مركبة قبل سنوات، مما يعني أن القطاع يعمل اليوم عند مستوى يقل بنحو 32.6% عن قمته السابقة.
وتصبح الصورة أوضح إذا نُظر إلى الأرقام الأحدث داخل السوق المحلية. فبحسب البيانات المنشورة عن أول 11 شهرا من السنة الإيرانية 1404 (انتهت 20 مارس/آذار الماضي)، أنتجت الشركات الثلاث الكبرى "إيران خودرو" و"سايبا" و"فارس خودرو"، 735334 سيارة ركوب، بتراجع 9.2% عن الفترة نفسها من العام السابق.
يعادل هذا متوسطا شهريا يقارب 66.8 ألف سيارة فقط، وهو رقم يكشف أن القطاع كان يتحرك أصلا تحت الضغط قبل أن يدخل عامل استهداف الصلب بقوة في المعادلة.
هنا تحديدا تظهر قيمة الفولاذ. وتقول الرابطة العالمية للصلب إن السيارة الحديثة تستخدم في المتوسط نحو 900 كيلوغرام من الفولاذ، وإنه لا يزال يشكل أكثر من 50% من مكونات السيارات الحديثة.
وإذا طُبِّق هذا المتوسط على إنتاج إيران الكلي في 2024، فهذا يعني حاجة نظرية تقارب 970 ألف طن من الفولاذ لصناعة المركبات في عام واحد، وإذا طُبِّق على إنتاج الشركات الثلاث الكبرى في 11 شهرا من السنة الإيرانية 1404، فنحن أمام ما يناهز 662 ألف طن، وهذا ما يعني تحوّل أي اضطراب في الصلب إلى تهديد فوري لصناعة السيارات.
لكن المشكلة ليست في "الصلب" بشكل عام، بل في نوع محدد منه وهو الفولاذ المسطح، المنتج الذي يدخل في الهياكل والأبواب والأسقف وأجزاء الهيكل الأساسي للسيارة والمكونات الإنشائية.
لذلك فإن صناعة السيارات لا تتأثر فقط إذا انخفض إنتاج الصلب الخام، بل إذا اضطربت تحديدا إمدادات لفائف وصفائح محددة تشكل جسد السيارة نفسه.
توضح أرقام قطاع الصلب نفسه هذه النقطة. فبحسب الرابطة العالمية للصلب، أنتجت إيران في 2025 نحو 31.8 مليون طن من الصلب الخام، ما أبقاها ضمن أكبر 10 منتجين في العالم. لكن ضخامة الرقم هنا لا تعني أن الاختناق غير ممكن، لأن صناعة السيارات لا تستهلك "الصلب الخام" في صورته العامة، بل تحتاج إلى المنتجات المسطحة النهائية أو شبه النهائية التي تمر عبر حلقات أكثر حساسية للتعطل.
وهذا ما يفسر أهمية شركة "فولاذ مباركة" تحديدا، والتي تبين معطياتها الرسمية أنها طاقة إنتاجها البلاطات تبلغ نحو 7.2 ملايين طن سنويا، وأن طاقة الدرفلة الساخنة تقارب 5.2 ملايين طن، كما أن منتجاتها تشمل صفائح ولفائف تستخدم في أجزاء السيارات.
هنا تقع نقطة الاختناق، فحين تتضرر هذه الحلقة، لا تواجه السوق نقصا عاما في مادة خام فقط، بل اضطرابا في المادة التي تبدأ منها عملية تصنيع السيارة.
تكشف الأرقام الرسمية أن الأزمة تجاوزت مستوى القلق النظري. ففي أبريل/نيسان الجاري، أعلن وزير الصناعة الإيراني منح شركة "فولاذ مباركة" ترخيصا لاستيراد الورق الساخن، موضحا أن الغاية هي تغطية احتياجات أكثر من 1380 وحدة صناعية و2400 وحدة ثانوية.
ومجرد العودة إلى الاستيراد في منتج بهذا المستوى من الحساسية يعني أن الخلل لم يعد مجرد احتمال، بل أصبح فجوة يجري التحضير لسدها من الخارج.
في الوقت نفسه، تقول التقارير الصادرة عن الاجتماعات التي عُقدت بين "فولاذ مباركة" وكل من "إيران خودرو" و"سايبا" إن الشركة تعمل عبر الطاقات المساندة والخطوط البديلة لإعادة الاستقرار إلى الإنتاج، وإن "معظم" احتياجات شركات السيارات يمكن تلبيتها، مع إبقاء خيار التعويض عبر شركة أخرى أو عبر الاستيراد مطروحا إذا ظهرت فجوات.
بدا بهذا أن السوق لم تعد تتحدث عن وفرة مريحة، بل عن إدارة نقص محتمل قبل أن يصل إلى خطوط التجميع.
حتى الآن، لا تشير الأرقام إلى توقف شامل ووشيك لصناعة السيارات في إيران. لكن ثمة مخاوف من أن يظهر الأثر بشكل تدريجي يتمثل في ضغط على جداول الإنتاج، ويعيد ترتيب الأولويات بين الطرازات واستخدام المخزون ثم تحميل السوق جزءا من ارتفاع كلفة المدخلات إذا طال الاضطراب.
هذا النمط من الأثر ليس خاصا بإيران وحدها، فقد نقلت وكالة رويترز هذا الشهر تحذيرات من أن الحرب رفعت بالفعل كلفة الوقود والشحن والمدخلات، وبدأت تضغط على صناعة السيارات في أسواق أخرى أيضا.
لكن هشاشة الحالة الإيرانية تبدو أكبر، لأن القطاع يدخل هذه المرحلة وهو أصلا أقل من ذروته التاريخية، ولأن إنتاجه الفعلي في العام الإيراني الماضي كان متراجعا قبل أن تتضرر منشآت الصلب الرئيسية.
ولهذا فإن السؤال لم يعد هل تحتاج صناعة السيارات في إيران إلى الفولاذ، إذ إن هذا محسوم بالأرقام، بل أصبح إلى متى تستطيع الصناعة امتصاص اضطراب الصفائح المسطحة قبل أن يظهر الأثر بوضوح في إنتاج سيارات أقل، وتسليم أبطأ، وكلفة أعلى؟
في النهاية، لا تبدأ السيارة في إيران من المحرك ولا من خط التجميع، بل تبدأ من اللفافة الفولاذية، وإذا اهتزت هذه الحلقة، فلن يبقى الأثر داخل مصانع الصلب وحدها، بل سيمتد إلى المصنع والسوق والمستهلك معا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة