في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبيل، أجمعت بعض كبريات الصحف الفرنسية على أن الحادثة لم تعد مجرد فصل من الماضي النووي الأوروبي، بل تحولت إلى مرآة مفتوحة على الحاضر، فثمة حرب، وذاكرة، ومستقبل طاقة لا يزال موضع جدل.
وركزت لوفيغارو على البعد الاستراتيجي والطاقي للكارثة، مقدمة تشيرنوبيل بوصفها نقطة تحول لم توقف التوسع النووي، بل أعادت تشكيله.
وتشير افتتاحية فابريس نودي-لانغلوا إلى مفارقة لافتة: فرغم وجود عشرات المشاريع النووية الجديدة، فإن صورة السحابة المشعة لتشيرنوبيل ما زالت تهيمن على الوعي الفرنسي، حتى لو لم يصرح أحد بذلك رسميا.
بعد مرور 40 عاما على الكارثة، لا يزال نحو 415 مفاعلا نوويا ينتج الكهرباء في جميع أنحاء العالم
ويوضح أنه بعد مرور 40 عاما على الكارثة، لا يزال نحو 415 مفاعلا نوويا ينتج الكهرباء في جميع أنحاء العالم، والأهم من ذلك، حسب قوله، أن 72 مفاعلا آخر قيد الإنشاء، فضلا عن العديد من مشاريع محطات الطاقة الصغيرة.
وفي ختام مقاله، يشيد الكاتب بالطاقة النووية، قائلا إنها توفر للدول التي تتقنها، مثل فرنسا، حماية من مخاطر أخرى كالاعتماد على الهيدروكربونات الأجنبية وتغير المناخ.
وفي المقابل، ذهبت ليبراسيون إلى زاوية أكثر حدة، فربطت بين إرث 1986 والواقع الجيوسياسي الراهن، فالكارثة لم تعد حدثا نوويا مغلقا، بل أصبحت جزءا من الحرب الروسية على أوكرانيا.
وتشير الصحيفة إلى أن القبة الواقية الحديثة للمفاعل الرابع تعرضت لهجوم بمسيّرة في فبراير/شباط 2025، مما أدى إلى أضرار وحريق استمر أسابيع، وهو ما اعتبرته منظمة غرينبيس خطرا قد ينجم عنه إطلاق مواد إشعاعية.
وتنقل الصحيفة عن خبير السلامة النووية البلجيكي يان فان دي بوت قوله إن "الضربة الجوية التي استهدفت تشيرنوبيل عام 2025 وقعت في الليلة التي سبقت افتتاح مؤتمر ميونيخ للأمن".
وعلق بالقول إنه كان من الممكن وصف ما حدث "بالإرهاب النووي، بالنسبة إلينا، ما حدث عمل غير منطقي على الإطلاق، أما بالنسبة إلى الروس، فهذه خطوة محسوبة، فهم يسعون إلى تحقيق مكاسب سياسية، أو ربما إلى الحصول على بوليصة تأمين على الحياة، رمزا للحصانة ضد الهزيمة" على حد تعبيره.
وتذهب ليبراسيون إلى اعتبار ما يجري تسييسا للأمن النووي ووسيلة لتحويله إلى أداة ضغط في الحرب، حيث يصبح الخطر الإشعاعي جزءا من المعادلة العسكرية.
وفي مقال آخر بصحيفة لوفيغارو اختار مراسلها فينسان جولي لدى حديثه عن هذه القضية عنوان: "500 مليون دولار خسائر ونظام احتواء منهك: في أعماق تشيرنوبيل، حيث أعادت روسيا فتح جراح الكارثة".
ولفت في تقريره إلى أنه منذ الانفجار الهائل الذي وقع عام 1986، لم يتم تفكيك المفاعل رقم 4 حتى الآن، ولا يزال التابوت الجديد متضررا جراء مسيّرة روسية اخترقته في العام الماضي، موضحا أن المهندسين والفنيين يراقبون في قلب الموقع هذا الهيكل المتضرر.
وحذّر المراسل في آخر مقاله من التلكؤ في التعامل مع هذا الهيكل المتضرر ومن الانتظار. وقال إن "علينا أن نتوقف عن اعتبار هذه القضية مأساة من الماضي، ونعتبرها منذ اليوم مشكلة من مشاكل المستقبل".
أما لوموند، فاختارت أن تنزل إلى مستوى أكثر إنسانية، مذكّرة بأن خلف الأرقام والهياكل الخرسانية هناك آلاف القصص المنسية، وتستعيد، في تقرير لها من كازاخستان، تجربة "المصفّين" الذين أُرسلوا من مختلف جمهوريات الاتحاد السوفياتي، ومن بينهم أكثر من 30 ألف كازاخي.
كالميكوف: كان من المفترض أن تكون الذرة للاستخدامات السلمية، لكن الإنسان يتصرف دائما قبل أن يفكر
ويقول مدير متحف كاراغاندا لضحايا تشيرنوبيل دميتري كالميكوف: "كان من المفترض أن تكون الذرة للاستخدامات السلمية، لكن الإنسان يتصرف دائما قبل أن يفكر".
ويكشف التقرير كيف أن هؤلاء العمال واجهوا الإشعاع دون حماية كافية، حيث لم تصل معدات الوقاية إلا بعد أسابيع.
ثم عاد كثير منهم إلى أوطانهم ليجدوا أن ذاكرتهم نفسها أصبحت مهمّشة، وأن تعويضاتهم تقلصت إلى مستويات ضعيفة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
وبينما ترى لوفيغارو في تشيرنوبيل نقطة انطلاق لنقاش عالمي حول الطاقة النووية بين الضرورة المناخية والمخاطر، تعتبر ليبراسيون أنها أصبحت رمزا لزمن "النووي المُسيّس" في الحرب الحديثة.
أما لوموند فتذكر بأن جوهر القصة ما زال إنسانيا، منبهة إلى وجود آلاف الأشخاص الذين حملوا الإشعاع في أجسادهم دون أن يحملوا الاعتراف الكافي في الذاكرة الرسمية.
ويبدو أن تشيرنوبيل، بعد أربعين عاما، لم تعد فقط موقعا جغرافيا أو حادثا نوويا، بل أصبحت سؤالا مستمرا عن حدود التكنولوجيا، وعن استخدام الخطر في السياسة، وعن قدرة العالم على إنصاف من وقفوا في وجه "العدو غير المرئي".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة